كيف تميز العلم الحقيقي من الزائف؟ للإجابة على هذا السؤال يتعين علينا أن نضع أولاً معايير يمكننا القياس عليها، وهذا ما سنحاول أن نضع خطوطاً عريضة له في هذا المقال لتساعدنا على فهم الكيفية التي نميز بها أي ادعاء يلتحف برداء العلم يقابلنا في حياتنا فيما بعد.

من العبث اختزال كل العلم في تعريف معجمي مكونٌ من بضعة كلمات، ولكن يمكننا أن نضع معايير محددة للمنهج العلمي؛ يمكننا على أساسها الحكم على ما نراه ونسمعه إن كان علمياً أم لم يكن كذلك. بالنسبة للعلوم التجريبية؛ مثل الطب و الفيزياء و الأحياء و غيرها سيكون الأمر أكثر سهولة؛ لأنك تستطيع أن تختبر فرضياتك و ترى النتيجة بعينيك.

إذاً، هل هذا هو مربط الفرس هنا؟ التجربة؟ في الواقع هذا هو الشرط الأساسي لكي تحكم على أي ادعاء علمي يقابلك، وفي الواقع هذا مرتبط بمبدأ هام جداً وضعه الفيلسوف ذائع الصيت “كارل بوبر“، وهو مبدأ القابلية للدحض. فإذا ما وضعت فرضية بأن الشمس ساطعة خارج الغرفة التي تكتب فيها الآن، فهنالك طريقة واحدة لمعرفة ذلك و دحضه؛ وهي أن تفتح النافذة وتنظر للسماء، إذا كانت الشمس موجودة فالفرضية صحيحة، أما إن كانت غير موجودة فالفرضية خاطئة، قُضيَ الأمر. أو إن وضع أحدهم فرضيةً بأن كل النباتات خضراء اللون، فستبقى الفرضية محل اختبار في كل مرة ننظر إلى نبات لنرى لونه، إلى أن نرى نباتاً ذا لون مختلف وهنا تسقط الفرضية تلقائياً.

إذاً فالتجربة هي إقرار لمبدأ القابلية للدحض، و لكن ماذا عن التجربة نفسها؟ ما هي المعايير التي تجعلنا نتقبل نتائج تجربة ما و لا نقبل الأخرى؟

في الواقع هي متعددة وسنحاول تقديم نبذة مختصرة عنها.

المعيار الأول هو القابلية للتكرار؛ أي أنك إذا كررت نفس التجربة بنفس الشروط و نفس الأدوات فستعطيك نفس النتائج، أو نتائج مقاربة إحصائياً بلا اختلافات جوهرية. مثلاً يغلي الماء عند درجة الحرارة 100 مئوية عند مستوى سطح البحر و تحت ضغط الجو العادي، فإذا ما كررت هذه التجربة في أي مكان في العالم تحت الشروط السابقة فستعطيك نفس النتيجة؛ لذلك من المهم جداً عند نشر نتائج بحث أو تجربة توضيحُ الظروف و الأدوات التي تم العمل حسبها؛ و ذلك لإتاحة الفرصة لتكرارها. و تعمُّد إخفاء تلك المعلومات بدون عذر يعطيك كل الحق بأن تشكك في نتائج تلك التجربة؛ لأن العلم الحقيقي لا يخشى تكرار التجربة.

المعيار الثاني هو مدى دقة تحييد العوامل الغير داخلة فى التجربة؛ فعلى سبيل المثال، جميع العاملين في الحقل الطبي قد درسوا ما تُعرف بظاهرة الدواء الوهمي “Placebo“؛ و هي مشكلة تواجهنا عند اختبار فعالية دواء ما، حيث يُقسم المتطوعون لمجموعتين ليُعطى الدواء لإحداهما بينما يعطى للأخرى دواءٌ وهميٌّ قد يكون مجرد مياه أو نشاء، و لا يعرف أي فرد من أي من المجموعتين ما هو الذي يتعاطاه. وجد أن ما يقارب 30% من الحالات التي تعاطت الدواء الوهمي قد ادّعت أنها تحسنت لديها الأعراض التي تأخذ الدواء لعلاجها، و في الواقع هذا تحسن نفسي لا علاقة له بالدواء على الإطلاق. و لخطورة هذا الأمر و تأثيره على النتائج تستخدم تقنيات لا غنىً عنها من أجل تقليل ضرر ذلك التأثير إحصائياً، مثل زيادة عدد الأفراد، و الدراسات ثلاثية العمى “triple blind study”؛ حيث تُرتب العينات وتعطى أرقاماً ثم تخلط و تُوزّع عشوائياً بشكل يجعل جميع من في التجربة سواء الباحث أو المشرف أو المريض على عدم دراية بماهية الذي تعاطاه كل مريض بالضبط، إلّا أن عند مقارنة النتائج مع أرقام العينات المسجلة في النهاية و غيرها من التقنيات التي يجب على الباحث الإلمام بها و الانتباه إلى تبعات إهمالها.

إذا رأيت دراسةً لم تضع في الاعتبار العوامل الأخرى و لم تحاول تحييدها، فيحق لك أن تتشكك في نتائجها.

المعيار الثالث هو إخضاع النتائج للمقاربات الإحصائية؛ بمعنى أنه لا يمكن أن نقر بتداول دواء لعلاج حالة معينة لمجرد أن أحد الأشخاص ادعى استخدامه له في حالته و حدوث نتائج معه، فهذا غير مقبول إحصائياً و لا علمياً. هناك عدة مراحل من التجارب يجب الالتزام بها حتى يتم إقرار الدواء بشكل نهائي، تشمل كل مرحلة حداً أدنى من الحالات و معايير يجب الالتزام بها أثناء التجربة، و تخضع النتائج بعد كل مرحلة للتحليل الإحصائي لبيان مدى حدوث فارق من عدمه. الإقرار بالفاعلية دون استنفاذ تلك المراحل كاملة لا يعد كلاماً علمياً يعتد به بأي حال من الأحوال.

المعيار الرابع هو أن تكون المقدمات نفسها مُعترفةٌ بها علمياً؛ و هي مغالطة يقوم بها الكثيرون من الدجالين مدعي العلم حين يبنون الدراسة نفسها بكل ما فيها على أمور غير علمية موجودة في المعتقدات الشعبية مثلاً أو في الأفكار الشائعة المتداولة والتي لا تمت للعلم بصلة.

المعيار الخامس هو انعدام التحيّز؛ و هذه نقطة ربما يكون لها أثر كبير. الأحكام المسبقة و المعتقدات الشعبية و الدينية و التحيزات السياسية، بل و التحيز لممولين للبحث في اتجاه معين؛ على سبيل المثال الأبحاث في تغير المناخ التي تمولها شركات بترول كبرى، أو أبحاث عن فعالية أدوية معينة يقوم بها علماء يعملون كمستشارين لدى الشركات المنتجة لهذه الأدوية… إلخ، كشف التحيز هنا ربما لا يكون صعباً؛ فمن أسلوب عرض النتائج والحرص على إظهار أو إخفاء تفاصيل بعينها أو من النتائج التي تكون أكبر من أن تصدق ببساطة، مما يَحملك على الشك و البحث عن معلومات أكثر.

استناداً لهذه المعايير و عوامل أخرى ستظهر تباعاً وباختصار شديد سنقوم بعملية تقييم علمي صارمة لكثير من العلوم الزائفة التي تقابلنا بشكل يومي، على مدى عدة حلقات قادمة. تابعونا!

مصادر:

scientificamericanuioberkeleynyujsuvmnh

  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: لونا حامد
  • تدقيق لغوي: عمر ناطور
مشاركة!

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا