in

الرياضيات في دقيقة: الإنتروبيا

الإنتروبيا Entropy شيء غريب، يقول بعض الناس أنها تقيس مقدار الاضطراب في النظام المادي، ويقول البعض الآخر أنها مقياس للمعلومات. ومع ذلك يتحدث آخرون عنها في سياق المحركات البخارية. فما هي الإنتروبيا Entropy؟ وكيف ترتبط هذه المواضيع مع بعضها البعض؟

المحركات البخارية

في البداية، شَهِدَ القرن التاسع عشر صعود المحرك البخاري، ولكنه كان أيضًا مصدر حقيقة مزعجة وهي أن هذه المحركات كانت غير فعالة بشكلٍ مروع، ما ألهم هذا المهندس الفرنسي الشاب سعدي كارنو Sadi Carnot، لوضع حدود نظرية لِكفاءة المحركات الحرارية التي تعمل عن طريق تحويل الحرارة التي تتدفق من خزان ساخن إلى بارد.  في عام 1824، نشر كارنوت كتابًا بعنوان “تأملات في القوة الدافعة للنار Reflections on the motive power of fire”، حيث أظهر أنه لا يوجد محرك حراري سيكون فعالًا بنسبة 100%  بغض النظر عن مدى كفاءته، إذ أن بعض الحرارة التي تنتقل في المحرك ستذهب سدى.

بعد نحو أربعين عامًا من كارنو، وضع رودولف كلاوسيوس Rudolf Clausius جهده في التعامل مع هذا العجز المتأصل في العمل الذي يوجد في أي محرك، حيث أوجد تعبيرًا رياضيًا لتحديد كمية الطاقة في نظامٍ ماديٍّ غير متوفر للقيام بالعمل، ودعا هذه الكمية باسم إنتروبيا النظام.

التعبير الرياضي الذي وضعه رودولف كلاوسيوس Rudolf Clausius:

بالنسبة لعملية قابلة للعكس والتي تتضمن نقل الحرارة من الحجم  $Q$  عند درجة حرارة  $T$ يُقاس التغير في الإنتروبيا $\Delta S$ من خلال:

\[ \Delta S = Q/T. \]

العملية القابلة للعكس هي تلك التي لا تتبدد فيها الطاقة (من خلال الاحتكاك وما إلى ذلك).

الاضطراب

لقد تَوَصَّل كارنوت Carnot إلى أفكاره حول المحركات الحرارية على الرغم من أنه كان يعتقد أن الحرارة سائلة، وهي ليست كذلك.

بفضل كلوسيوس Clausius، ولورد كلفن Lord Kelvin، وجيمس كلارك ماكسويل James Clerk Maxwell (من بين آخرين)، نعرف الآن أن الحرارة هي شكلٌ من أشكال الطاقة التي تأتي من الجزيئات والذرات التي تُشَكِّل مادة، والتي تهتز أو تدور وتتحرك بشكلٍ عشوائي، ضمن السائل أو الغاز، وترتد عن بعضها البعض أثناء سيرها.

وكلما قامت الجزيئات بهذه العمليات، زاد متوسط طاقتها الحركية وزادت حرارة المادة التي تشكّل جزءًا منها. يمكنك أن ترى هذا كلما ذاب شيء، في مكعبٍ ثلجيٍّ على سبيل المثال، تُحبس الجزيئات الفردية في شبكةٍ صلبةٍ، ولكن بمجرد تسخينها تبدأ بالاهتزاز وتكسر سلاسلها في نهاية المطاف، ما يجعل الماء سائلًا وأكثر دفئًا أيضًا.

أدرك ماكسويل Maxwell ولودفيغ بولتزمان Ludwig Boltzmann وآخرون أنه يمكن اعتبار الكون مقياسًا لاضطراب في النظام. للحصول على فكرة عن كيفية حدوث ذلك، تخيل غرفةً تحتوي على شمعة مشتعلة، يمكن تحويل حرارة الشمعة إلى عمل. على سبيل المثال، يمكنك استخدام الهواء الساخن الذي يتصاعد منها لتشغيل إحدى ألعاب عيد الميلاد التي تحتوي على شفرة مروحة في الأعلى؛ تخيل الآن نفس الغرفة بعد احتراق الشمعة ودرجة الحرارة ثابتة طوال الوقت، لا يمكنك الحصول على أي عمل في هذا الوضع، لذلك إذا كنت تعتقد أن الإنتروبيا هي قياس عدم القدرة على القيام بالعمل، فمن الواضح أن الغرفة لديها إنتروبيا أعلى عندما تحترق الشمعة مما كانت عليه عندما لا تزال تحترق.

على المستوى الجزيئي، فإن الوضع الثاني عند احتراق الشمعة، هو أقل تنظيمًا أيضًا، ما يعني أن للهواء درجة حرارة موحدة طوال الوقت، إذ أن الجزيئات سريعة وبطيئة الحركة مختلطة تمامًا، حيث أنه إذا فُصِلت بطريقةٍ ما، فسيكون لديك درجة حرارة متدرجة في الغرفة. في الواقع، التوازن الحراري الذي تجد الغرفة نفسها فيه هو أيضًا حالة من حالات الاضطراب القصوى، وعلى النقيض من ذلك، فإنه عندما لا تزال الشمعة تحترق تتركز الجزيئات السريعة حول اللهب، ما يجعلها أكثر تنظيمًا.

توصل ماكسويل وبولتزمان إلى صيغة تحدد مقدار الاضطراب في نظام يتكون من العديد من المكونات مثل الغاز. إنه يعتمد على فكرة أنه كلما كان النظام أقل ترتيبًا، زادت الطرق المتاحة لإعادة ترتيب مكوناته الصغيرة دون إحداث فرق في ما يبدو عليه النظام ككل. اتضح أن تعريف الإنتروبيا من حيث الاضطراب يعادل تعريف كلاوسيوس الأصلي من حيث درجة الحرارة والطاقة.

تعريف مجهري للإنتروبيا:

لنفترض أنّ الغاز في مادة ماكروية معينة macrostate، على سبيل المثال لديه درجة حرارة أو ضغط معين. اكتب $W$ لعدد التكوينات التي يمكن أن تكون بها جزيئاتها الفردية للحفاظ على الحالة الماكروية. فتكون الإنتروبيا S هي:

\[ S = k\ln {W}, \]

حيث $k$ هو ثابت بولتزمان Boltzmann:

\[ k = 1.38062 \times 10^{-23} J/K. \]

هنا$J$ هو جول Joule وحدة الطاقة، و$K$ هي درجة الحرارة في كيلفن kelvin.

هذه الصيغة محفورة في حجر قبر بولتزمان Boltzmann في فيينا.

تكون هذه الصيغة فعالةً يعمل عندما تكون جميع تكوينات الجزيئات محتملة الحدوث بنفس القدر، وهناك تعميم لهذه الصيغة يعمل عندما لا تكون جميعها محتملة الحدوث بنفس القدر، وهي:

\[ S = -k \sum _ i p_ i\ln {p_ i}, \]

حيث $p_ i$ هو احتمال التكوين  $i$.

معلومات

إذن ما هو الرابط إلى المعلومات؟ إذا كان النظام مرتبًا للغاية، فلن تحتاج إلى الكثير من المعلومات لوصفه. على سبيل المثال، يمكنك وصف الترتيب المنتظم للجزيئات في مكعب ثلجي متجمد في جملة واحدة، ولكن لإعطاء وصف دقيق للغاز الذي يحتوي على جزيئات تدور بشكلٍ عشوائيٍّ، تحتاج إلى معرفة الموقع الدقيق والسرعة لكل جزيء من هذه الجزيئات، وهذه كمية كثيرة من المعلومات، وكلما زاد الاضطراب زادت الإنتروبيا وزاد مقدار المعلومات التي تحتاجها لوصف النظام.

هذه هي الطريقة التي يربط بها مفهوم الإنتروبيا كفاءة وعدم كفاءة المحركات بالاضطراب والمعلومات. ترتبط الإنتروبيا أيضًا بقانون أساسي للطبيعة: يقول القانون الثاني للديناميكا الحرارية أن إنتروبيا النظام المعزول لا يمكن أن تنخفض أبدًا، لكن يمكن أن تبقى فقط كما هي أو تزيد. ما يعني بالنسبة للمحركات أن أي محرك لن يصبح أبدًا أكثر كفاءةً من تلقاء نفسه، ويعني بالنسبة للفوضى disorder أن أي نظام يُترك لأجهزته الخاصة سيصبح أكثر فوضى فقط. وكما رأينا، فإن وصف الأشياء الفوضوية أصعب من وصف الأشياء المنظمة، وهي التي تعطي القانون الثاني للديناميكا الحرارية. 


المصدر

  • ترجمة: سامي طياح.
  • مراجعة: رأفت فياض.

ماتقييمك للموضوع؟

سامي الطياح

بواسطة سامي الطياح

سامي رائد سامي طياح، من طولكرم-فلسطين، بكالوريوس هندسة البناء/ جامعة النجاح الوطنية.

اترك تعليقاً

Avatar

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

علم التصنيف

مقدمة إلى فروع علم الأحياء – البيولوجيا