كيف يؤثِّرُ احتضان حديثي الولادة على الحمض النووي الصبغي لخلاياهم العصبيَّة؟

0 129
أم تحتضن طفلها – (Lucia Coghetto, 1961)

تدركُ أغلبيَّتُنا التأثيرَ الحاسمَ للأشهرِ الأولى لحديثي الولادة على صحتهم العقليَّةِ والبدنيَّةِ المستقبليَّة. وقد درس العلماءُ مؤخرًا تأثير سلوك الوالدين على الحمض النووي الصبغي (DNA) لحديثي الولادة، فما كانت نتائج أبحاثِهم؟

على مَن أجرى الباحثون تجرِبتهم؟

أجرى العلماء أبحاثهم على مجموعتين من الفئران التي تُعتبر النموذج الحيواني الأكثر مناسبةً لتعميم النتائج على الإنسان:

  • تألفت المجموعة الأولى من فئران أنثى (مع وليداتِها)، وكان سلوكُها المرصود أثناء التجربة وقائيًّا ورعائيًّا (الرعاية، التنظيف، إهتمام الأم بأبنائها، إلخ).
  • تألَّفت المجموعة الثانية من فئران أنثى (مع وليداتِها) ولكن هذه المجموعة تلقَّت اهتمامًا أقل من المجموعة الأولى.

كيف تمَّت الدراسة؟

اتبَّع العلماء ولمدَّة أسبوعين حركة «القص» و«النسخ» للـــ «الجينات القافزة» (Transposon) الموجودة في الخلايا العصبيَّة للفئران حديثي الولادة والتي تَسمَّى بــــ «العناصر النوويَّة طويلة الإنتشار» (LINE) (هي عناصر ذات حمض نووي صبغي (DNA) مشترَك، متوسَّط طولُها 6.5 كيلوبيز، وتنتشر في مواقع عديدة داخل «الجينوم»، ويحتوي «الجينوم البشري» على ما يزيد عن 500000 من هذه العناصر أي ما نسبته 16% من إجمالي هذا «الجينوم»).

ماذا أظهرت هذه الدراسة؟

أظهرت هذه الدراسة أنَّ الحمض النووي الصبغي (DNA) لحديثي الولادة يتغيَّر بدءًا من لحظة الولادة وحتَّى الفطام تبعًا لمستوى الإهتمام الذي يتلقونه من أمهاتِهم: كلَّما قلَّ تدليلهم، كلما تغيَّر حمضهم النووي الصبغي (DNA) أكثر، أي أنَّ الحمض النووي الصبغي (DNA) للفئران التي قضت فترة أقل مع أمهاتِها هو الأكثر تنوُّعًا.

هذا يعني وجود علاقة عكسيَّة بين عدد الجينات الخاضعة للـــ «القص» و«النسخ» في الحمض النووي الصبغي (DNA) الموجود في الخلايا العصبيَّة للفئران وبين مستوى الإهتمام الذي تلقته هذه الفئران، إذ كلَّما زاد هذا الإهتمام كلَّما نقُص عدد الجينات الخاضعة للـــ «القص» و«النسخ» (تمَّ قياس مستوى الإهتمام بالإستناد إلى الوقت المخصَّص للإهتمام بالفئران الصغار كتنظيفها واهتمام الأمهات الفئران).

كيف تأكَّد العلماء من تأثير البيئة المباشر على الجينات؟

قام العلماء بمبادلة الفئران للتأكُّد من صحة العلاقة التي وصلوا إليها: وضعوا صغار الفئران التي لا تهتم بها أمهاتُها مع فئران تهتم بصغارها والعكس كذلك، فتوصَّلوا إلى ذات العلاقة وهذا ما جعلهم ينفون احتمال أن تكونَ هذه العلاقة مرتبطة بعوامل وراثيَّة بل أكَّدوا ارتباط هذه العلاقة بالعوامل البيئيَّة.

وقد أظهرت المتابعات اللاحقة أنَّ حديثي الولادة الذين تعرَّضوا للعديد من عمليات «القص» و«النسخ» في الحمض النووي الصبغي (DNA) كانوا أكثر عرضة للإجهاد والتوتُّر كما كانوا غير قادرين على التأقلم مع الظروف والوضعيات الجديدة.

كيف فسَّر العلماء النتائج التي توصَّلوا إليها؟

من المعروف أنَّ ظروفَ البيئةِ المحيطة تعمل كـــــ «مفاتيح» جينيَّة، أي أنَّ هذه الظروف تُنَشِّط أو توقِف جينات محدَّدة، والجينات هي «الوحدات الوظيفيَّة» للحمض النووي الصبغي (DNA) أي أنَّها المسؤولة عن بروز الصفات الخارجيَّة كلون العين أو لون البشرة أو حتى طول القامة وغيرها من الصفات.

ولكن ما لم يكن معروفًا أنَّ ظروف البيئة التي يعيشها حديثو الولادة قبل الفطام يمكن أن تغيِّرَ بنيةَ الحمضِ النووي الصبغي (DNA) للخلايا العصبيَّة، أي عدد الجينات الموجودة على هذا الحمض وتوزيعها.

ولم يحدِّد العلماء الإنعكاسات الإدراكيَّة والعصبيَّة النفسية لهذه الظاهرة حتى الآن، وبالتالي فَهُم بحاجةٍ إلى دراساتٍ لاحقة في هذا المجال. ولكن ما نعرفُه عمومًا أنَّ للإجهاد والتوتُّر دورٌ في عمليَّة وراثيَّة تسمى «النسخ العكسي» (Retrotranscription) التي تحوِّل الحمض النووي الريبوزي (RNA) إلى حمض نووي صبغي (DNA)، وبالنتيجة فإنَّ هذا الإجهاد يدفع بعض الجينات لزيادة نسخاتِها على سلسلة من الحمض النووي الصبغي (DNA).

ما هي الآمال العلاجيَّة الجديدة التي تقدِّمُها هذه الدراسة؟

تقدِّم هذه التجربة تفسيراتٍ جينيَّةً لبعضِ الأمراض النفسيَّةِ البشريَّةِ كالإكتئاب والفصام: يمكن أن تحدثَ هذه التغيُّرات على المستوى الجيني في الفترة التي تسبق الفطام (من عمر ستة أشهر إلى سنة).

كما تشكِّلُ العلاقة المكتشفة بين عدد الجينات الخاضعة للـــ «القص» و«النسخ» في الحمض النووي الصبغي (DNA) الموجود في الخلايا العصبيَّة للفئران وبين مستوى الإهتمام الذي يتلقَّاه حديثو الولادة مدخلًا لإيجاد علاجات كيميو – حيويَّة تستهدف مباشرةً عمليَّة «النسخ العكسي» (Retrotranscription) للـــ «الجينات القافزة» (Transposon).

إذًا، كيف يؤثِّرُ احتضان حديثي الولادة على الحمض النووي الصبغي لخلاياهم العصبيَّة؟

المصادر:

  • إعداد: هنادي نصرالله
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More