تُعتبر حركتا المدّ والجزر من أقدم مصادر الطّاقة النّظيفة التي استعملها الإنسانُ في تاريخه، حيث تمَّ العثورُ على بعض الأدوات المُستعملة لهذا الغرض في الجانب الغربيّ للقارّة العجوز (أوروبا) منذ العصور الوسطى المبكّرة. وتتمثّل هذه المُعدّات في بركٍ يتمُّ استغلالها لتخزين المياه أثناء حركة المدّ أو الفيضانات، تنتهي عادةً بطاحونةٍ تقومُ بتفريغ هذه البرك لاستخراج الطّاقة الميكانيكيّة. ومع مرور الزّمن وازدياد الاحتياجات البشريّة للطّاقة، أصبح بإمكاننا رؤيةَ هذه الطّواحين في أعماق البحار والمحيطات.


كيف نستخرج طاقة المدّ والجزر؟

في الواقع، توجد ثلاثُ طرقٍ رئيسيّةٍ لاستخراج الطّاقة من حركة المدّ والجزر، تعتمدُ على توظيف العنفات، أو إنشاء البُحيرات والسّدود.

1) العنفات: العنفةُ جهازٌ ذو عضوٍ دوّار حول محور وسطيّ، يستمدّ طاقته من قوّة التّيّار الذي يعترضه. كثيراً ما يُستعمل لفظ التّوربين للإشارة إلى العنفات، وهي كلمةٌ لاتينيّة مُعرّبة (turbo). جديرٌ بالذّكر أنّ المراوح الهوائيّة والطّواحين كانت أوّل العنفات التي تسنّى للإنسان استخدامها لسهولة صُنعها وفاعليّتها، كما تُعتبر الطاقة المتولّدة عن التّيّارات المائيّة أكثر فاعليّةً من مثيلتها التي تُنتجها عنفات التّيّار الهوائيّ،  ويرجِعُ ذلك بالأساس للفارق الكبير على مستوى الكثافة بين الغازات والسّوائل. نادراً ما تخلو طرقُ استخراج طاقة المدّ والجزر من استخدام العنفات.

 

2) البُحيرات: يتمُّ تكوينُ هذه البحيرات عن طريق تجميع مياه المحيطات في بركٍ صناعيّة، صُمّمت لتلعب دور الخزّانات لهذه المياه؛ حيث يتمّ ملءُ وتفريغ هذه البُحيرات عن طريق تشغيل العنفات. تُشبه هذه البحيرات السّدود إلى حدٍ ما، غير أنّ الاختلاف الجوهريّ بينهما يكمن في مكان الإنشاء، إذ يقتصر تواجد هذه البحيرات الصّناعيّة على السّواحل وضفاف الأنهار الكبيرة. كما تتميّز بكونها صديقةً للبيئة؛ إذ لا ترتبط هذه الطّريقة في إنتاج الطّاقة بانبعاثاتٍ غازيّة سامّة، وبالتّالي لا تُساهم في تفاقُم ظاهرة الاحتباس الحراريّ. علاوةً على ذلك، يعتمدُ إنشاءُ مثل هذه البحيرات بالكامل على موادّ طبيعيّة وغير ضارّة، كالصّخور والأحجار وما شابههما.

من المُثير للاهتمام أيضاً أنّه يمكن تحويل بعض هذه البحيرات إلى محميّاتٍ طبيعيّة، حيث يتسنّى لبعض أنواع الأسماك الصّغيرة والكائنات المائيّة المجهريّة العيش في هذه البحيرات، مع إمكانيّة تربية بعض الحيوانات البرّيّة على ضفافها أيضاً، الأمرُ الذي من شأنه أن يجعل فاعليّة هذه البحيرات تتجاوز مجال الطاقة، لتشمل -على سبيل المثال- قطّاع السّياحة أيضاً.

3) السّدود: يتشابه تكوين السّدود مع البحيرات، حيث يعتمد تجميعُ المياه في هذه الحالة على العنفات، أو عن طريق إنشاء مساقط مائيّةً فيما يشبه الشّلاّلات. ففي كثيرٍ من الأحيان، يلجأ المهندسون إلى جعل مستوى البركة المُجمّعة للمياه أقلّ من مستوى القنال أو التّيّار المائيّ، وهو ما يميّز السّدود عن البحيرات بشكلٍ واضح. أمّا من ناحية الهيئة العامّة، تلتقي السّدود مع البحيرات في طريقة التّخزين، إذ يتمّ فتحُ الطّريق إلى المجاري المائيّة المؤدّية إليها في حالة ارتفاع منسوب المياه، لتكوين ما يشبه البُحيرة. وعند تجميع الكمّيّة الكافية من الماء، يتمّ تفريغُها عن طريق تشغيل العنفات التي تستمدّ طاقتها من التّيّار المتولّد، وهو ما يسمح لنا لاحقاً بتوليد الطّاقة الكهربائيّة من قوّة الدّفع المائيّ.

 

 

  • ماهي المميّزات التي تدفعنا إلى استغلال طاقة المدّ والجزر؟ وماهي سلبيّاتها؟

 

من المؤكّد أنّ هذا النوع من الطّاقة يزخر بالإيجابيّات، وإلاّ لما ظلّ الإنسانُ يلجأ إليها منذ هذه القرون الطّويلة. وفي ما يلي، نُحاول عرضَ أبرز نقاط القوّة التي تميّز طاقة المدّ والجزر:

  1. الاستمراريّة: ترتبط قابليّةُ استخراج طاقة المدّ والجزر بتواجد أمواج الأنهار والمحيطات، ممّا يجعل منها مصدراً لا ينضب أبداً. وإذّاك، يمنحُ استخدامُها حداً أدنى من الضّمان، وهو ما لا توفّره مصادر الطّاقة الأخرى، خاصّةً العضويّة منها. كما لا يخفى أنّ التنبّؤ بمقدار الطّاقة الممكن استخراجُها قد أصبح ممكناً ولو قبل عدّة سنوات، جرّاء التّقدّم العلميّ وتطوّر طرق التنبّؤ بمُعطيات المناخ.
  2. الوفرة: من أهمّ مُميزات هذه الطّاقة أنّها غير قابلة للاحتكار، إذ يعتمدُ إنتاجُها على المجال المغناطيسيّ الأرضيّ، و موقع كلّ من الشّمس والقمر بالنّسبة لكوكبنا الأزرق. وبالتّالي، لا تملك أيٌّ من الدّول أو المنظّمات الاستئثار بها كما هو الحال مع عدّة مصادر أخرى للطّاقة.
  3. التّكلفة: تُعدُّ قِلّةُ التّكلفة من أهمّ الإيجابيات التي تتمتعُ بها طاقةُ المد والجزر، إذ تعتمد هذه العمليّة على معدّاتٍ سهلة الصّنع -نسبيّاً-، بالإضافة إلى قلّة احتياجها إلى الصّيانة، وكونها غير باهظة. ويُضافُ إلى هذا إمكانيّةُ استغلالها من طرف الجميع، ممّا يعني تفاقمَ المنافسة، ووصولها إلى المُستهلك بثمنٍ زهيد.
  4. الفاعليّة: لا تحتاج العنفات المُستخدمة إلى تيّارٍ بالغ القوّة لكي تقوم بعملها على أكمل وجهٍ، ممّا يعني أنّها تتطلّب فقط سرعة تيّار تُقدّر بالمتر في الثّانية لإدارتها. وإذ كان المناخ كثير التّقلّب عبر فصول السّنة وأنحاء الكوكب المُختلفة، تضمنُ لنا طاقةُ المدّ والجزر حداً معقولاً وملائماً، يمكن التّعويلُ عليه في سدّ جزءٍ ما من احتياجاتنا للطاقة.
  5. التّأثير البيئيّ: لا أظنّنا بحاجةٍ إلى الإطالة في شرح هذه النّقطة، فغيابُ الإفرازات السّامّة وعدم تداخل مراحل إنتاج هذه الطّاقة مع إزالة الغابات، كفيلان بإزالة القلق عن أحبّاء البيئة.

 

في المقابل، لا تخلو وسائلُ استخراج هذه الطّاقة من بعض العيوب والمساوئ التي قد تحدّ من استغلالها، نذكر منها:

  1. التّأثير على الحياة البحريّة: لا شكّ أنّ وضعَ العنفات قد ييسّر كثيراً حياة الانسان، ولكنّ الحال لا يبدو كذلك لقاطني البحار والمحيطات، من مختلف الأسماك والطّحالب وغيرها من الكائنات البحريّة. إذ يشكّل حجمُ وحركة التّوربينات المُستخدمة عائقاً كبيراً لاستمرار الحياة في هذه الأماكن، بسبب ما ينتج عنها من تيّاراتٍ عنيفةٍ واختلالٍ في التّوازن البيئيّ.
  2. التّكلفة: من الطّبيعيّ أن يتعجّب القارئ من ورود ذكر هذا العامل مرّةً ثانيةً، إذ سبق التّأكيدُ على زهد تكلفة إنشاء محطّات توليد طاقة المدّ والجزر. قد يكون الأمر كذلك فعلاً بالنّسبة للسّدود والبحيرات، إلاّ أنّ الأمر يختلفُ كثيراً في حالة العنفات المثبّتة في قاع البحار والمحيطات، إذ لازالت تكلفةُ تركيبها في مثل هذه الأماكن تستدعي تمويلاً كبيراً، قد لا يتوفّر في العديد من الحالات.
  3. المردود: تمثّل كمّيةُ الطّاقة المُنتجة عن طريق الوسائل الطّبيعيّة عائقاً هامّاً، إذ إنّه لا يوجد وسيلةٌ -حتى الآن- تستطيعُ بمفردها الإيفاء بالحاجيّات الطّاقيّة البشريّة. ومنه، تكمن العقبة الكبرى التي تقف حائلاً وراء استعمال طاقة المدّ والجزر بشكلٍ كامل وراء هذا العامل. كما تجدر الإشارة إلى أنّ عدد مناطق إنشاء المحطّات السّابق ذكرها محدودٌ جداً، قدّره الخبراءُ بنحو عشرين محطةً فقط في كوكبنا كلّه.

 

رغم هذه السّلبيّات، لا تنتفي أهمّيّة استخراج طاقة المدّ والجزر من التّيّارات المائيّة المتاحة على الأرض. كما يستطيع الإنسان تفادي المردود الضّعيف لهذه العمليّة، وذلك عبر تجميع العديد من مصادر الطّاقة الطّبيعيّة النّظيفة في منشئٍ واحدٍ، وهو ما يتمّ دراستُه حالياً في العديد من المشاريع.


مصدر 1، 2، 3، 4

  • إعداد: طه ياسين بن إبراهيم
  • مراجعة: سارة تركي
  • تدقيق: سارة المحسن
مشاركة!
الرابط المختصر:

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا