مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء لثلاثة علماء بارزين في المجال هم: العالم الفرنسي “بيير سوفاج Jean-Pierre Sauvage ” من جامعة ستراسبورغ في فرنسا، والكيميائي البريطاني “السير جيمس فريزرSir J. Fraser  Stoddar “ من جامعة نورث ويسترن في الولايات المتحدة، بالإضافة للعالم الهولندي “بيرنارد فيرينجا Bernard L. Feringa ” من جامعة جرونينجن في هولندا، وذلك نظير أبحاثهم المُتعلقة بتصميم “الآلات الجزيئية” وتركيبها.

ما هي الآلات الجُزيئية؟
هي عبارة عن آلات صغيرة بمقدار النانومتر (جزء من مليار جزء من المتر)، وللتقريب فإنها أصغر بألف مرة من الشعرة، لدرجة تعدّ فيها أصغر آلات العالم. ويُمكنُ لهذه الآلات أن تؤدي مجموعةٍ من المهام عندما تُزود بالطاقة، مثل دفعها داخل جسم الإنسان لنقل عقار دوائي بداخله، أو تكليفها بتدمير خلايا سرطانية. وتجدُرُ الإشارة إلى أن هذه الآلات موجودة في الطبيعة مثل سياط البكتيريا.

تاريخ الجائزة:
استلهم العُلماء فكرة الآلات الجُزيئية من عالم الفيزياء الغني عن التعريف “ريتشارد فاينمان” خلال محاضرة ألقاها سنة 1959 بعنوان: “هناك متسع كبير في القاع There’s Plenty of Room at the Bottom. ويمكنك مشاهدة المحاضرة هنا
أشار “فاينمان” في المحاضرة إلى إمكانية التلاعب مباشرةً في المادة على المستوى الذري. كذلك تحدّثَ أيضاً عن إمكانية بناء وتصنيع آلات مُتناهية في الصغر، رغم أنهُ لم يكُن يعرفُ كيفية تركيبها، لأن تركيبها هي وظيفة الكيميائيين.

البداية:
بدأت الأبحاث والتطويرات لتركيب الآلات الجُزيئية عام 1980 و 1990، عندما اكتشف العالم الفرنسي “جان بيير سوفاج” أوجُه التشابه بين عمله في مجال الكيمياء الضوئية -التي يتسبب فيها الضوء بإحداث التفاعل الكيميائي- وعمله أيضاً في مجال السلاسل الجُزيئية التي كان العُلماء بصدد تطوير بنائها، بحيث تعتمدُ هذه السلاسل الكيميائية على نوع جديد من الروابط الكيميائية، وهو الروابط الميكانيكية، التي تختلفُ كل الاختلاف عن الروابط التساهمية (كلا الذرتين يُساهمان بإلكترون بحيث يكون الزوج الإلكتروني وسط الرابطة)، والروابط الأيونية (عندما يميل الزوج الإلكتروني نحو الذرة الأكثر سالبية كهربية) والتي تُدرس في المرحلة الثانوية.
وتختلفُ هذه الروابط الجديدة في طريقة اشتراك الزوج الإلكتروني بين الجُزيئات، فهي ليست قوى تجاذبات كهروإستاتيكية (قوى التجاذُب بين الشحنات الموجبة والسالبة)، وإنما فقط ميكانيكية.

ومن أجل تخيُّل هذا النوع الجديد من الروابط، يُمكنُك تخيل خاتمين مُتشابكين مع بعضهما، بحيث لا يُمكنُ فصلُهُما (أي خاتم وسط خاتم) .
تُفسّر هذه الروابط الميكانيكية سر قدرة الجُزيئات على الحركة والتصرف مثل الآلة على المُستوى الجُزيئي، وذلك بعد أن تُزوّد بالطاقة اللازمة للعمل والقيام بالمهام المطلوبة. وللحصول على رابطة ميكانيكية، استخدم “سوفاج” النحاس لخلق التشابُك بين جُزيئتين (مثل تشابُك الخاتمين كما يظهرُ في الصورة) ثم أزال النُحاس عندما انتهى من ذلك.

أطلق “سوفاج” على السلسلة الجُزيئية الناتجة عن التشابُكات بين الجُزيئات اسم “الكاطينان Catenanes“، وهي كلمة لاتينية تعني السلسلة (مثل التي نضعُها في العُنق)، وتشكل المرحلة الأولى لبناء آلة جُزيئية باعتراف فريق البحث. وبعد مُضي عشر سنوات، عمل فريق البحث على تركيب كاطينان، والذي هو عبارة عن تشابُك بين حلقتين ينتج عنهُ رابطة ميكانيكية تُمكّن الحلقتين من الدوران حول بعضهما البعض عندما تُزودان بالطاقة.

في بداية عام 1990، وضع العالم الكيميائي “جيمس فريزر” لبنةً أُخرى لتركيب محرّكات نانويّة، سماها بالروتاكسان rotaxane، وهي عبارة عن جزيء حلقي مُرتبط بمحور، وقد صممها بوساطة بناء مُركبات تنجذبُ إلى بعضها البعض، وهكذا يحدث الدمج بين المحور والجزيء الحلقي. وبعد مُرور عدة سنوات، استخدم “فريزر” الحرارة للتحكُم في حركة المحور.

وحسب اللجنة المُشرفة على نوبل، فإن الفضل يعودُ إلى “بيرنارد فيرينجا” في تصميم أول محرك نانوي حقيقي سنة 1999، وهو الاختراع الذي يُساعد جُزيئات مُحرّك النانو على الدوران في الاتجاهات المرغوب فيها. أيضاً، تستخدم هذه المُحركات الصغيرة الأشعة فوق البنفسجية بوصفها مصدراً للطاقة. وبعد إضافة الكثير من التحسينات، أصبحت المُحركات قادرة على الدوران بسُرعة 12 مليون دورة في الثانية. ثم بعدها نجح فرينجا وزُملاؤهُ في العمل على تصميم سيّارة نانوية (سيارة صغيرة بسلم النانومتر)، تتكونُ من جسم مركزي وأربع عجلات جُزيئية قادرة على الدوران. (أنظُر الصورة)

وفي حديث سوفاج مع قناة itélé الفرنسية، أعطى تعريفاً موجزاً للمحّرك النانوي إذ قال: “هي مُحركات صغيرة بحجم النانومتر، صممها الكيميائيون ومن ثم ركّبوها، أي أنها صُنعت في مُختبرات الكيمياء، وبإمكان الكيميائيين التحكُم بحركتها”.
وعندما سُئل “سوفاج” عن تطبيقات مُحرّكات النانو أجاب بكل وُضوح: “لا أعرف تطبيقاتها”.
وأكّدَ أن العلم أصل كل التطبيقات التكنولوجية التي نعرفُها، وغاية العلم ليست فقط في إيجاد تطبيقات في مجال التكنولوجيا، وإنما غايتهُ الأولى تطوير معرفتنا للأشياء وخلق حُلم يتحول إلى حقيقة (مثل حُلم تركيب المُحرّك النانوي)، أما غايتهُ الأخيرة فهي التطبيق في المجال الصناعي.


مصدر 1
مصدر 2
مصدر 3

  • إعداد: محمد بابور
  • مراجعة: سارة تركي
  • تدقيق: سومر عادلة
مشاركة!
الرابط المختصر:

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا