الأبراج: داء العصر

معظم من يقرؤون مقالنا الآن كانوا قد قرؤوا التحليل اليومي للأبراج هذا الصباح أو في صباح ما قد مضى. لا شيء غريب في هذا، فإن أحد أكثر أساليب بدء المحادثات شيوعاً – في عالمنا العربي خصوصاً- هي أن تسأل الشخص الآخر عن “برجه”. لكن قبل أن تسأل ذاك السؤال أو تجيب عنه، فكر بهذا قليلاً: إن “برجك” هو نتيجة لموقع الشمس بالنسبة للكوكبات قبل 2200 عام!
من الجدير بالذكر أنه وفق إحصائية تمت في الولايات المتحدة الأمريكية بواسطة مركز البحوث Pew، فإن 22% من الأميركيين يعتقدون بأن علاقة اصطفاف النجوم بالسلوك البشري هو مجال اختصاص علم الفلك، وليس التنجيم (الذي يصنف كأحد العلوم الزائفة)، أي أن 1 من كل 5 أمريكيين لا يعرف الفرق بين التنجيم و علم الفلك. فهل أنت كذلك أيضاً؟

لتوضيح هذا الالتباس نذكر لكم أن الأساس العلمي الوحيد للتنجيم ناتج عن ارتباط جذوره بعلم الفلك، لكن هذا لا يعني أن نخلط بين هذين التخصصين. يمكن لعلم الفلك أن يشرح موقع أحد النجوم في السماء، لكنه حتماً لا يربط اصطفافها بحياتنا الشخصية!
سنبدأ بالتعريف عمّا هو متفق عليه من قبل المنجمين، فهم يقومون في عملهم بالاعتماد على مسار الشمس وموقعها بالنسبة للكوكبات (الحمل، الثور، الجوزاء، السرطان، الأسد، العذراء، الميزان، العقرب، القوس، الجدي، الدلو، الحوت)، وربطه بإشارات تنجيمية متعلقة باليوم الذي كنت قد ولدت فيه.
لاحظ علماء الفلك القدماء بأن الشمس تسافر عبر هذه الكوكبات كل سنة لتقضي شهراً تقريباً في كل منها، كما تبين معهم أن كل كوكبة تمتد لـ 30 درجة عبر مسار الشمس. على كل حال، فإن ما يسمى بظاهرة المداورة قلبت الأمور رأساً على عقب، لأن موقع الكوكبات قد تغير عما كان عليه سابقاً!
إن نقطة بداية هذه الكوكبات كانت اليوم الربيعي الأول في النصف الشمالي للكرة الأرضية أو “الاعتدال الربيعي” -كما يسميه علماء الفلك- الذي يحدث عند تقاطع خط الاستواء السماوي مع مسار الشمس. في القرن السابع قبل الميلاد كانت نقطة البداية في كوكبة الحمل التي تشمل الـ 30 درجة الأولى من مسار الشمس، ومن ثم تأتي كوكبة الثور لتشمل المسار من الدرجة 30 وحتى 60، والجوزاء من الدرجة 60 وحتى 90 …الخ.
ما لم يكن يعلمه المنجمون القدماء هو أن اتجاه محور الأرض يتغير باستمرار، حيث يدور المحور نفسه دورة واحدة كل 25,800 عام. يسمى هذا “التغير” بالمداورة، ويرجع سببه لتأثير قوة جاذبية القمر على الانتفاخ الاستوائي لكوكب الأرض. قبل ألفيتين ونصف، سبّب هذا “التغير” تحرك نقطة التقاطع بين خط الاستواء السماوي ومسار الشمس لـ 36 درجة، مما يعني أن مكان الإشارات التنجيمية قد تحرك عشر المسافة – أو ما يساوي شهراً- نحو الغرب نسبة للنجوم التي وراءه.
كنتيجة للكلام الذي ذكرناه أنفاً، سنعرض لكم هذه اللائحة التي تستند إلى تواريخ مرور الشمس في الكوكبات الفلكية وفقاً للحدود الحالية بعد تصحيحها تبعاً للـمداورة. ستلاحظون خلال قراءتكم للّائحة بأن “البرج” الذي تنتمون إليه يتغير بالتزامن مع حركة المداورة. وإن كنت قد ولدت بين 29 نوفمبر و 17 ديسمبر فإن “برجك” لم يكتب عنه شيئاً في الصحف والمجلات. أنت من مواليد برج الحواء!

برج الجدي من 20 كانون الثاني/يناير وحتى 16 شباط/فبراير
برج الدلو من 16 شباط/فبراير وحتى 11 آذار/مارس
برج الحوت من 11 آذار/مارس وحتى 18 نيسان/أبريل
برج الحمل من 18 نيسان/أبريل وحتى 13 أيار/مايو
برج الثور من 13 أيار/مايو وحتى 21 حزيران/يونيو
برج الجوزاء من 21 حزيران/يونيو وحتى 20 تموز/يوليو
برج السرطان من 20 تموز/يوليو وحتى 10 آب/أغسطس
برج الأسد من 10 آب/أغسطس وحتى 16 أيلول/سبتمبر
برج العذراء من 16 أيلول/سبتمبر وحتى 30 تشرين الأول/أكتوبر
برج الميزان من 30 تشرين الأول/أكتوبر وحتى 23 تشرين الثاني/نوفمبر
برج العقرب من 23 تشرين الثاني/نوفمبر وحتى 29 تشرين الثاني/نوفمبر
برج الحواء من 29 تشرين الثاني/نوفمبر وحتى 17 كانون الأول/ديسمبر
برج الدلو من 17 كانون الأول/ديسمبر وحتى 20 كانون الثاني/يناير

للمزيد من الدقة، سنعرض لكم أيضاً هذه القائمة المرجعية للعلوم ونسقط عليها التنجيم لنرى إن كان علماً زائفاً أو علماً حقيقياً بالفعل:

1- هل يركز على العالم الطبيعي؟

للتذكير، يقوم التنجيم على الفكرة القائلة بوجود تأثير للأجرام السّماوية والكوكبات على أحداث أرضية. على سبيل المثال، تؤثر الإشارات التنجيمية على بعض الأشخاص لتجعلهم مجبرين على أن يكونوا مغرورين أو أنانيين، وهذا يتعارض مع مبادئ العالم الطبيعي.

2- هل يسعى لتفسير العالم الطبيعي؟

يقوم التنجيم ببناء فرضيات وتوقعات مسبقة وثابتة لحوادث مستقبلية بالاستناد إلى المواقع النسبية والمتغيرة للأجرام السماوية والكوكبات. فأي تفسير هو هذا؟!

3- هل يطرح أفكاراً قابلة للاختبار؟

بعض التنبؤات التي يطرحها التنجيم عامة جداً، حيث يمكن أن تناسب أي حدث مستقبلي لاحق. كما يدعي بعض المنجمين بأنهم قادرون على وضع توقعات دقيقة لأحداث مستقبلية، لكن التجربة التي قام بها الفيزيائي جون ماك غيرفي John McGervey تمكنت من تكذيب ذلك.
قام ماك غريفي بدراسة على تواريخ ميلاد 16,634 عالم و 6,475 سياسياً ليبرهن أن ما أدعاه المنجمون بخصوص أن يكون المولودين “من برج العذارء” ضعيفي الشخصية هو ادعاء خاطئ، فقد تضمنت لوائح تواريخ الميلاد هذه علماء و سياسيين من مواليد “برج العذراء” مثل أي برج آخر، مما يفيد بأن التنجيم غير قابل للاختبار.

4-هل يعتمد على الأدلة؟

لم يغيّر التنجيم من أفكاره القديمة رغم التغيرات التي طرأت باكتشاف ما يناقضه وينفي صحة ادعاءاته. فبمقارنة بسيطة مع علم الفلك -على سبيل المثال- نرى بأن علماء الفلك قادرون على التنبؤ بأحداث سماوية واسعة النطاق، تشمل موعد اكتمال القمر القادم إضافة لموعد ظهور مذنب هالي مرة أخرى ( 28 يوليو 2061). على عكس التنجيم الذي فشل مراراً و تكراراً في التنبؤ بأحداث حقيقية مستقبلية ولكنه يستمر بطرح الادعاءات رغم كل ذلك.
كما يجدر بنا أن نذكر الدراسة قامت بها مجلة Personality and Individual Differences عام 2006 والتي شملت 15000 شخص، لتكون نتيجتها أنه لا يوجد أي روابط بين تاريخ ميلاد الشخص وشخصيته فأي علم هذا الذي لا يخضع للأدلة؟!

5-هل يشتمل المجتمع العلمي؟

لم نر أي منجم يقوم باختبار صحة تحليلاته وتحليلات غيره، كما أنه لا يتم وضع أفكارهم هذه تحت النقد على الملأ.

6- هل ينتج أبحاثاً بشكل مستمر؟

باختصار لا، فلا وجود لأي اكتشاف علمي جديد تم ربطه بأحد التنبؤات التنجيمية.

7-هل يتصرف الباحثون الخاصون به بطريقة علمية؟

لا ينتظر العلماء من الآخرين أن يثبتوا صحة فرضياتهم، بل يبذلون قصارى جهدهم لاختبار مدى صحتها. على عكس المنجمين الذين لا يقومون بذلك بل و يدحضون أي دليل قد يتعارض مع تنبؤاتهم السابقة.

نختم هذا المقال بالتوجه لمن يزعم أن التنجيم هو علم لعراقته و قدمه – أقدم من 4000 عام- أو لكونه منتشراً في وسط كبير، فنصيحتنا له هي أن يراجع المغالطات المنطقية التي ارتكبها بالاحتكام إلى القدم و إلى رأي العامة.

  • إعداد: ميرا الجندي
  • تدقيق: بشار غليوني
  • المصادر: 1 / 2 / 3 / 4 / 5

مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه. لدعمنا إضغط هنا

    تعليقات
    Loading...

    This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More