قد يبدو أن الجنس أمراً غير ضروري ومتعارضاً مع نظرية التطور، قد يبدو أيضاً أن التكاثر عن طريق الجنس ليس أفضل الطرق، فالسحالي وحيدة الجنس تستطيع كل منها إنجاب سحلية أخرى بينما في السحالي ثنائية الجنس فقط الإناث تستطعن الإنجاب، وبحال تواجدت السحالي أحادية الجنس مع السحالي ثنائية الجنس فى مكان واحد فإن عدد أحادية الجنس سوف يصبح بعد فترة وجيزة أضعافاً مضاعفة بالنسبة للنوع الآخر من السحالي. بالإضافة إلى أن الجنس يؤدي إلى التنافس بين الذكور للفوز بالأنثى، وهذا مما لا شك فيه يعد أمراً مكلف بيولوجياً ويبدد طاقة الحيوانات ويعرضها للخطر، مثلما نرى في تناطح الكباش، نقيق الضفادع وصرير الهوام طوال الليل، ونشاهده فى حجم ذيل الطاووس الكبير الذي يستهلك جزءاً كبيراً من غذائه اليومي.
حتى عند البشر نجد التنافس بين الذكور لنيل الأنثى هو سبب معظم الكوارث والمشاكل والعنف والحروب والأمراض النفسية التى عانت وتعاني منها البشرية إلى اليوم، وبالرغم من ذلك فالشواهد كلها تدل على أن الجنس باق ومستمر ولن يختفي بعوامل التطور مستقبلاً.

الانتخاب الجنسي أو الاختيار الجنسي هو المصطلح الذي قدمه تشارلز داروين في كتابه أصل الأنواع سنة 1859 وهو عنصر هام من نظريته (الانتخاب الطبيعي)، حيث فسر به: «.. لا يعتمد على النزاع من أجل البقاء على قيد الحياة فيما يتعلق بالكائنات العضوية الأخرى، لكنه يعتمد على التنازع بين الأفراد التابعين لشق جنسي واحد، وهو عادة بين الذكور، من أجل الاستحواذ على الشق الجنسي الآخر؛ والنتيجة ليست الموت للمنافس الذي يفشل، ولكنها تنحصر في إنجاب القليل من الذراري أو عدم الإنجاب».

التنافس بين ذكور الحيوانات للحصول على الأنثى كان معروفاً لدى علماء الأحياء في عصر داروين، هذا التنافس يمكن تفسيره فى ضوء نظرية التطور بدون مشقة، فإذا تنافس ذكران من الكباش سيكون المنتصر هو الكبش الأقوى ذو الجمجمة الأكبر والأقسى، وهو الذي يفوز بالإناث، ومن ثم تنتقل صفة كبر وصلابة الجمجمة إلى الجيل التالي، قد تظهر نتوءات فى الجباه نتيجة هذا التناطح، تتطور مع مرور الوقت إلى قرون، كما هو الحال فى كباش اليوم.

لكن دارون يتساءل عما تفعله الإناث أثناء هذا التناطح، هل يقمن ببساطة بالانتظار في هدوء لكي يطئهن الكبش المنتصر؟ هذا الانتظار الهادئ قد يروق لكتاب الروايات الرومانسية، ولكن دارون يجد أنها مشكلة، من وجهة نظر نظرية التطور، بالنسبة للإناث التي يتجنبها الذكر المنتصر، لكن المرأة بذكائها حلت هذه المشكلة بالكوافير ومساحيق التجميل الأحذية ذات الكعب العالي لكى تظهر كل منهن فى صورة فريدة من الحسن والدلال، وبذلك تلفت نظر الرجل المنتصر والمنهك.

سبب الطاووس بذيله الرائع وألوانه الزاهية مشكلة بالنسبة لنظرية التطور، وقد قال دارون يوماً أنه كلما ينظر إلى ذيل الطاووس يصاب بالدوار، لأنه كان يعتقد فى البداية أن هذا الذيل لا يتواءم مع نظريته، ذيل الطاووس الكبير الذي يشبه المروحة، والمزين بالأشكال والدوائر والألوان المختلفة لا يفيده فى الصراع مع الذكور الأخرى من أجل الإناث، فى الواقع, يعتبر عبئاً كبيراً على ذكر الطاووس، فالإناث تعيش بدونه ولا تحتاجه.

هذا الذيل يستهلك جزءاً كبيراً من غذائه اليومي، كما أنه يعوق حركته أثناء الهرب من الثعالب والجوارح الأخرى، وبالرغم من ذلك فإن ذكر الطاووس لايزال يملك هذا الذيل الجميل الرائع الذي يتجدد عندما يسقط الريش القديم فى نهاية كل عام، لكن دارون وجد تفسيراً فيما بعد لوجود مثل هذا الذيل والذي أسماه بالاختيار الجنسي.

أثناء موسم التزاوج، تتجمع ذكور الطاووس فى مجموعات ثم تقوم بالغناء أو الصراخ إن صحت التسمية للفت نظر وجذب الإناث إليها، وحينما تظهر أنثى وتقترب من المجموعة, تقوم الذكور بفرد ذيولها فى استعراض خلاب بينما تقوم الأنثى بفحص وتفقد وتقييم كل طائر حسب حجم وألوان وشدة لمعان ذيله، وإذا وجدت الأنثى الذيل المنشود وراقها وأعجبت به كل الإعجاب سمحت لصاحبه بوصالها.

إذاً.. هل تختار الأنثى الأجمل، أم الأكبر والأزهى ألواناً؟ هذا السؤال لم يجب عنه دارون، ولكنه يفسر أن اختيار الأنثى هو السبب في استمرار الذيول الكبيرة والجميلة، واختفاء الذيول الصغيرة والقبيحة مع مرور الزمن بالنسبة للطاووس، هذا التفسير ثبتت صحته بالتجارب المخبرية خلال العشرين سنة الأخيرة، أي أن اختيار الأنثى له فعله ومكانته فى نظرية التطور، وهذا هو السبب الرئيسي في تطور ذيل الطاووس إلى ما نشاهده اليوم، كما أثبتت إحدى الدراسات الحديثة أن ذيل ذكر الطاووس كان يعمل على التغيير من شكله حتى يتمكن من حجب كل ما من شأنه جذب انتباه الأنثى عنه، وقد ثبت أيضاً أن الدوائر التي تشبه العيون والتي تزين ذيل الطاووس الذكر، إذا قل عددها عن 130 دائرة فى الذيل الواحد فإن الأنثى تصرف النظر عن هذا الذكر الفقير فى عدد الدوائر، ونادراً ما تختاره، وهي تفضل صاحب الذيل الأكثر عدداً والذي تزيد دوائر الزينة فيه عن 150 دائرة.

حل تشارلز داروين هذا اللغز وأفاض فيه في كتابه ” أصل الإنسان The decent of man and selection in relation to sex” كما ذكر فى كتابه أصل الأنواع فيما يتعلق بالإختيار الجنسي:

«عندما تكون الذكور والإناث التابعة لأي حيوان لديها السلوكيات نفسها في الحياة العامة، ولكنها تختلف في التركيب، أو اللون، أو الزينة، فإن مثل هذه الاختلافات قد نتجت أساساً عن طريق الانتقاء الجنسي.»

أمثلته على الاختيار الجنسي تتضمن ريش الطاووس المزخرف، طيور الجنة، قرون ذكر الأيل، ولبدة الأسد.

«النزاع الجنسي له نوعان؛ في النوع الأول يكون بين الأفراد من الجنس نفسه، الذكور في الغالب، من أجل إبعاد أو قتل منافسيه ويكون دور الإناث سلبياً، بينما في النوع الثاني يكون النزاع أيضاً بين أفراد من النوع نفسه من أجل إغراء أفراد من الجنس الآخر، الإناث في الغالب، ولا يكون دور الإناث سلبياً بل يقومون باختيار الشريك المقبول».

المصادر:

  • إعداد: محمود نبوي
  • تدقيق لغوي: داليا المتني
مشاركة!
الفضائيون

مبادرة معرفيّة علميّة موجهة للجمهور الناطق بالعربية تأسست بتاريخ 16 مارس 2015، شعارها “نرى العالم، من نافذة العلم”، وهي تهدف إلى نشر العلوم الحقيقية ونبذ الخرافة معتمدة على ترجمة وإعداد مواد مكتوبة ومقروءة إضافة إلى الصور التوضيحية والفيديوهات التعليمية.

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا