وفقًا لدراسة أُجريت في جامعتي ستانفورد وكاليفورنيا، صار مرجحًا اليوم حمايتنا من الزّكام الأمراض الفيروسيّة الأخرى، عبر تعطيل بروتين واحد ومحدّد مؤقتًا، واختُبرت هذه العمليّة على مستعمرات خلايا الإنسان والفئران، يقول جان كاريت (Jan Carette) أستاذ مشارك في علم الأحياء الدقيقة والمناعة: “لطالما سُئلنا عن سبب عجزنا إيجاد علاجٍ للزكام رغم تطوّر الطّب، الآن أصبح لدينا طريقة لتحقيق ذلك.”

ونجحت هذه الطريقة- التي تستهدف البروتينات داخل خلايا الإنسان- في إيقاف الفيروسات المرتبطة بالربو (asthma) والتهاب الدماغ (encephalitis) وشلل الأطفال (polio) أيضًا.

تمثيل للسطح الجزيئي لأحد الفيروسات الأنفية التي تصيب الإنسان.
تمثيل للسطح الجزيئي لأحد الفيروسات الأنفية التي تصيب الإنسان.

ما المُسبب للزكام؟

يُشكّل الزكام -والذي قد يدوم لأسبوع- أحد منغّصات حياة الإنسان الأكثر انتشارًا، ويُعتبر من أكثر الأمراض المعدية المنتشرة في العالم، ويكلّف الاقتصاد الأمريكي ما يقارب الـ 40 مليار دولار سنويًّا، ويظهر الفيروس الأنفي (rhinovirus) كسببٍ لما لا يقل عن نصف هذه الإصابات، وهناك حوالي 160 نوعًا من الفيروس الأنفي وهذا هو تفسير تكرر الإصابة بالزكام، وما يجعل الأمر أسوأ، أنّ نسبة الطفرات في الفيروس الأنفي عالية، ما يجعله قادرًا على تطوير مقاومة للأدوية بسرعة والإفلات من قبضة المناعة التي اكتسبها الجسم نتيجة تعرّض سابق له – أي للفيروس-.

أول لقاح

وجد الباحثون عبر هذه الدراسة طريقة لإيقاف طيف واسع من الفيروسات المعوية (enteroviruses)- ومنها الفيروس الأنفي- من التكاثر داخل خلايا إنسان في المستعمرات والفئران، تحقق ذلك من خلال تعطيل بروتين في خلايا الثديّات، يبدو أنّ جميع الفيروسات المعوية بحاجة له كي تتكاثر.

الفيروسات المعوية والبروتينات

يعتبر فيروس شلل الأطفال أحد الفيروسات المعوية المعروفة والمخشيّة قبل إيجاد لقاح فعّال في الخمسينات؛ تسبب الفيروس بشلل وموت الآلاف من الأطفال سنويًا في الولايات المتحدة وحدها.

منذ عام 2014، نوع آخر من الفيروسات المعوية يُدعى (EV-D68) تسبب في انتشار حالات غامضة مرتين في السنة من مرض شبيه بشلل الأطفال، يُدعى التهاب النخاع الرخو الحاد (acute flaccid myelitis)، في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بعض الفيروسات المعوية الأخرى قد تتسبب بالتهاب الدماغ والتهاب العضلة القلبية (myocarditis)، الفيروسات المعوية تنتشر بسهولة كحال جميع الفيروسات، وتستفيد من البروتينات الموجودة في الخلايا التي تصيبها لتتكاثر.

التجربة والنتائج

لمعرفة أيّ بروتينات الخليّة مهمّة لتكاثر الفيروسات المعويّة، استخدم الباحثون طريقة لمسح كامل الجينوم؛ فقاموا بتنمية مستعمرات من خلايا الإنسان التي تُصاب بالفيروسات المعوية، وبعدها استخدموا تقنيات التلاعب الجيني؛ لتعديل جين واحد مختلف في كل خلية.

في الخطوة التالية، أصاب العلماء المستعمرة بفيروس “RV-C15″، وهو فيروس أنفي يفاقم الرّبو لدى الأطفال، وبعدها بفيروس   “EV-D68” السّابق ذكره، في كلتا الحالتين، نجحت بعض الخلايا بالتّكاثر والنّجاة من العدوى، واستطاع العلماء معرفة الجين المعطل في الخلايا الناجية، في حين أنّ كلا الفيروسين “RV-C15″ و”EV-D68” من الفيروسات المعوية، إلا أنّهما مختلفان من الناحية التصنيفية ويحتاجان بروتينات مختلفة في الخلايا المضيفة للتكاثر؛ لذلك جينات الإنسان التي تحمل شيفرة البروتينات التي تحتاجها الفيروسات مختلفة، لكن يوجد بعض الجينات أدّى غيابها إلى فقدان كلا الفيروسين القدرة على دخول الخلايا والتكاثر واجتياح خلايا جديدة، أحد هذه الجينات الذي يحمل معلومات إنزيم يُدعى “SETD3” كان مميّزًا وفقًا لكاريت مُضيفًا: “من الواضح أنّ هذا الإنزيم ضروري لنجاح الفيروس في التكاثر، لكن لا نعرف الكثير عنه.”

جرّب العلماء إصابة خلايا تفتقد جين “SETD3” بأنواع مختلفة من الفيروسات المعوية وهي: “EV-D68″، وفيروس شلل الأطفال، وثلاث أنواع من الفيروس الأنفي، ونوعين من فيروس كوكساكي (coxsackievirus) والذي يسبب التهاب العضلة القلبية، ولم يستطع أي من هذه الفيروسات التكاثر في الخلايا الفاقدة لإنزيم “SETD3”.

لاحظ العلماء انخفاض بمقدار ألف مرة في تكاثر الفيروس في خلايا الإنسان التي تفتقد “SETD3” بالمقارنة مع الخلايا الطبيعية، في حين أنّ تعطيل عمل الإنزيم في خلايا القصيبات الطلائية المصابة بأنواع مختلفة من الفيروسات الأنفية أو بـ “EV-D68” أدّى إلى تناقص تكاثرها بمقدار 100 ضعف.

فئران منيعة

عُدلت بعض الفئران جينيًا لتفقد إنزيم “SETD3” بشكل كامل، هذه الفئران نمت لتكون صحيّة وقادرة على الإنجاب، إلا أنّها كانت 

منيعة تجاه العدوى بفيروسين معويين معينين يسببان الشلل والتهاب الدماغ القاتل، حتى عندما حُقنت هذه الفيروسات مباشرة في أدمغتهم بعد فترة وجيزة من الولادة، يؤكّد كاريت: “على عكس الفئران الطبيعية، الفئران المعدّلة كانت حصينة تمامًا ضد الفيروسات.”

كما وجد العلماء الفيروسات المعوية ليس لها علاقة بالجزء المسؤول عن النشاط المعتاد في الخلايا للانزيم “SETD3″، بل تعتمد هذه الفيروسات في تكاثرها على تفاعل بروتين مع جزء آخر من “SETD3” بطريقة غير معروفة بعد، يُضيف كاريت: “يعطينا هذا أملاً بتطوير دواء مضاد للفيروسات واسع الطيف لا يملك فعالية في محاربة الزكام فحسب، بل ربما جميع الفيروسات المعوية حتى دون التأثير بالوظيفة المعتادة لإنزيم “SETD3″.”

المصدر

  • ترجمة: رند فتوح
  • مراجعة: نادية حميدي
  • تدقيق لغوي: عبود أكرم