تعود فكرتها إلى الصين القديمة، ويعود أقدم نصٍّ يشرح العلاج بها إلى كتاب (هوانج- دى- نيينج) في القرن الأول قبل الميلاد، وتعود بعض النظريات فيها لفترات أقدم من ذلك بكثير.

تعتمد فكرتها بشكل أساسيّ على ادّعاء بأنّ الجسد تُنظّمه الطاقة المعروفة باسم (تشي) التي تتّخذ داخله مساراتٍ مُعينة تُعرف بـ “مسارات الطاقة” (meridians) وعند اعتلال الجسم يحدث اختلالٌ في هذه المسارات، يحتاج للتدخل باستخدام الوخز بالإبر في أماكن مُحددة وفق تتابعٍ مُعيّن لكي تواصل الـ (تشي) دورتها.

يدّعي الممارسون لها أنها تُستخدم في علاج أكثر من 60 حالةً، بدءاً من حب الشباب، مروراً بالأكزيما والصدفية والصداع والشقيقة وآلام الظهر والتّصلّب المُتعدّد وصولاً لارتفاع ضغط الدم وفشل عضلة القلب والسكّري من النوع الثاني بل ومرض نقص المناعة المكتسب(الإيدز) وبعض أنواع السرطانات، وحالات أخرى كثيرة لا يتّسع المجال لذكرها.

ما مدى صحّة ذلك ؟

خلال العقود الماضية تمّ تقديم آلاف الأوراق البحثيّة عن الإبر الصينية ومدى فعاليتها، وتنوّعت النتائج بين القبول والرفض، وظهر عددٌ من الفرضيّات التي تُفسّر النتائج، وظهرت عدّة مُلاحظاتٍ من هذه الأبحاث:

الأولى: أنّ أغلبها اعتمد على عيّنات قليلة العدد جداً والكثير منها كان بدون عمل مجموعة معياريّة Control group” ” يُمكن قياس مدى التّحسّن المزعوم عليها، وهذا يُلقي بظلالٍ من الشّك على النتائج ومدى قابليّتها للتكرار بالإضافة لكونه يُخلُّ بالنتائج إحصائياً ويجعلها غير قابلةٍ للقياس، وهذا ما جعل الدوريات العلمية والطبية الكبرى تُحجمُ عن نشر نتائج الأبحاث من هذه النوعيّة، ولو بحثت عن الدوريّات التي تنشرها ستجدها في الغالب إما مُختصّة بما يُعرف بـ (الطبّ البديل) أو دوريّات أقل تصنيفاً وتنشرها دون التعليق عليها، أو حتى غير علميّة أصلاً .

الثانية: تمّ إثبات فعاليّة محدودة للإبر عند الأطفال فى كلّ من حالات الغثيان المصاحب للعلاج الكيميائي للأورام،والغثيان الشائع بعد الجراحات، بعد مقارنة نتائج عدّة دراسات، والتأكّد من مدى مُطابقة شروط التجربة للمواصفات المطلوبة لاعتبارها علميّة، وهذه تُعدّ الحالات الوحيدة التي تمّ قبول النتائج فيها بشكلٍ تامّ، وإن كانت الفعاليّة لا ترقى إحصائياً لفعاليّة العلاجات التقليديّة.

الثالثة: تمّ تطوير إبرٍ للعلاج الزائف ” Placebo ” لمقارنتها بالإبر الصينية تُعرف باسم إبر سترايتبرجر ” Streitberger” تُعطي الشّعور بالوخز فقط دون أيّ تأثيرات أخرى، وكانت النتيجة أنّ أغلب المرضى الذين تلقوا العلاج بالإبر الزائفة أكدوا أنهم تلقوه بالإبر الحقيقية وأنهم شعروا بالتحسّن، بل في إحدى الدراسات أكد 88% من العينة التي عوملت بالإبر الزائفة بأنهم تلقوا إبراً حقيقية، بينما 80% فقط ممن عوملوا بالإبر الحقيقية أكدوا أن ما تلقوه هو إبر حقيقية وليست زائفة.

و إذا أضفنا لهذه النتائج أنّ الفارق في الفعالية بين المجموعتين في أغلب الدراسات إن لم يكن كلها كان محدوداً للغاية ويكاد يكون معدوماً، وكان الفارق عادةً يكون موجوداً عندما يكون هناك انحياز تأكيدي ” Bias” لدى المرضى أو الباحثين، إذا وضعنا كل هذا في الاعتبار يتّضح لنا مدى مصداقية هذه الادعاءات.

الخلاصة:

الإبر الصينية تقنية مبنية على أُسس غير علمية ولا يمكن التأكد من هذه الأسس أو قياسها، وحتى الآن لم يتمّ إثبات فعاليتها إلا في حالات مُحدّدة لدى الأطفال الذين يعانون من الغثيان بسبب العلاج الكيميائي للأورام أو غثيان ما بعد الجراحات، ولكن أغلب الادعاءات الأخرى لا يوجد أي دليلٍ مُعتبر على مدى مصداقيتها، وفي الغالب تأثيرها العلاجي عليك مرهون باقتناعك بها.

المصادرncbi.nlm.nih.govsciencedirect – sciencedirect – bmj.com

  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: لونا حامد
  • تدقيق لغوي: سارة المحسن
مشاركة!

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا