in ,

صوم الدوبامين: عندما تَنتج عادات سيئة عن الفهم الخاطئ للعلم

صوم الدوبامين (The dopamine fast)، المفهوم الذي قدمه الطبيب النفسي {د.كاميرون سيباه}، ليس له علاقة بالدوبامين أو الصيام. وفق ما قال {سيباه} لصحيفة (New York Times):

“استخدمتُ لفظ الدوبامين للإشارة إلى الآليّة التي تفسر كيف يُعزَّز الإدمان، ولجعل العنوان ملفتًا للانتباه. لم أُرد للعنوان أن يُفهم حرفيًا”

ولكن، من يستطيع مقاومةَ هذا الاسم البراق؟ ومن هنا بدأَت المفاهيم المغلوطة حول المصطلح  بالظهور.

ما هي الفكرة الصحيحة الكامنة خلف صوم الدوبامين؟

ما كان يقصده {سيباه} بصوم الدوبامين هو طريقة مبنية على العلاج المعرفي (cognitive behavioral)، تجعلنا أقل تأثرًا بالمحفزات غير الصحية -كالرسائل، والإشعارات، والنغمات، والرنات- والتي أصبحت جزءًا من الحياة في المجتمع المعاصر المتمحور حول التكنولوجيا. بدلًا من الاستجابة الأوتوماتيكية للمنبهات التي تحفز المكافأة، والتي تمنحنا شحنة فورية لكن قصيرة الأمد، يجب أن نعطيَ أدمغتنا الفرصة للاستراحة والابتعاد عن هذا السيل الذي قد يسبب الإدمان.

تتلخص الفكرة بأنه من خلال السماح لأنفسنا بالشعور بالوحدة أو الملل، أو من خلال إيجاد المتعة عند القيام بالأنشطة البسيطة والطبيعية، سنستعيد السيطرة على حياتنا وسنتمكن من معالجة السلوك القهري الذي من الممكن أن يعكّر سعادتَنا.

وقد ذكرَ العالمُ ستَّ سلوكيات قهرية من الممكن أن تستجيب لصوم الدوبامين، وهي: الأكل كاستجابة عاطفية (Emotional Eating)، والاستخدام المفرط للإنترنت والألعاب، والتسوق والقِمار، والإباحية والاستمناء، والبحث عن الإثارة والحداثة، والعقاقير الإدمانية. ولكنه يؤكد أن صوم الدوبامين قد يُستخدم للسيطرة على أيِّ سلوك يتسبب لك بالضيق أو يؤثّر سلبًا على حياتك.

لا يمكنك “الصيام” عن مادة طبيعية موجودة في الدماغ

الدوبامين هو أحد النواقل العصبية في الجسم، ويلعب دورًا في نظام المكافأة والتحفيز والتعلم والمتعة. على الرغم من أن كمية الدوبامين في الجسم ترتفع استجابةً للمكافئات والأنشطة الممتعة، إلا أنها لا تنخفض عند تجنّب الأنشطة المحفزة. هذا يعني أن “الصيام” عن الدوبامين لا يُخفّض مستوياتِه في الجسم.

للأسف الشديد، أساء الكثير من الناس فهمَ العلم ومصطلح صوم الدوبامين. يعتقد الناس أن الدوبامين كالهيروين أو الكوكايين، وأن صيامهم عنه هو عبارة عن فترة استراحة “Tolerance Break” يعود بعدها تأثير ما يمتنعون عنه -سواء كان طعامًا، أو علاقات جنسية، أو التواصل مع البشر- أقوى وأكثر حيوية، لأنه حسب اعتقادهم، ستمتلئ مخازن الدوبامين المستنزفة مجددًا. ولكن الحقيقة ليست كذلك إطلاقًا.

الصيام ببساطة هو تقنية للحد من التوتر وللانخراط في ممارسات اليقظة الذهنية (Mindfulness)

يقترح {سيباه} أن نبدأ الصيامَ بأقل حدٍّ يشوّشُ نظام حياتنا. على سبيل المثال، من الممكن أن نمارس صوم الدوبامين من ساعة إلى أربع ساعات في نهاية اليوم (وفقًا لمتطلبات العمل والعائلة)، ليوم واحد في عطلة نهاية الأسبوع (اقضِ يوم السبت أو الأحد في الخارج) ، وعطلة نهاية أسبوع واحدة كل ربع سنة (اذهب في رحلة محلية) ، وأسبوعًا واحدًا في السنة (اذهب في إجازة).

المقترَح السابق يبدو منطقيًا، وإن لم يكن بالضرورة جديدًا أورائدًا. في الواقع، إنه يشابه العديد من ممارسات اليقظة الذهنية وتوصيات النوم الجيد (Sleep Hygiene)، من حيثُ الابتعاد عن الشاشات لفترة ما قبل الذهاب إلى السرير.

إلا أن العديد من الناس يتبنّون نسخةً أكثر تطرفًا، زاهدةً، وغيرَ صحيةٍ من هذا الصيام نتيجة فهمِهم الخاطئ لكيفية عمل الدوبامين في الدماغ. إنهم يمتنعون عن الطعام، وممارسة الرياضة، والاستماع إلى الموسيقى، والتكلم من غير حاجة، وحتى التقاط الصور باستخدام الفلاش.

الفهم الخاطئ للعلم يتسبب بسلوكيات تكيّف سيئة

من المضحك عندما تفكر أن أيًّا من هذا لا يقلل مستوى الدوبامين! خاصةً أن تجنب التفاعل مع الناس، والنظر إليهم، والتواصل معهم لم يكن أبدًا جزءًا من فكرة {سيباه} الأصلية. التفاعل البشري -باستثناء عند كونِه قهريًا أو مدمرًا- يندرج ضمن فئة الأنشطة الصحية التي من المفترض أن تَحلّ مكان الأنشطة غير الصحية مثل تصفح وسائل التواصل الاجتماعي لساعاتٍ كل يوم. إن الصائمين عن الدوبامين يحرِمون أنفسهم من أشياء صحيةٍ، بلا سببٍ، بناءًا على عِلم مغلوط وتفسير خاطئ لعنوان ملفت للنظر.

تخصيص بعض الوقت لاستعادة الصفاء والنشاط الذهني ليس أمرًا سيئًا على الإطلاق، إلا أنه أيضًا ليس شيئًا جديدًا .

كان المقصدُ الأصلي وراء صوم الدوبامين هو توفير أساسٍ منطقي واقتراحات للابتعاد عن أيامٍ من جنون التكنولوجيا وتعويضه بأنشطة أبسطَ تساعدنا على إعادة الاتصال مع ذواتنا والآخرين. الفكرة نبيلة وقيٌمة وصحية ولكنها ليست مفهومًا جديدًا. تقترح معظم الأديان أيضًا يومًا للراحة (يوم السبت اليهودي مثلًا) أو إجازات بعيدًا عن التشتيت التكنولوجي، بحيث تتمكنُ من التفكير وإعادة التواصل مع العائلة والمجتمع. كما أظهرتْ سنواتٌ من التأمل أن نهْج يقظة الدماغ يعود بالكثير من الفوائد الصحية.

مع الأسف، أصبحت صناعة الصحة الحديثة مربحة للغاية مما جعل الناس يبحثون عن عناوين ملفتة لمفاهيم قديمة. ربما تكون هذه هي الطريق الأنسب لتصنيف هذه الصيحة، إذا استطعنا جعلَ مؤيديها ينظرون أو يتحدثون إلينا، دون الإخلال بمستويات الدوبامين لديهم، من أجل شرح ذلك لهم.

المصدر

  • ترجمة: رند فتوح.
  • تدقيق لغوي: عبد الرحمن الحصني.

بواسطة رند فتوح

خريجة بكالوريوس صيدلة. مهتمة باستخدام البرمجة لتطوير الرعاية الصحية ومجال المعلوماتية الحيوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

فقدان اللياقة البدنية

ما سرعة فقدان اللياقة البدنية بعد التوقف عن التمارين؟