بعد نجاحه في الاِختبار الأول، منظورٌ جديدٌ للجاذبية مثير للجدل يتحدى “أينشتاين” ويقترح بأنّ المادة المظلمة لا وجود لها.

تتّفق الأغلبية العظمى من الفيزيائيين على أنّ الجاذبية تتصرف وفقاً لقانون “إسحاق نيوتن” للجذب العام ونظرية النسبية العامة ل”ألبرت أينشتاين”. ومع ذلك فإنّ المشاهدات (الملاحظات) الكونية تُظهر أنّ حركة المجرات لا يمكن أن تُفسَّر بقوى الجاذبية التي تعمل على سحب المادة المعتادة هناك. وبالتالي وُجدَت فرضية المادة المظلمة (غير المرئية) والتي تمتلك بدورها قوة جاذبية خاصة بها.

يدرس فريقٌ من الفلكيين حالياً توزيع المادة في أكثر من 30000 مجرة، ومن خلال تلك الدراسة يعتقد الفريق أنّه من الممكن أن تُفسَّر مشاهداتُهم بنظرية بديلة (جديدة) تنحي بفرضية المادة المظلمة جانباً. لو صحّت تلك النظرية المُطوِرة لمفهوم الجاذبية فقد تُنهي مئات السنين من مبادئ الفيزياء.

إنّ جاذبية المجرات تحني الفضاء، والضوء المارّ خلال هذا الفضاء ينحني كأنه يمر خلال عدسة. وبالتالي فإنّ المجرات في الخلفية التي توجد بعيداً جدّاً عن المجرات الأمامية (العدسات) ستبدو وكأنّها مشوّهة قليلا. ومن خلال النّظر إلى حيود الجاذبية (عدسة الجاذبية) ـ انحناء الضوء القادم من المجرات البعيدة حسب ما توقعته نظرية “أينشتاين” ـ قاست “مارجوت بروار” بمعية فريقها بجامعة “لايدن” ب”هولندا” محتوى تلك المجرات من المادة المظلمة، وقد كانت المفاجأة حيث اكتشف الفريق أنّ ذلك الحيود في الجاذبية (عدسة الجاذبية) قد يفسَّر بنموذجٍ جديدٍ للجاذبية بدون اللجوء إلى فرضية المادة المظلمة. كما طوّر “إريك فيرليند” ـ الفيزيائي النظري بجامعة “أمستردام” ب”هولندا” ـ نموذجاً حاسوبياً للجاذبية والذي يعتمد بقوّة على ميكانيكا الكمّ، النسبية ونظرية المعلومات بالإضافة لنظرية الأوتار، وتعتمد تلك المحاكاة على نماذج أخرى مثيرة للجدل، كتلك التي يطلَق عليها “نماذج الجاذبية المعدلة” والتي تندرج تحتها نظرية ديناميكا “نيوتن” المعدلة “مورديهاي ميلجورم” (ديناميكا “نيوتن” المعدّلة تقترح تفسيراً لسرعات النجوم البعيدة والتي حُسبت ووُجد أنّها لا تتّفق مع قوانين “نيوتن” الكلاسيكية، فاقترح “ميلجورم” عام 1983 نظريةً تفسّر السرعات الكبيرة لتلك النجوم في المجرات البعيدة).

توافقت حسابات “فيرليند” مع نتائج الدراسة الجديدة بدون أي تعديلات في القيم. تقول “براور”: “في الواقع تتوافق فرضية المادة المظلمة أفضل قليلاً من فرضية “فيرليند”، ولكن إذا ما أخذنا في الاعتبار أنّ فرضية “فيرليند” تخلو رياضياً من أيّ ضوابط حرة (لضبط النتائج مع فروض النظرية) في حين أنّ فرضية المادة المظلمة بها معايير لضبطها. ساعتها سنجد أنّ نموذج “فيرليند” يعمل أفضل بكثير…” تضيف “براور” أنّه في المقابل تحتاج فرضية المادة المظلمة إلى أربع تعديلات لتتوافق مع النتائج.

عدسات مجرّية

اِستفادت دراسة “براور” من الصور المأخوذة للمجرات خلال 2011 و 2015 ومكّنتها من النظر بعمقٍ إلى المناطق القريبة من القرص المرئي لكل مجرة، تلك المناطق التي يظهر فيها أثر حيود الجاذبية (التأثير العدسي للجاذبية) بوضوحٍ حيث ينحني الضوء القادم من المجرات الأخرى الموجودة في الخلف. يمكن قياس هذا الاِنحناء لتحديد توزيع الجاذبية حول المجرات الأمامية، وهذا ما فعله بعضٌ من الفلكيين ووجدواْ أنّه مهما كانت المسافة (وصولاً لمائة مرة نصف قطر المجرة) فإنّ الجاذبية تكون أقوى بكثيرٍ من تنبؤات الجاذبية لنظرية “أينشتاين”. وقد تمكن الباحثون من استنتاج مخططٍ لحيود الجاذبية (للتأثير العدسي) لتلك المجرات، وذلك باستخدام بعض الحسابات الإحصائية (الخوارزمات الإحصائية) والتي تأخذ بعين الاعتبار شكل ولون المجرات التي تقع في الخلفية. يمكن تشبيه ذلك بعرض صورةٍ ما على لوحٍ زجاجي متعرج وغير مستوٍ، وبعدها يُعرَف شكل الصورة الأصلية بمعرفة الخصائص البصرية (الضوئية) للوح الزجاج بمساعدة ما نراه على الجوانب البعيدة للّوح.

وقد خلص الباحثون إلى نوعين من المخططات لذلك الحيود في الجاذبية للمجرات التي في الخلفية. يعتمد المخطط الأول على نموذج “فيرليند” للجاذبية والآخر على فرضية المادة المظلمة.

ولكن السؤال هنا: ماذا لو كانت فرضية “فيرليند” أفضل بكثير؟ ما المشكلة؟

هرطقة جاذبية؛ جاذبية “فيرليند” أقوى وتصمد مع الوقت خلافاً لنماذج “نيوتن” و”أينشتاين”.

ويعتبر هذا الأمر موضوعاً خطيراً بالنسبة للفيزيائيين المعاصريين. فقد أُكّدَت نتائج نظريات “نيوتن” و”أينشتاين” عملياً وتجريباً بجديةٍ وشموليةٍ إلى الحدّ الذي رسم حول الجاذبية حدوداً لا يتجرّأ أحد على المساس بها أو التشكيك بها بفرضيةٍ أخرى تقترح أن الجاذبية قد تكون شيئاً آخر غير ما وصفته تلك النظريات السابقة. وفي تصريحٍ ناري له علق الفيزيائي “لوبس موتل” الباحث بفيزياء الأوتار متهكماً على أفكار “فيرليند” قائلاً بأنّ هذه الآراء لا تصل  حتى لمستوى ورقة طالبٍ جامعي لم يتخرج بعد.

وبالرغم من ذلك فالفيزيائي “ميلجورم” يدعم تلك النظرية. وقد علق على هذا خلال تحليله للمعلومات الخاصة بحيود الجاذبية للمجرات عام 2013 قائلاً بأن ديناميكا “نيوتن” المعدّلة تُظهر نفس النتائج المباشرة والتي يظهرها نموذج الجاذبية ل”فيرليند” في دراسة “براور”.

يقول “فيرليند”: “إن معادلاتي تعمل بشكلٍ مختلف عن معادلات “ميلجورم” وسيكون ذلك مهماً للغاية في حالة العناقيد (التجمعات) المجرية. ولكن في حالة “براور” فقد استخدمواْ المعادلة التي استنتجتها وعلي أن أعترف أنّها نفس المعادلة التي كان من الممكن أن يصل إليها “ميلجورم”.”  ويضيف أنهم يضعون المعادلة على البيانات. ومن الواضح أنهما متوافقتان.
هذه النّظرية تنطبق حالياً فقط على النظام المعزول، الكُروي والساكن، في حين أنّ الكون ديناميكي ومعقّد. كما أنّه توجد الكثير من الملاحظات التي لا تفسرها النّظرية.

لذا فإنّ المادة المظلمة لا تزال داخل المنافسة. تقول “براور”: “يظل السؤال الآن كيف يمكن تطوير النظرية، وكيف يمكن اختبارها أكثر. كما أن نتائج الاِختبارات الأولية مثيرة”.

  • ترجمة: شادي القصاص
  • مراجعة: عبد العزيز كلش
  • تدقيق: جيهان المحمدي
  • غرافيكس: دعاء شيباني
مصدرnewscientist
مشاركة!
الرابط المختصر:

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا