in ,

المادة البيضاء والمادة الرمادية

يعد الدماغ البشري هيكلًا بالغ التعقيد؛ ولكن ثمة طرائق يمكننا من خلالها تفصيله تشريحيًا إلى أجزاء أكثر تفصيلًا هي: نصفي الكرة الأيسر والأيمن، والفص الجداري والصدغي والقذالي والجبهي، والتقسيمُ الشائعُ الآخر هو فصل المادة الرمادية عن المادة البيضاء في الدماغ؛ فما هذان الهيكلان؟ وما مدى اختلافهما عن بعضهما؟ وما مدى أهمية هذا الانقسام وملاءمته من الناحية الفسيولوجية؟ 

تابع القراءة لمعرفة ذلك!

ما الاختلافات بين المادة الرمادية والمادة البيضاء؟

  • المادة الرمادية: تتكون بشكل أساسي من أجسام العصبونات (soma)؛وهي البِنية التي تضم نواة الخلية العصبية.
  • المادة البيضاء: تتكون مناطق المادة البيضاء بشكل أساسي من محاور الخلايا العصبية المغطاة بمادة بروتينية شحمية تسمى غمد الميالين أو النخاعين (myelin) والتي يعود سبب اللون الأبيض إليها؛ نظرًا إلى احتوائها على نسبة عالية من الشحوم. تمتد المحاور بعيدًا عن الخلايا العصبية وتشكل مسالكًا تربط بين خلايا الدماغ، إذ تتوزع المادة البيضاء في شكل حزم.

لكن؛ هل الأمر بهذه البساطة؟ّ حسنًا ليس تمامًا؛ ففي حين أن التقسيم المبين أعلاه دقيق من الناحية الفسيولوجية، فإنه يوجد مزيج من أنواع الخلايا الموجودة في كل من المادة الرمادية والبيضاء، كما يلي:

تحتوي المادة الرمادية أيضًا على:

  1. مسارات محاور عصبية.
  2. الخلايا الدبقية (Glial cells).
  3. الأوعية الدموية الشعرية.
  4. إسفنجات العصبونات؛ مزيج من التغصنات ومحاور عصبية عديمة الميالين وخلايا دبقية.

تحتوي المادة البيضاء أيضًا على:

  1. خلايا دبقية قليلة التغصن (Oligodendrocyte)؛ الخلايا الدبقية التي تنتج المايلين.
  2. الخلايا النجمية (Astrocytes).

تنتشر كلا المادتين البيضاء والرمادية ضمن الجهاز العصبي المركزي والدماغ والنخاع الشوكي.

يظهر توزع المادة البيضاء والمادة الرمادية في الدماغ البشري.

توضّع المادة الرمادية

 توجد أجسام الخلايا العصبية بوفرة في النصفين الكرويين (cerebrum) وجذع الدماغ والمخيخ. هذه البنية الأخيرة -التي تشكل 10٪ فقط من حجم الدماغ– تحتوي على عدد أكبر من الخلايا العصبية مقارنة ببقية أجزاء الدماغ مجتمعة؛ أما في الحبل الشوكي، تشكل المادة الرمادية بنية “الفراشة”، والتي نستعرضها في الشكل (2).

إذن ما هي الأجزاء التي تمتلك طبقة خارجية من المادة الرمادية في الجهاز العصبي المركزي ؟

يمكننا أن نفكر في المخ والمخيخ على أنهما مناطق دماغية تمتلك طبقة خارجية من المادة الرمادية (انظر الشكل 1)؛ تقع المادة الرمادية في جذع الدماغ في مجموعات من الخلايا العصبية تسمى النوى (nuclei)، وهي جزء لا يتجزّأ من مسالك المادة البيضاء.

توضّع المادة البيضاء

كما ذكرنا سابقًا؛ تتوضع المادة البيضاء في شكل مسارات بفعل محاور الخلايا العصبية. توجد المادة البيضاء في النصفين الكرويين والمخيخ ضمن مناطق أعمق – حيث تغطى المادة البيضاء بالمادة الرمادية- انظر الشكل (1). نجد هياكل أخرى للمادة الرمادية، مثل العقد القاعدية (basal ganglia) مدمجة داخل نواة المادة البيضاء. توجد أيضًا بطينات الدماغ (brain ventricles) المملوْءَة بالسائل الدماغي الشوكي ضمن المادة البيضاء.

تنعكس الأشياء إلى حد كبير في الحبل الشوكي؛ إذ تتوزع المادة البيضاء حول المادة الرمادية المركزية “الفراشة”.

توزع المادة البيضاء والمادة الرمادية ضمن النخاع الشوكي.
  • جنينيًا: 

تتشكل المادة الرمادية في وقت مبكر من التطور من الأديم الظاهر(ectoderm. يستمر الأديم الظاهر في الانقسام إلى خلايا معينة حتى يتشكل الجهاز العصبي المركزي بأكمله؛ أي كلًا من الدماغ والنخاع الشوكي. في خلال التطور؛ يزداد حجم المادة الرمادية حتى نحو سن الثامنة. بعد السنة الثامنة، تبدأ المادة الرمادية في التناقص في مناطق الدماغ، إلا أن كثافة المادة الرمادية على وجه الخصوص تزداد، لتسمح هذه الزيادة في الكثافة بمعالجة عالية ومزيد من التطور العقلي للفرد.

  • الأعصاب:

يعد العمود الرمادي الأمامي (anterior grey column) في النخاع الشوكي هام لجميع الوظائف الحركية. يتصل الجزء الأمامي من المادة الرمادية بالدماغ من خلال الجهاز الهرمي الذي ينشأ في القشرة الدماغية؛ إذ تمر الإشارة على طول المحاور العصبية الموجودة في المادة البيضاء. تُترجم الإشارات في النخاع الشوكي إلى حركة من خلال الخلايا العصبية الحركية الموجودة في العمود الرمادي الأمامي، مما يسمح بالحركة الإرادية. إلى جانب الوظيفة الحركية؛ يؤدّي الحبل الشوكي أيضًا دورًا مهمًا في استقبال الإشارات الحسية، فالعمود الرمادي الخلفي (posterior grey column) هو الجزء المسؤول عن تلقي الإشارات الحسية من الحبل الشوكي والتي  تسمح بالتفاعل المستمر بين البيئة والجسم، وبدلًا من أن يقع في منتصف الحبل الشوكي، يكون العمود الرمادي الخلفي قريبًا من سطح العمود الفقري؛ مما يسمح بانتقال الإشارة بسهولة من جميع الأعصاب. تقوم القرون الظهرية (dorsal horns) للمادة الرمادية بتلقي الإشارات من جميع مناطق الجسم. 

كذلك تساهم في إنشاء الحركة منظومة عصبية حركية تبدأ من الإشارات في الأعصاب الموجودة في الجلد أو العظام أو المفاصل وتنتقل عبر الخلايا العصبية الداخلية لإحداث الاستجابات الفورية من خلال مسلك العمود الظهري للعمود الأنسي الأوسط(dorsal column medial lemniscus tract). طريقة الإشارة الثانية هذه أبطأ قليلًا إذ تحتاج الإشارة الكهربائية إلى الانتقال من الأعصاب الحسية إلى الدماغ ثم العودة إلى العمود الرمادي الأمامي لإنشاء الحركة.

يُعرف القسم الأخير من المادة الرمادية في العمود الفقري بالعمود الرمادي الجانبي (lateral grey column ) حيث يوجد في منتصف المادة الرمادية للحبل الشوكي ويمتد إلى الجوانب من قاعدة العمود الفقري. يعتبر العمود الرمادي الجانبي مسؤولًا عن تنظيم الجهاز العصبي اللاإرادي من خلال دوره في تنشيط الجهاز العصبي الودي (sympathetic nervous system).

مقطع عرضي في الحبل الشوكي يوضح اجزاء المادتين الرمادية و البيضاء فيه.

ما وظائف المادة الرمادية والمادة البيضاء؟

وظائف المادة الرمادية

تشمل المناطق الدماغية ذات التوزع الكبير للمادة الرمادية تلك التي تتحكم في النشاط العضلي والحسي.

القشرة الدماغية: تتكون الطبقة الخارجية من الدماغ -القشرة الدماغية- من أعمدة عصبونات المادة الرمادية وتتوضع تحتها المادة البيضاء. هذه المنطقة من الدماغ ضرورية للعديد من جوانب التعلم، بما في ذلك الانتباه والذاكرة والتفكير.

          المخيخ: المخيخ ضروري للتحكم الحركي والاتساق والدقة.

وظائف المادة البيضاء

تقوم المحاور العصبية المكونة للمادة البيضاء بمهمة الوصل بين المناطق الدماغية. يؤدّي المايلين الدهني الأبيض الذي يعطي هذا النسيج اسمه وظيفة ضرورية؛ إذ إنه يعزل المحاور مما يسمح للإشارة العصبية بالانتقال بسرعة أكبر بكثير، مكملًا بذلك وظيفة الخلايا العصبية في نقل الإشارات الحسية والحركية.

الأمراض المتعلقة بالمادة الرمادية والبيضاء

أمراض المادة الرمادية

تدعى الأمراض التي تسبب فقدانًا في الخلايا العصبية التي تتكون منها المادة الرمادية في المقام الأول الأمراض العصبية التنكسية. تؤثر هذه الأمراض، التي تشمل الخرف مثل مرض الزهايمر (Alzheimer’s disease) والخرف الجبهي الصدغي (frontotemporal dimentia)، على ملايين الأشخاص في جميع أنحاء العالم. غالبًا ما تترافق هذه الامراض مع تغيرات في المادة البيضاء كذلك؛ ولكن تتمركز العلامات الفسيولوجية مثل تراكم لويحات الأميلويد وتشابكات بروتينات تاو الليفية العصبية في المادة الرمادية. يرتبط تطور المرض إلى حد كبير بالمنطقة التي فقدت فيها الخلايا العصبية، مثلًا: ترتبط الأعراض الحركية لمرض باركنسون ارتباطًا مباشرًا بفقدان الخلايا العصبية المنتجة للدوبامين في المادة السوداء ( substantia nigra).

أمراض المادة البيضاء

تعد المادة البيضاء المسالك الحيوية التي تقوم بعملية الربط الفعال في الجهاز العصبي، فإن المرض الذي يؤثر على المادة البيضاء قد يكون بالغ الخطورة بتعطيله لانتقال الإشارات العصبية. في مرض التصلب المتعدد (Multible Sclerosis)، تُدمَّر طبقة المايلين الدهنية البيضاء حول المحاور، مما يؤدي إلى اضطراب حركي أو حسي. وفي حالة التصلب المتعدد الناكس (RRMS)، يمكن إصلاح هذا المايلين وفقدانه عدة مرات. أما في حالة التصلب المتعدد المترقي (progressive multiple sclerosis)، يترافق تلف المحاور مع موت الخلايا العصبية، وهنا التلف غير عكوس.

تعد أمراض المادة البيضاء مسؤولة عن خُمس السكتات الدماغية تقريبًا في جميع أنحاء العالم، حيث تتصلب الأوعية الدموية المتوضعة ضمنها مما يحول دون وصول الأكسجين والعناصر الغذائية الأخرى إلى المادة البيضاء.

  • إصابة الحبل الشوكي: عند تلف حزم المحاور العصبية في الحبل الشوكي، يُفقَد الاتصال بين الدماغ والمادة الرمادية في الحبل الشوكي. يمكن أن يسبب هذا شللًا ومُشكلات حسية، والتي غالبًا ما تكون دائمة في حالة تلف الأجسام العصبية.

المصادر: technologynetworksncbi

  • إعداد: مرح مسعود.
  • مراجعة: محمد علي.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو..

ماتقييمك للموضوع؟

Avatar

بواسطة مرح مسعود

اترك تعليقاً

Avatar

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقدمة إلى فروع علم الأحياء – البيولوجيا

كيف يعمل العلم