لطالما كانت وما زالت النفايات النوويّة تُمثّل خطرًا على لدول التي تتعامل مع الطاقة النوويّة. لكن المختصّون اليوم يطوّرون تقنيةً جديدةً ما زالت قيد البحث لحل مشكلة هذه النفايات بل والاستفادة منها؛ وهي إنشاء مفاعلات جديدة تعمل على إعادة تدوير النفايات النوويّة واستخدامها في إنتاج الطاقة. حيث أصبحت النفايات النوويّة من أكثر المصادر المُعوّل عليها في إنتاج الطاقة مُستقبلاً.

على الرغم من ذلك لا يمكن اعتبار تقنية إعادة تدوير النفايات النوويّة حديثة العهد تمامًا في تاريخ العلم، حيث أنّ لها جذورًا تعود إلى أربعينيات القرن الماضي؛ فقد تمَّ بناءُ أوّل مفاعلاتٍ نوويّة واسعة النطاق أثناء الحرب العالميّة الثانية. كانت تلك المفاعلات مصممةً لإنتاج البلوتونيوم لاستخدامه في صنع الأسلحة النوويّة. وكانت عملية إعادة التدوير الكيميائيّة الوحيدة المطلوبة حينذاك هي استخلاص البلوتونيوم من وقود اليورانيوم المُستهلك، بحيث يكون خاليًا من نواتج الاحتراق المُلوّثة. واستمرت تلك التقنية في التطوّر حتى وصلت إلى الشكل الذي يدرسه العلماء ويعملون على تحقيقه اليوم.

ماهيّة النفايات النوويّة، وأنواعها:

تُنتج النفايات النوويّة أو (الإشعاعيّة) من المفاعلات النوويّة، ومن مصادر أخرى مثل المُستشفيات، المعامل التي تقوم بأبحاث الفضاء والمادة، الغاز والتعدين والكثير غير ذلك. وتنقسم النفايات النوويّة إلى:

– نفايات عالية الإشعاع
– نفايات متوسطة الإشعاع
– نفايات منخفضة الإشعاع

تُعتبر النفايات عالية الإشعاع في الأساس هي وقود اليورانيوم الذي كان يُستخدم في المفاعل النوويّ ثم تمَّ استهلاكه، أو فقد كفاءته في إنتاج الكهرباء. بينما تأتي النفايات ذات الإشعاع المنخفض من المفاعل نفسه، ومن الأشياء التي باتت ملوثةً بمادة إشعاعيّة أو أصبحت هي ذاتها إشعاعيّةً عن طريق التعرُّض للإشعاع النيوتروني، مثل الأدوات الموجودة بالمفاعل وملابس العمل. وتُشكّل النفايات منخفضة الإشعاع الغالبيّة العظمى من النفايات المُشعّة.

أما النفايات متوسطة الإشعاع، فيمكن أن تحوي فلاتر مُستخدمة، أو عناصر من الحديد مأخوذة من داخل المفاعل، ورُبما تشمل كذلك بعض السوائل المستخدمة أثناء عمل المفاعل.

وعلى الرغم من ذلك، فالنُفايات الإشعاعيّة ليست هي السبب الوحيد الداعي للقلق، ففي الدول التي تتعامل مع الطاقة النوويّة تشكّل النفايات المشعّة أقل من 1% من الحجم الكلي للنُفايات الصناعيّة السامّة، والنفايات الناتجة من توليد الكهرباء بالوقود الأحفوريّ.

التحكم في الوقود المُستهلك:

تُعدّ الصفة الخاصّة بجميع النفايات الإشعاعيّة والتي تميّزها عن غيرها من النفايات الصناعيّة السامّة، هي أنّ إشعاعيّة تلك النفايات تتناقص تدريجيًّا؛ فعلى سبيل المثال، بعد 40 عامًا، سيحتوي الوقود المُستهلَك المأخوذ من مفاعل نوويٍّ ما على 0,001 فقط من كميّة إشعاعيّته الأوليّة، جاعلةً بذلك التحكُّم به والتخلّص منه أسهلَ بكثير.

يكون الوقود النوويّ المُستهلك عادةً ساخنًا جدًا ومُشعًّا. ويمكن أن يتمّ التحكم به وتخزينه بأمانٍ طالما يتم تبريده وتغطية الإشعاع الناتج عنه بمادة سميكة مثل الخرسانة أو الحديد، أو بواسطة وضع كميّاتٍ قليلةٍ من المياه فوقه.

استخدام النفايات النوويّة في إنتاج الطاقة:

تقوم الفكرة – كما أشرنا سابقًا – على إعادة معالجة الوقود المُستخدم لإنتاج كميّة أكبر من الطاقة. ويقول المؤيّدون لتلك التقنية، أن المفاعلات المُتطوّرة والتي ستقوم باستخدام هذا الوقود المُعاد تدويرُه سوف تحقق مستوًى جديدًا من الأمان؛ حيث سيكون حجم النفايات أقل، وأيضًا ستكون كميّة إشعاعيّة تلك النفايات أصغر بكثيرٍ جدًا من النفايات النوويّة الناتجة اليوم.

تُعتبر المعامل الخاصّة بطاقة الاحتراق النوويّ هي المفاعلات التقليديّة والمُستخدمة منذ عقود في مناطق كثيرة حول العالم، والتي تُمدُّ الولايات المتحدة بحوالي 20% من الكهرباء الخاصة بها. في هذه المُفاعلات يتم استخدام شيء يُسمى تقنية الماء والضوء لتعمل على إحاطة قضبان المفاعل بالماء، مما يعمل على تباطؤ حركة النيوترونات، ويسمح بتفاعل نوويّ مُستدام. لكنّ هذا النظام ليس ذي كفاءةٍ عالية، حيث أنّ 5% فقط من ذرات اليورانيوم الموجودة بالقضيب هي التي يتم استهلاكُها قبل الوقت الذي يتحتّم نزعُها فيه، كل هذا اليورانيوم العالي الإشعاعيّة والغير مُستخدم يُضاف فقط إلى مخزوننا المتزايد من النفايات النوويّة.

ولكن الآن وأخيرًا، يبدو أنّ هناك وسيلةً أخرى وأكثر فعاليّة، تُسمى المفاعل السريع Integral Fast Reactor IFR، حيث تكون القضبان به مغمورةً في الصوديوم السائل بدلاً من الماء؛ وهذا يسمح بإستخدام 95% من اليورانيوم بدلاً من الـ 5 % الغير فعّالة. جديرٌ بالذكر أنَّ استخدام تلك الطريقة سيساعد في حلّ مشكلتنا الضخمة الخاصة بالتخلص من 77.000 طن من النفايات المُشعّة.

قام اتحاد الطاقة النوويّة العالميّ“ GE Hitachi“  بتصميم مفاعل سريع يُسمى “PRISM”، ويقوم بتسويقه الآن لشركات الطاقة. لكن أكبر العقبات الموجودة هي التكلفة العالية لبناء معامل جديدة للطاقة النووية. بالإضافة إلى التغلُّب على المشاكل السياسيّة والتي تعتقد بأنّ الطاقة النوويّة مصدر غير آمن لإنتاج الطاقة. ولكن لا تزال الفوائد ضخمة، ويؤيّد ذلك كونها تقنية مُثبتة علميًا ولا تشعّ مطلقًا غازات دفيئة (مثل غاز ثاني أكسيد الكربون والميثان) والتي تساهم في ظاهرة الاحتباس الحراريّ.
صورة توضّح شكل مفاعل “PRISM”

إيجابيّات استخدام النفايات النوويّة في إنتاج الطّاقة:

تعدّ النّفايات المشعّة مصدرًا نظيفًا لإنتاج الطّاقة الكهربائيّة، وذلك لانعدام الإنبعاثات الغازيّة التي تسبّب التلوّث الجوّي والاحتباس الحراري، كما الحال مع الوقود الأحفوريّ. كما يتميّز هذا النّوع من مصادر الطّاقة بوفرته ممّا يضمن استغلاله على المدى البعيد.

سلبيّات استخدام النفايات النووية في إنتاج الطّاقة:

لا شكّ أنّ أهمّ هذه السلبيّات هي المخاطر الجمّة التي تصاحب التّعامل مع المواد المشعّة مهما كان الغرض من وراء ذلك، كالتسرّب الإشعاعيّ والانفجارات. ويرجع ذلك بالأساس إلى المدّة الإشعاعيّة الطّويلة التي تتميّز بها بعض النّفايات النوويّة والتي من الممكن أن تشكّل خطرًا على الحياة. ولا تزال هذه المخاطر قائمةً ما دام الإنسان لا يحسن السيّطرة التامّة عليها، ناهيك عن احتماليّة استعمال النفايات النوويّة لأغراض تدميريّة، كصنع أسلحة الدّمار الشّامل على سبيل المثال لا الحصر. بالإضافة إلى التكلفة العالية لبناء معامل جديدة بهذه التقنيات.


المصادر:

1 2 3 4 5 6 7

  • إعداد: سارة تركي
  • مراجعة: طه ياسين بن ابراهيم
  • تدقيق: يهاء زايد

تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here