in , ,

دماغ الإنسان والكون متشابهان أكثر مما تعتقد!

دماغ الإنسان والكون – من الظواهر المدهشة في الكون وجود الأشكال والأنماط نفسها في سياقات مختلفة. على سبيل المثال، تتواجد الدوامة الذهبية (Golden Spiral) في قوقعة أذن الإنسان وفي شكل المجرة الحلزونية، وتنعكس الهندسة الكسيرية للأوردة في تفرع البرق.

دماغ الإنسان والكون متشابهان أكثر مما تعتقد!

في دراسة جديدة، أجرى عالم فيزياء فلكية وجراح أعصاب تحليل كمي لمقارنة اثنين من أكثر الأنظمة تعقيدًا في الطبيعة: الشبكة العصبية في الدماغ البشري وشبكة المجرات في الكون.

في الواقع، هذه المقارنة ليست بالأمر الغريب. لطالما اعتدنا رؤية صور مشاركة تظهر خلايا عصبية ومحاكاة لكتلة مجرة، جنبًا إلى جنب، والتشابه واضح بينهما. 

credits: Mark Miller/Virgo Consortium/Visual Complexity

ولكن دماغ الإنسان والكون أعمق مما يبدوان عليه.

لذا، أمضى عالم الفيزياء الفلكي فرانكو فازا (Franco Vazza) من جامعة بولونيا الإيطالية (University of Bologna) وجراح الأعصاب ألبيرتو فيليتي (Alberto Feletti) من جامعة فيرونا الإيطالية (University of Verona) السنوات القليلة الماضية في محاولة اكتشاف ما إذا كان التشابه يتعدى إلى ما هو أكثر من الشكل.

وقد شرح العالمان في مقال نشر في 2017:

“تتجمع المجرات في هياكل عملاقة تمتد مئات الملايين من السنين الضوئية وتدعى: عنقود المجرات (clusters)، أو عنقود المجرات الهائل (superclusters)، أو خيط المجرات (filaments). الحدود بين هذه الهياكل والهياكل المجاورة لها -المكونة من فضاء فارغ والتي تدعى بالفراغات الكونية (cosmic voids)- معقدة للغاية.

تزيد الجاذبية سرعة المادة الموجودة على هذه الحدود إلى أن تصل سرعتها إلى آلاف الكيلومترات في الثانية، مما يخلق موجات صدمية واضطراب في الغازات المتواجدة بين المجرات.

لقد تنبأنا أن الحاجز بين الفراغ وخيط المجرات هو من الأكثر تعقيدًا في الكون، بناءً على عدد أجزاء المعلومات اللازمة لوصفه.

مما دفعنا للتساؤل: هل هو أكثر تعقيدًا من الدماغ؟”

يختلف هذان الهيكلان عن بعضهما بمقدار 27 ضعفًا أسيًا (ما يعادل مليار مليار مليار). ولكن، تشير نتائج الفريق إلى أنه على الرغم من أن العمليات الفيزيائية التي تقود هيكل الكون وهيكل دماغ الإنسان مختلفة للغاية، إلا أنهم يُنتجون مستويات متشابهة من التعقيد والتنظيم الذاتي.

نقطة البداية تمثلت في إيجاد أوجه التشابه بين الاثنين. يحتوي مخيخ الإنسان على حوالي 69 مليار خلية عصبية والشبكة الكونية المرئية تحتوي ما يزيد عن 100 مليار مجرة.

كلا النظامان مرتبين في شبكة محددة مكونة من عقد -تتمثل بالخلايا العصبية في الدماغ وبالمجرات في الكون- وخيوط تصل بينها.

لكل من الخلايا العصبية والمجرات نصف قطر مقياسي نموذجي لا يمثل سوى جزء بسيط من طول الخيوط. ويبلغ تدفق المعلومات والطاقة بين العقد حوالي 25% فقط من محتوى الكتلة والطاقة لكل نظام.

بالإضافة إلى ذلك، هناك أوجه تشابه بين تكوين الدماغ وتكوين الكون. يتكون الدماغ من 77٪ من الماء والكون من 72٪ من الطاقة المظلمة. كلا هاتين المادتين مواد سلبية تتخلل نظام كل منهما وتلعب دورًا غير مباشر فقط في هياكلها الداخلية.

بعد تحديد أوجه التشابه هذه، أجرى الفريق مقارنة كمية بين الاثنين بناءً على الصور. استخدموا لذلك صور شرائح من المخيخ (cerebellum) والقشرة (cortex) بتكبيرات مختلفة، وقارنوها بمحاكاة الشبكة الكونية.

ما كانوا يبحثون عنه هو أوجه التشابه في تذبذات كثافة المادة بين الدماغ والشبكة الكونية. ووجدوا أن التوزيع النسبي للتذبذبات في النظامين كان متشابهًا بشكل مثير للدهشة – على الرغم من اختلاف المقاييس كثيرًا.

شريحة من المخيخ بتكبير 40x (يسار) ومحاكاة للشبكة الكونية عند 300 سنة ضوئية (يمين). credits: University of Bologna.

قال فازا: “حسبنا الكثافة الطيفية لكلا النظامين. هذه تقنية تستخدم غالبًا في علم الكونيات لدراسة التوزيع المكاني للمجرات”.

“أظهر تحليلنا أن توزيع التذبذب داخل شبكة الخلايا العصبية في المخيخ على مقياس من 1 ميكرومتر إلى 0.1 ملم يتبع نفس التدرج في توزيع المادة في الشبكة الكونية، ولكن، بالطبع، على نطاق أوسع يبدأ من 5 مليون إلى 500 مليون سنة ضوئية “.

لكن لم يكن هذا كل شيء.

نظر الفريق إلى السمات المورفولوجية الأخرى، مثل عدد الخيوط المتصلة بكل عقدة. كان للشبكة الكونية، بناءً على عينة تتكون من 3800 إلى 4700 عقدة، 3.8 إلى 4.1 اتصال لكل عقدة  في المتوسط. في قشرة دماغ الإنسان، لعينة تحتوي من 1800 إلى 2000 عقدة، بلغ المتوسط 4.6 إلى 5.4 اتصال لكل عقدة.

بالإضافة إلى ذلك، أظهر كلا النظامين ميلًا لتجميع الاتصالات حول العقد المركزية. وكلاهما يمتلك نفس السعة المعلوماتية.

تشير دراسة حديثة إلى أن ذاكرة دماغ الإنسان تبلغ حوالي 2.5 بيتابايت. تشير دراسة أخرى حديثة أجراها فازا إلى أن سعة الذاكرة المطلوبة لتخزين تعقيد الكون تبلغ حوالي 4.3 بيتابايت.

كتب الباحثون في عام 2017 ، “بشكل تقريبي، هذا التشابه في سعة الذاكرة يعني أن مجموعة البيانات المخزنة في دماغ الإنسان -على سبيل المثال، تجربة حياة الشخص بأكملها- يمكن ترميزها أيضًا في توزيع المجرات في كوننا”.

هذا لا يعني أن الكون هو دماغ، أو أنه قادر على الإحساس. لكنها تلمح إلى أن القوانين التي تحكم نمو هياكل كلاهما يمكن أن تكون نفسها.

وفقًا لورقة بحثية نشرت عام 2012 تستند إلى عمليات المحاكاة، الشبكة السببية -والتي تمثل البنية واسعة النطاق للزمكان في كوننا المتسارع- هي رسم بياني لقانون القوة (power-law graph) يشبه بشكل ملحوظ دماغ الإنسان.

يمكن أن تمهد دراسات مثل هذه، بواسطة فازا وفيليتي، الطريق لفهم هذه القوانين بشكل أفضل.

قال فيليتي: “مرة أخرى ، حددت المعلمات الهيكلية مستويات اتفاق غير متوقعة. من المحتمل أن الاتصال داخل الشبكتين يتطور وفقًا لمبادئ فيزيائية متشابهة، على الرغم من الاختلاف الواضح والمفاجئ بين القوى الفيزيائية التي تنظم المجرات والخلايا العصبية”.

“هاتان الشبكتان المعقدتان تظهران أوجه تشابه أكثر من تلك المشتركة بين الشبكة الكونية والمجرة أو الشبكة العصبية والجسم العصبي.”

نُشر البحث في مجلة Frontiers in Physics.

المصدر

  • ترجمة: رند فتوح.

بواسطة رند فتوح

خريجة بكالوريوس صيدلة. مهتمة باستخدام البرمجة لتطوير الرعاية الصحية ومجال المعلوماتية الحيوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

كيمياء الحياة: لماذا كيمياء الحياة مهمة؟

اكتشافات سقارة الأثرية

مصر: اكتشافات سقارة الأثرية ولعنة الفراعنة