fbpx
الفضائيون

مصدر خفي لتلوث الهواء يقبع في أعمالك اليومية!

نلمح حولنا العديد من المشاكل التي تهدد سلامة حياتنا وتقلل من عامل الأمان الذي يمكن أن نطمئن لوجوده معنا، فيجنبنا الكثير من المُعضلات التي تسبب الأضرار والأمراض، مما يؤدي إلى تفشي الأوبئة في بيئتنا، وأهم تلك المشاكل هي مشكلة تلوث البيئة.

فإذا بالتلوث المحيط بالمنزل يضاهي ذلك الذي ينتشر في أرجاء المدينة، فقد توصل علماء وباحثون من جامعة كولورادو إلى أن ما يقوم به الإنسان من أعمال روتينية من طهي وتنظيف في المنازل إنما يضاهي كمية التلوث المُنتشرة في أجواء المدينة.

فإذا تساءلتَ إن كان هذا التلوث يقتصر على الهواء المنزلي فقط، فالإجابة هي لا. لأن ذلك ينتج عن مواد كيماوية متطايرة في كل الأرجاء، إلى جانب العديد من المسببات مثل مواد التنظيف والعطور والدهانات؛ التي تتبخر جزيئاتها في أرجاء الغرفة وتبدأ بالانتقال من أماكن ضيقة إلى أماكن واسعة مفتوحة مما يؤثر بشكل سلبي على طبقة الأوزون وتشكيل الملوثات الهوائية الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري في تطبيقاتنا اليومية.

هذا وقد توصل العلماء والباحثون في اجتماعهم السنوي للجمعية الأمريكية لتطوير العلوم (American Association for the advancement of science) عام 2019 في العاصمة الأمريكية واشنطن. من ضمن المُجتمعين كانت البروفيسورة مارينا فانسي Marina Vance في قسم الهندسة الميكانيكية من جامعة كولورادو، التي توصلت إلى الوقوف على مدى العلاقة بين الناس الذين يساهمون في تلوث الهواء داخل المنازل ومدى ارتباطهم بالتلوث الخارجي للهواء، حيث صرحت:

“علينا الآن أن نُعلن عن أحد أسباب تلوث الهواء، وهو أنّ التلوث الكائن في داخل المنازل يُعد عاملًا رئيسًا لتلوث البيئة المحيطة بالإنسان. آن لنا الآن أن نُعلن عن دور وظائفنا المنزلية اليومية في تغيير التركيب الكيميائي للهواء المنزلي وجعله ملوثًا”.

ومن أجل إثبات ذلك استخدمت مارينا مع عدد من زملائها من جامعة كولورادو أجهزةً وكاميراتٍ حساسةً للمراقبة في داخل منزل تبلغ مساحته 1200 مترًا مربعًا في الحرم الجامعي لجامعة تكساس أوستن،  وذلك في صيف عام 2018، حيث استمرت هذه التجربة شهرًا كاملًا، مارس خلاله الفريق العادات اليومية التي تقوم بها أيّ عائلة قد تسكن هذا المنزل. هل فعلًا تأثّر الهواء بهذه المدّة القصيرة؟

للأسف، فإنّ أي عملٍ منزلي مهما كان بسيطًا من مثل تحميص الخبز؛ يؤدى إلى رفع مستوى التلوث في هواء المنزل مما أدى إلى تعطيل الأجهزة المستخدمة، التي احتاجت إلى معايرتها من جديد.

وفي السياق نفسه نشرت مارينا مقالًا علميًا في صحيفة (The Guardian) بعنوان: “كيف يمكن للشواء في المنزل أن يجعل الهواء ملوثًا كهواء نيودلهي؟”، إذْ تحتل العاصمة الهندية نيودلهي المرتبة السادسة في تصنيف المدن من حيث تلوث الهواء.

لا يمكننا إنكار مساهمة استخدام الفرن لِشيِّ الخضار أو اللحوم في تلويث هواء منزلك ليصبح غير صحيٍّ. كل ذلك يحدث عندما يتفاعل الرماد المتطاير والجسيمات الأُخرى الناتجة من لهب طبخ الخضراوات والزيوت والدهون مع هواء المنزل، ليُنتَج ذلك جسيمات صغيرة ضارة من نوع ( PM2.5) التي بدورها تُساهم في رفع مستوى تلوث هواء المنزل ثلاثة عشر ضعفاً عن المعدل الطبيعي الذي قد يستمر إلى نحو الساعة.

الجسيمات من نوع  (PM2.5) هي جسيمات صغيرة يصل قطرها إلى أقل من 2.5 مايكرومتر، وبسبب حجمها الصغير تستطيع التسلل إلى الرئتين مما يسبب اضطراباتٍ وأعراض سيئة للجهاز التنفسي. ولا ننسى أنه كلما صَغُر حجم هذه الجسيمات ازدادت خطورتها الكامنة في قدرتها على الدخول إلى الدورة الدموية، مما يُسبب وصولها إلى أعضاء مهمة في الجسم كالقلب والدماغ، مُسببةً أعراضًا لا تُحمد عقباها.

في الرسم التوضيحي أعلاه يَظهر لنا كيف يمكن لهذه الجسيمات الصغيرة أن تدخل الجسم وتتسبب بالمشاكل الصحية للجهاز التنفسي والقلب. هناك نوعان من هذه الجسيمات وهما: (PM10) و (PM2.5)، تُعتبر جسيمات الـ (PM10) كبيرةً بالحجم مقارنةً بجسيمات الـ (PM2.5). نتيجةً لذلك، تقوم الرئتين بالتخلص من هذه الجسيمات عن طريق السعال والعطاس، بينما تكمل الجسيمات الصغيرة رحلتها إلى الرئتين والقلب.

وفي المجال نفسه، نشر البروفيسور de Gouw وزملاؤه نتائج أبحاثهم في المجلة العلمية التابعة لجامعة كولورادو. حيث اعتُبِرت المركبات التي تعمل باحتراق الوقود الأحفوري أقلَّ تأثيرًا على الهواء، والتي كانت تُعتَبر سابقًا السبب الرئيسي لتلويث الهواء، وقد ساهمت القوانين الصارمة المفروضة على هذه المركبات في خفض تأثيرها على الهواء. ولكن عندما أمعن الفريق النظر إلى مدى التلوث الداخلي لهواء المنازل وتأثيره على الهواء الأرضي بشكل عام، أدركوا وجود سببٍ جديد يجب أخذه بعين الاعتبار. وعَقَّب البروفيسور على ذلك قائلًا:

“كانت هناك شكوك حقيقية حول أهمية مساهمة المُركبّات في التلوث الهوائي، أما الآن فلآ توجد لدينا شكوكٌ حول ذلك، فيجب علينا الآن أن نمضي قُدمًا في أبحاثنا، مُركزين جهودنا على مصدر التلوث الجديد، وأن نعطيه أهمية بمقدار الأهمية التي أُعطيَت للوقود الأحفوري”.

فما هي الحلول المتبعة للتقليل من خطر هذه الظاهرة؟

في الحقيقة، فإنّ الحلول المتبعة شبه معدومةٍ تقريبًا. أحد هذه الحلول قد قدّمه البروفيسور نابارون جوش (Nabarun K. Ghosh) وزملاؤه من جامعة (West Texas A&M) في ورقة علمية نشرها في شهر شباط/فبراير من هذا العام في مجلة (Allergy and Clinical Immunology) حيث تضمن هذا الحل استخدام تكنولوجيا حديثة تُدعى Advanced Hydrated Photocatalytic Oxidation (AHPCO)  مع جزيئات مُنقية ثنائية القطبية، وألا تقتصر هذه الحلول على تهوية المنزل من خلال فتح النوافذ أو استعمال المراوح، الأمر الذي سيؤدي بالتأكيد إلى انتقال التلوث للهواء خارج المنزل بشكلٍ أسرع وأكبر.

هذا المقال شارك به الطالب محمد أبو صاع (المركز الثالث) في مسابقة “إثراء لغة الضاد” التي نظمت بشراكة بين الفضائيون وجمعية الميكانيك والميكاترونكس ومؤسسة ويكيميديا.

المصادر:

المُساهمون:

    إضافة تعليق

    الفضائيون

    الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.