نرى العالم من نافذة العلم

أمراض المناعة الذاتية

0 42

عكس ما تتوقّع، أنت تعيش في بيئةٍ معاديةٍ تهدف للقضاء عليك واستهلاك طاقتك!
فحتّى عندما تكون في سريرك الآمن أو مكتب عملك، فإنّ الجراثيم وغيرها من العوامل المُمرِضة تهاجمك بالملايين إن لم تكن بالمليارات! لكن ولحسن الحظ قد تطوّرنا لحماية أجسامنا من العوامل الممرِضة بآلياتٍ ووسائلَ متعدّدةٍ تُعرَف باسم جهاز المناعة الذي يتكوّن من المناعة الطبيعيّة الموجودة في جميع الحيوانات والنباتات والمناعة المكتسبة والتي ظهرت في الفقاريات ولا توجد إلّا فيها.

هذا وتقسم المناعة الطبيعيّة Innate Immunity  إلى شقَّين، شقٌّ يعمل على منع دخول العامل الممرِض إلى الجسم حيث يتكوّن هذا الشقّ بشكلٍ رئيسٍ من الحواجز الفيزيائيّة (الجلد) والحواجز الكيميائيّة (حموضة المعدة)، وشقٌّ يعمل فور فشل الشقّ الأوّل لسببٍ ما حيث يتفعّل الشقّ الثاني المكوَّن من بروتيناتٍ ينتجها الكبد وتجول في الدم تُدعى المتمّمة، وكذلك من خلايا تعمل على بلعمة العوامل الممرِضة وهي المسؤول الأوّل عن ردّ فعل الجسم تجاه هذا العامل الممرِض حيث أن خلايا المناعة الطبيعيّة هي أوّل من يصل إلى موقع الأذيّة وبخاصةٍ العدلات Neutrophils.
أمّا المناعة المكتسبة Adaptive Immunity   فتتكوّن بشكلٍ رئيسٍ من الأعضاء اللمفيّة بما تحتويه من خلايا بائيّةٍ تقوم بإنتاج الأضداد Antibodies وخلايا تائيّةٍ تقوم بتوجيه الحدثيّة الالتهابيّة أو تقوم بالقضاء على بعض العوامل الممرِضة والخلايا. وتتميّز المناعة المكتسبة بتنوّعها الهائل حيث تستطيع التعرّف على كلّ العوامل الممرِضة تقريبًا وإنتاج الأضداد اللازمة للقضاء عليها وذلك بعد دخولها إلى الجسم بـ 10-14 يومًا.
لكن ألا يسبّب هذا التنوّع المهول تعرُّف الجهاز المناعيّ على أنسجة الجسم وكأنّها أنسجةً غريبةً؟
في الحالات الطبيعية لا يحدث هذا وذلك بسبب وجود العديد من الآليات التي تقوم بالقضاء على الخلايا التي تتعرّف على الذات، فضلًا عن وجود بروتينات على أغشية جميع الخلايا المُنوّاة  تُدعى بمعقّد التوافق النسيجيّ الأعظميّ (Major Histocompatibility Complex) وهي تميّز جميع خلايا الجسم ومن المستحيل أن يتوافق شخصان، ليسا توءمَين حقيقيَّين، في جزيئات الـMHC .

أمّا في الحالات المرضيّة فيمكن حدوث هذا التعرُّف نتيجة اختلال العوامل السابقة مؤديًا إلى مهاجمة الجسم ومسبّبًا أذيّةً نسيجيّةً وأمراضًا تُعرف باسم أمراض المناعة الذاتيّة. فما أسباب الإصابة بهذه الأمراض؟

تنتشر أمراض المناعة الذاتيّة لدى الإناث بشكلٍ أكبر من انتشارها لدى الذكور، وذلك لأسبابٍ لا تزال مجهولةً حتى الآن، كما تملك هذه الأمراض عدّة عواملَ وراثيّةٍ تشكّل استعدادًا وراثيًّا للإصابة بهذا المرض بعد التعرّض للعامل البيئيّ المناسب الذي يحفّز ظهور فرط المناعة كالهرمونات والتدخين أو حتى الإصابة ببعض الجراثيم والفيروسات من الممكن أن تسبب أمراض المناعة الذاتيّة.

وإنّ هذا المصطلح، مصطلح أمراض المناعة الذاتيّة وفرط الحساسيّة، هو مصطلحٌ واسعٌ ينطوي تحته عشرات الأمراض التي تتشارك فيما بينها ببعض الآليات حيث أنّ هذه الأمراض تندرج تحت أربعة أنماط وذلك وفقًا لتصنيف Gell  و Coombs هذه الأنماط هي:

  1. فرط الحساسيّة من النمط الأول: ويحدث هذا النمط بتوسّط الخلايا البدينة ووسائطها نتيجة تفعيلها عقب ارتباط مولّد الضدّ بالضدّ IgE، ويختصّ هذا النمط بالحساسيّة أكثر من كونه مختصًّا بأمراض المناعة الذاتيّة.
  2. فرط الحساسيّة من النمط الثاني: ويتم فيه التعرّف على مستضدّاتٍ تملكها أنسجة الجسم وكأنّها غريبةٌ فتُنتَج الأضداد من قبل الخلايا البلازميّة الناتجة عن تمايز الخلايا البائيّة وتقوم هذه الأضداد بالارتباط بالمستضدّات وتعطيلها أو تفعيلها بشكلٍ زائدٍ وقد تقوم بتفعيل عمليات القتل الخلويّ المختلفة المؤديّة إلى أذيّة النسج. وأبرز الأمثلة على هذا النمط هو داء غريف الذي يتميّز بإنتاج أضدادٍ لمستقبلات الـ TSH في الغدّة الدرقيّة مؤديًا إلى تفعيلها الزائد مسبّبًا فرط نشاط الدرق في البداية يتلوه قصور درق. وهنالك مثالٌ آخر عن القتل الخلويّ المتوسّط بالأضداد هو مرض الحمّى الرثويّة الحادّة  Acute Rheumatic Fever  والناتج عن الإصابة بالتهاب الحلق بالعقديّات Streptococcus ، حيث تملك هذه الجراثيم بروتينًا يُدعى البروتين M له عدّة أنماطٍ يتشابه بعضها مع بروتيناتٍ موجودةٍ على أسطح الخلايا في الجسم، ممّا يؤدي إلى حدوث تفاعلاتٍ مناعيّةٍ متصالبةٍ يقوم فيها الجسم بمهاجمة الخلايا التي تُظهر هذه المستضدّات الشبيهة بالبروتين ممّا يسبّب أذيتها، ويُحدث هذا الأمر التهابًا في شغاف القلب والمفاصل.
  3. فرط الحساسيّة من النمط الثالث: يتميّز هذا النمط بكونه جهازيًّا معمّمًا يشابه النمط السابق إلّا أنّه يختلف عنه فهو لا يحدث بتواسط الأضداد إنّما يحدث بتواسط المعقّدات المناعيّة التي تقوم بتفعيل المتمّمة والخلايا التائيّة والبالعة ممّا يؤدي إلى حصول الأذيّة النسيجيّة التي قد تشمل عضوًا واحدًا كالتهاب الكبد والكلية التالي للإصابة بالعقديات بآليةٍ مشابهةٍ لما سبق، وقد تشمل الأذية الجسم بأكمله كما في الذئبة الحماميّة الجهازيّة SLE التي تتميّز بانتشار المعقّدات المناعيّة في مختلف أنسجة الجسم وبالتالي مهاجمة الجهاز المناعيّ لجميع هذه الأنسجة مسبّبًا التهاب أوعيّةٍ، ومفاصلَ وكليةٍ وكذلك طفح الفراشة الذي يظهر على الوجه والمميِّز للذئبة الحماميّة.
  4. فرط الحساسيّة من النمط الرابع: ويُدعى أيضًا بفرط الحساسيّة المتأخر ويحدث بتواسط الخلايا التائيّة التي تقوم بتفعيل البالعات ومهاجمة الجسم مسبّبةً الأذية كما في التصلُّب العديد حيث تقوم خلايا الجهاز المناعيّة بمهاجمة غمد النخاعين المحيط بالعصبونات مسبّبةً زواله وحدوث المرض الذي يتصف بأنّه مترقٍّ مع زيادة عدد الأعصاب المجرّدة من النخاعين وهذا الترقّي يتصف بضبابيّةٍ في الرؤية وينتهي بالشلل.

بما أنّ هذه الأمراض كلّها تنجم عن فرط نشاط الجهاز العصبيّ فإنّ الخيار الأوّل في العلاج سيكون الأدوية المثّبطة للمناعة بأنواعها المختلفة، وفيما يلي لمحةٌ عنها:

  1. الأدوية المضادّة لتكاثر اللمفاويّات، كـ Azathioprine، حيث تقوم هذه الأدوية بتثبيط تكاثر اللمفاويّات عن طريق تثبيط تركيب الـ DNA.
  2. مثبّطات الـ Calcineurin كـ Ciclosporin، حيث يقوم أفراد هذه المجموعة الدوائيّة بتثبيط الإشارات التي تصدرها الخلايا التائيّة وبالتالي توقف تفعيل جهاز المناعة.
  3. الستيروئيدات القشريّة، ولها فعلٌ مضادٌّ للالتهاب حيث تثبط البلعمة وإنتاج الأضداد وكذلك تحرّر السيتوكينات التي تستخدمها الخلايا للتراسل فيما بينها، وكذلك تقوم الستيروئيدات بتثبيط تحرّر وتفعيل الخلايا اللمفاويّة.
  4. الأدوية المعاكسة لتحفيز الخلايا التائيّة كـ Anti-Thymocyte Globulin  وهو عبارةٌ عن أضداد ترتبط بالبروتينات السطحيّة للخلايا التائيّة فتقوم بتثبيطها.

المصادر:

  • In Walker, B. R., In Colledge, N. R., In Ralston, S., In Penman, I. D., & Britton, R. (2014). Davidson’s principles and practice of medicine.
  • MacNeill, S., & Baggish, J. (n.d.). How your immune system works. Zd Press.

 

 

  • إعداد: يزن الحريري
  • مراجعة: لونا حامد
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض
تعليقات
Loading...