نرى العالم من نافذة العلم

للمرة الأولى: يلاحظ الفلكيّون تشوّهاً كميّاً غريباً في الفضاء الخالي.

0 3

يعدّ الانكسار المزدوج الفراغيّ ظاهرة غريبة، والتي تمّت ملاحظتها على المستوى الذريّ فقط. تحدث تلك الظاهرة حين يتواجد نجم نيوترونيّ محاط بمجال مغناطيسيٍّ قويٍّ للغاية، لدرجة أنّه يسمح بتواجد مناطق فارغة في الفضاء، حيثُ تظهر وتختفي المادة بشكلٍ عشوائيّ.

يعتبر الفيزيائيّان “وارنر هايزنبرج” و”هانز هاينرك أويلر” هما أوّل من افترضا إمكانية حدوث ظاهرة  استقطاب الضوء في الفراغ في عام 1930، كنتيجة لنظريّة الديناميكا الكهربائيّة الكميّة، تلك النظريّة التي تفسّر كيفيّة تفاعل الضوء مع المادة. والآن وللمرة الأولى، يُشاهد هذا التأثير الكميّ الغريب من قبل فريقٍ من العلماء التابعين للمعهد الوطنيّ للفيزياء الفلكيّة بميلانو في إيطاليا وجامعة “زيلونا جورا” ببولاندا.

وبمساعدة التليسكوب العملاق بالمرصد الأوروبيّ الجنوبيّ، قام فريق من الباحثين بقيادة “روبرتو ميجناني” بمتابعة النجم النيوتروني “RX J1856.5-375″، والذي يبعد عن الأرض حوالي 400 سنة ضوئيّة. ومع أنّ النجوم النيوترونيّة خافتة الضوء (الضوء المرئيّ)، إلا أنّ كتلتها أكبر من كتلة شمسنا بعشرات المرّات، مما يجعلها تمتلك مجالًا مغناطيسيًّا عملاقًا مخترقًا أسطح تلك النجوم وما حولها.

وحسب نظريّات نيوتن وآينشتاين، فالفراغ عبارة عن فضاء خالٍ، مما يجعل الضوء يعبر من خلاله بحريّة تامّة بلا أدنى تأثّر. ولكن بحسب نظريّة الديناميكا الكهربائيّة الكميّة، فالفراغ ليس خاليًا تمامًا؛ فهو مليءٌ بجسيمات افتراضيّة تظهر وتختفي باستمرار. فيأتي هنا دور المجال المغناطيسيّ العملاق للنجوم النيوترونيّة، والذي يغيّر من طبيعة الفضاء الفراغيّة. وبمساعدة أجهزة الطيف المنخفضة البؤرة قليلة التشتت، استطاع الباحثون دراسة النجوم النيوترونيّة عن طريق الضوء المرئيّ فقط، دافعين بحدود تكنولوجيا التليسكوبات الحاليّة.

تليسكوبات أفضل

وبدراسة المعلومات التي تمّ الحصول عليها عن طريق التليسكوب العملاق، لاحظ العلماء استقطابًا خطيًّا يحدث عند درجة معيّنة وهي 16%، والذي يُرجّح أنّه يحدث نتيجة الانكسار المزدوج للمنطقة التي تحيط بالنجم النيوترونيّ “RX J1856.5-375”.

ويقول قائد الفريق البحثيّ “ميجناني”، أنّ ذلك الاستقطاب الخطيّ الكبير والذي قاسه التليسكوب العملاق “VLT”، لا يمكن أن يُفسّر بنماذجنا الحاليّة إلّا بأخذ تأثيرات الانكسار المزدوج، والتي فرضته نظريّة الديناميكا الكهربائيّة الكميّة. ويثق “مينجاني” بأنّه وباستخدام تلك التكنولوجيا المحدودة فستكون تيليسكوبات المستقبل أكثر قدرة على اكتشاف المزيد من التأثيرات الكميّة الغريبة المماثلة، عن طريق دراسة نجوم نيوترونيّة أخرى.

ويضيف أيضًا بأنّ قياس الاستقطاب الضوئيّ باستخدام الأجيال القادمة من التليسكوبات مثل التليسكوب الأوروبيّ العملاق، سيلعب دورًا محوريًا في اختبار فرضيّات التأثيرات الازدواجيّة الانكساريّة للفراغ حول العديد من النجوم النيوترونيّة. ويقول الباحث “كينواه فو” بأنّ تلك القياسات والتي تمت لأوّل مرة باستخدام الضوء المرئيّ، ستمهّد الطريق أمام قياسات مماثلة، والتي ستُستَخدم فيها الأشعّة السينيّة (أشعّة إكس).

  • ترجمة: شادي القصاص.
  • مراجعة: عبدالعزيز كلش.
  • تدقيق لغوي: بهاء زايد.
  • تصميم الصور: عبدالرزاق يمين.
تعليقات
Loading...