fbpx

لا يمكننا اختراق الجدار، لكن هل يمكننا الرؤية أو تعقّب الحركة خلفه؟

لطالما كانت رؤية ما خلف الجدران إحدى فلتات الخيال العلمي، لكن وخلال العقد الماضي، قام فريقٌ علميٌ من مختبر علوم الحاسوب والذكاء الصنعي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، بقيادة البروفيسور دينا كَتابي (Dina Katabi)، بتقريبنا خطوة وإن كانت صغيرةً نحو تصيير هذا الخيال إلى واقع!

التطبيق بآخر تحديثاته،”RF-Pose”، يستخدم تقنيات الذكاء الصنعي في تعليم أجهزةٍ لاسلكيّة لتصبح قادرةً على تحسس مواقع الأشخاص وحركتهم، وإنْ كان من الجانب الآخر للجدار. إذْ يستخدم الباحثون شبكةً عصبونيّةً صنعيةً في تحليل الإشارات اللاسلكيّة المرتدّة عن أجساد الأشخاص المُتعَقَّبين، ومن ثمّ بناء شخصيةٍ ديناميكيةٍ ثنائية البعد ( أشبه بهيكل عظمي) يمكنها أن تمشي، وتتوقف، وتجلس، وتتحرك تبعًا للأفعال التي يؤديها الشخص المُتعَقَّب.

قال الفريق بأنّه يمكن استخدام تطبيقهم في مراقبة أشخاص مصابين بأمراض مثل: داء باركنسون، ومرض التصلّب اللّويحي المتعدّد، ومرض الحثل العضلي، ممّا يزوّد الأبحاث بفهمٍ أعمق لتقدّم المرض ويسمح للأطباء بتعديل الأدوية وفقًا لذلك. كما يمكن أن يساعد المسنّين في الحصول على حياةٍ أكثر استقلاليّة، مع توفير خدمات أمانٍ إضافيةً لتحسّس حوادث السقوط، والإصابات، والتغيّرات في نمط النشاطات. حيث يعمل الفريق حاليًّا مع الأطباء من أجل وضع الخطوط العريضة لتطبيقات “RF-Pose” في مجال الرعايّة الصحيّة.

تمّ تجميع البيانات بموافقة المشاركين على تقديم معلوماتٍ عنهم، على أن يتمّ إخفاء هوياتهم الشخصيّة، وتشفير البيانات احترامًا لخصوصيّاتهم. وبالنسبة للتطبيقات المستقبلية على أرض الواقع، يخططون لتنفيذ “آلية موافقة”، حيث يقوم الشخص المستخدم للنظام بإجراء مجموعةٍ محدّدةٍ من الحركات كي يبدأ النظام بمراقبة البيئة المحيطة به.

لاحظ تعدّد البيئات المصوّرة ضمن مجموعة التدريب:

” من المزايا الرئيسية لمنهجنا، أنّ المريض ليس مضطرًا لارتداء حسّاسات (أجهزة استشعار)، أو للبقاء متيقّظًا ليقوم بشحن الجهاز الخاص به”

هذا ما قالته البروفيسور كَتابي.

وإلى جانب استخدام التطبيق في الرعايّة الصحيّة، يمكن استخدامُه في إصداراتٍ جديدةٍ لألعاب الفيديو، بحيث يكون اللاعبون خارج المنزل، أو حتّى في مهام البحث والإنقاذ للمساعدة في تحديد مكان الناجين.

99% من جسم الإنسان عبارةٌ عن فراغ، فلماذا لا نستطيع العبور من خلال الجدران؟

إحدى التحديات التي كان على الباحثين مواجهتها وتجاوزها، أنّ أغلب أنواع الشبكات العصبونية الصنعيّة يتمّ تدريبها بواسطة بيانات موصفّة  أو مصنّفة يدويًّا، فعلى سبيل المثال، الشبكة المدرّبة للتعرّف على القطط، تتطلّب أن يتمّ عرض مجموعة ضخمة من الصور على مجموعةٍ من الأشخاص ليقوموا بتحديد كل صورة فيما إذا كانت “قطّة”، أو” ليست قطّة”. إذًا يمكن التحدي في عدم القدرة على تصنيف الإشارات اللاسلكيّة بهذه السهولة.

إقرأ أيضا: الآلات الذكية: هل يجدر بنا حقاً أن نخاف من الذكاء الصنعي؟

لتجاوز هذه العقبة، استخدم الباحثون أجهزتِهم اللاسلكيّة وكاميرا لجمع العيّنات، لجمع آلاف الصور التي تعود لأشخاص يمارسون نشاطاتٍ معيّنةً كالمشي، والحديث، والجلوس، وفتح الأبواب، وانتظار المصاعد. ثمّ استخدموا هذه الصور لبناء الهياكل ثنائيّة البعد، والتي أُدخلت بدورها إلى الشبكة العصبونية مع الإشارات اللاسلكيّة المقابلة لها، كي يتمّ التدريب (تجدر الإشارة هُنا، أنّ التدريب بإشراف معلّم Supervised learning). هذه الثنائيات سمحت للنظام بالتدرب على الربط بين الإشارات اللاسلكيّة الواردة مع الهياكل ثنائية البعد الخاصة بالأشخاص الذين يتمُّ تتبّع حركتهم ضمن المشهد.

عليه، تمكّن “RF-Pose” بعد التدريب من تقدير موضع وحركة الشخص بدون وجود الكاميرات، بواسطة الانعكاسات اللاسلكيّة المرتدّة عن أجسام الأشخاص.

مهلاً، هنالك أمرٌ مثيرٌ للاهتمام، بما أنّ الكاميرا لا يمكنها تصوير ما يوجد وراء الجدران، لِمَ يتمّ تدريب الشبكة العصبونيّة على بيانات (صور) من خلف الجدران! إنّها بالرغم من ذلك، قادرةً على التعامل مع عيّنات مختلفة، وتحسّس الحركة من خلال الجدران. وفي ذلك يقول تورالبا:

“بفرض أنّ نظام الرؤية الحاسوبية عبارةٌ عن معلّم، يكون ذلك حقًّا مثال رائع على تفوّق الطالب على معلّمه.”

فإلى جانب تحسس الحركة، استطاع “RF-Pose”، وبمشاركة مئة متطوِّع في تدريب النظام، التعرُّف على هويَّة 83% من المشاركين من خلال مراقبة نمط حركتهم (حيث أنّ الصورة ثنائية البعد المُعتمد عليها لا تحتوي على تفاصيل الوجه). قد تكون هذه الميّزة مفيدةً بشكلٍ خاصٍّ لتطبيق عمليات البحث والإنقاذ، عندما يكون من المفيد معرفة هوية أشخاص معيّنين.

يأمل الباحثون في الإصدارات المستقبلية، أن يتمّ بناء هياكل ثلاثية البعد لاستخدامها في تتبّع الحركة، بغية تحسين الأداء، فمثلاً، يتمكّن النظام من معرفة ما إذا كانت يد الشخص المسنّ ترتجف بما يستدعي القيام بإجراءٍ طبّي، أو أنّها مجرد حالة طبيعية لديه بسبب العمر، وقس على ذلك من استخدامات دقيقة.

يقول تشاو:

“من خلال استخدام هذا الدمج بين البيانات المرئية وتقنيات الذكاء الصنعي للرؤية عبر الجدران، يمكننا تصيير فهمٍ أفضل للمشهد، وبناء بيئة أذكى، بهدف العيش في حياة أكثر أمانًا وانتاجيّة.”

المشاركون في كتابة الورقة العلمية عن هذا النظام:

البروفيسور دينا كَتابي بمشاركة طالب الدكتوراه مينغمِن تشاو (Mingmin Zhao)، والبروفيسور أنطونيو تورالبا (Antonio Torralba)، والباحث ما بعد الدكتوراه محمد أبو الشيخ، وطالب التخرّج تيانهونغ لي (Tianhong Li)، وطلاب الدكتوراه يونغلونغ تيان (Yonglong Tian) وهانغ زاو (Hang Zhao). سيقومون بتقديم عملهم خلال هذا الشهر ضمن مؤتمر الرؤية الحاسوبية والتعرّف على الأنماط (Computer Vision and Pattern Recognition: CVPR)، في مدينة سالت ليك بولاية يوتا.

يمكنك الاطّلاع على الورقة البحثيّة:

Through-Wall Human Pose Estimation Using Radio Signals 

يمكنك تكوين فكرة أشمل عن “RF-Pose” من خلال الفيديو التالي:

مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه.لدعمنا إضغط هنا

  • ترجمة: نور عبدو
  • تدقيق لغوي: مروى بوسطه جي
مصدر MIT
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. AcceptRead More