لدى معظم الأشخاص غير الرياضيين انطباعٌ معين عن الرياضيات يتجلّى في أنّ ما يفعله الرياضيون هو جمع أو ضرب أعدادٍ كبيرة ببعضها البعض بسرعةٍ فائقة، أو إذا كانوا ملمّين بجانبٍ رياضي معيّن فإنّهم سيقولون أنّها المزيد من الصيغ المعقّدة التي تثبت صيغاً معقّدة أخرى. هذا الفهم الخاطئ شائعٌ جداً، حتى بين ذوي الاختصاصات العلمية والهندسية الذين يعتقدون أنّ الرياضي يحل المسألة بتعامله مع الأرقام والصيغ وينتج الحسابات النهائية، لكن في الحقيقة هناك أمرٌ بالغ الأهمية يقوم به الإنسان الرياضي يتعدى الصيغ والأرقام، وهو استيعاب التصور الحقيقي لهذه المسائل الذي يعرف ب”التفكير التصوري”، سواء تخيل نمطية عملها أو رسمها بكافة الوسائل أو تمثيلها. وقد نشأت الحاجة لوجود الهندسة لأنّنا بطبيعتنا كبشرٍ حساسون كثيراً للصور عالية الدقة، فهي المصدر المعلوماتي الأساسي للدماغ، حيث أنّ الصورة أبلغ من الكتابة، فإذا وضعنا صورتين إحداهما مختلفةٌ قليلاً عن الأخرى فإنّك ستلاحظ الفرق بسرعة، لكنّ الأمر يحتاج وقتاً أطول إذا أردنا إيجاد فرقٍ بين إثباتين رياضيين لصيغةٍ معينة.

ولا يقتصر التفكير التصوري على نقل المسألة كما هي فقط، بل محاولة نقلها إلى صورةٍ أبسط، حلّها ثمّ العودة للمسألة الأساسية ونقلها لأبعادٍ أخرى تجعل الحل أسهل. وهذا هو الفهم التوبولوجي للمسألة الهندسية، حيث أنّها تجعلها أكثر مرونةً بالتعامل خارجةً عن النمطية الجامدة المتعارَف عليها بالإثبات.

مثال: لكل دائرتين متقاطعتين وترٌ مشترك كما في الشكل.

قم بهذه التجربة، ارسم 3 دوائر عشوائياً بشرط أن تتقاطع جميعها معاً ثمّ حدّد الأوتار المشتركة بين كل دائرتين ليصبح لديك ثلاثة أوتار. ماذا تلاحظ؟

يبدو أنّه مهما كانت الدوائر فإنّ أوتارها المشتركة تتقاطع. هل يمكن تعميم هذه النظرية بصرياً دون اللجوء لإثباتٍ جبري؟ الإجابة تكمن في نقل المسألة إلى بعدٍ أكبر. أحياناً مسألة في بعدين تكون صعبة الحل، لكن عند تحويلها إلى بعدٍ ثالث تصبح سهلة، وكذلك قد تكون مسألة في ثلاثة أبعاد أسهل عند نقلها إلى بعدٍ رابع. لنجرب المسألة في  بعد ثالثٍ ولتكن هاتين الكرتين بدلاً من دائرتين.

نلاحظ أن الكرتين تتقاطعان في مستوٍ واحد وأنّ المستوي في منطقة التقاطع يمثّل الوتر المشترك، لنتخيل معاً تقاطع الكرات الثلاث معاً مثل الفقاعات كمثال.

سنرى وبشكلٍ واضح أنّ مستويات التقاطع التي تمثل الأوتار المشتركة تقاطعت في خطٍّ واحد وإذا نظرت له من مسقط أمامي فإنّه سيمثل نقطة تقاطع واحدة. ولا يمكن لغير هذا أن يحدث بناءً على مشاهداتنا الطبيعية.

لنستعرض الآن مثالاً آخر:

هل يُمكن توصيل a مع A

b مع B

c مع C

باستخدام منحنيات متصلة دون أن تتقاطع؟ هل تستطيع تخيل طريقة حل كما في السؤال السابق؟

 

إن فكرت في جعل الدائرة كرةً فإنّك بالمسار الصحيح، بحيث أنّ Aa هو الجهة السفلية من خط طولي بين أقطاب الكرة، Bb هو الجهة العلوية من خطّ طولي آخر وCc قطعةٌ مستقيمةٌ تقع على المستوي. هناك طرقٌ أخرى يمكنك أن تفكر بها ولكن انتبه، عليك أولاً أن تفكر خارج الصندوق.


Sources:

  • VI Arnold ODE ch1.sec2
  • Littleword miscellany p.28
  • إعداد: إكرام ابراهيم
  • مراجعة: يارا بو سعد
  • تدقيق لغوي: جيهان المحمدي
مشاركة!

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا