نرى العالم من نافذة العلم

"الساعة البيولوجية"، ما هي؟ كيف توثِّرُ على أجسامِنا؟ ولماذا فازت بجائزة نوبل لهذا العام؟

0 57

«وهناك دائمًا هدفان أثناء حديثِنا عن عمل الساعات البيولوجيَّة مع الطلبة، الأوَّل هو أن ننقلَ لهم آخرَ ما توصَّلنا إليه، لكنَّ الثاني – وهو الأكثر قيمة – هو أن ننقلَ لهم حماسَنا لفعلِ ما نفعل، وكيف هو الحال أن تكونَ عالمًا: كيف يؤثِّرُ ذلك في شخصيَّتِك، ولماذا نستمتع به إلى هذا الحد».

«مايكل روزباش» – أحد الفائزين بجائزة نوبل للطب 2017

أعلِن الإثنين في 2 تشرين الأوَّل عن منحِ جائزة نوبل للطب للعام 2017 للباحثين الأميركيين الثلاثة: «جيفري هول» (Jeffery C. Hall)، «مايكل روزباش» (Michael Rosbach) و«مايكل يونغ» (Michael W. Young)، وذلك تقديرًا لاكتشافاتهم المشتركة – منذ العام 1984 وحتَّى الآن – في مجال آليَّة النظم الجسمي اليومي والمسمَّى أيضًا النظم الليلي – النهاري أو التواتر اليومي (Circadian Rhythm)، وينتج هذا النُّظم عن الساعة البيولوجيَّة التي تنظِّمُه وتنظِّمُ مواقيتَه.

فما هي الساعة البيولوجيَّة؟ وما هي اكتشافات العلماء الثلاثة التي حدت بلجنة نوبل لمنحهم جائزة هذا العام؟

تكيَّفتِ الحياةُ على سطحِ الكرة الأرضيَّةِ مع دوران هذا الكوكب، وتساعدُ الساعةُ البيولوجيَّةُ الكائناتِ الحيةَ على التناغمِ مع الإيقاع المنتظم للأربع والعشرين الساعة المؤلِّفة لليوم، وتضبطُ هذه الساعةُ إيقاعَ الأفعالِ الحيويَّةِ لدى كلِّ الكائناتِ الحيَّة وتتحكَّم في تكيُّفِها مع عناصرَ عدَّة كالبيئةِ المحيطةِ وشدَّةِ الضوء ودرجاتِ الحرارة ودرجاتِ التأكسد وغيرها.

وفي ظلِّ ما يشهده العصرُ الحديثُ من تغيُّرٍ متسارعٍ في الحياة الإقتصاديَّة وما تسببه من ضغوطٍ إجتماعيَّة وحاجةٍ متزايدةٍ لتكثيفِ ساعاتِ العمل، زادت مستويات الخلل وعدمِ الإنتظام في أداء الساعةِ البيولوجيَّة لدى العديدِ من الأفراد مِمَّا يجعلُ الحاجةُ ماسَّةً لفهم آليَّاتِ عمل هذه الساعة وكيفيَّة ضبط إيقاعِها نظرًا لِما لهذا الخلل وعدم الانتظام من انعكاسٍ سلبيٍّ على صحة الجسمِ ككل، إذ أنَّ أيَّ خللٍ في إيقاعِ هذه الساعة يكونُ سببًا في زيادة الأمراض الجسديَّةِ منها والنفسيَّة كالإكتئاب وكذلك سببًا للصعوبة في التركيز وأداءِ الأعمالِ اليوميَّة وغيرها.

  • مفهوم «الساعة البيولوجيَّة» يعود إلى سنة 1729:

يُنقَل عن الفرنسي المتخصَّصِ في علمِ الكهوف «ميشال سيفر» (Michel Siffre) تجربةٌ مثيرة قام بِها في السيتينيات حينما كان يجري بحثًا عن جريان أنهارٍ جليديَّة تحت الأرض، حيثُ بقي في المنطقة التي كان يجري فيها بحثه في الكهوف وتحت الأرض ولمدَّة ستين يومًا. بقي طوالَ هذه المدَّة غير عارفٍ للوقت (غير عارف إن كان الوقت ليلًا أو نهارًا وغير مستعملٍ لأيِّ ساعةٍ أو أيِّ جهازٍ دالٍّ على الوقت) ولكنَّه كان يقومُ بأعمالِه اليوميَّة بطريقةٍ طبيعيَّة متبِّعًا أحاسيسه، فينام عندما يشعرُ بالنعاس، ويأكل حينما يحسُّ بالجوع. وبعد انتهاء هذه المدة، خرج من تحت الأرض ليجدَ أن جسدَه ما زال يقومُ بوظائفِه كاملة وهذا ما قاده إلى القول بوجود ساعةٍ بيولوجيَّة ركيزة التناغم في أجسامِنا.

وتعودُ فكرةُ تكيُّفِ الكائنات مع دورانِ كوكب الأرض وتعاقبِ الليلِ والنهار إلى سنة 1729 حيث أجرى الفلكي الفرنسي «جون جاك دورتوس دو ميران» (Jean Jacques d’Ortous de Mairan) تجربةً على نبتة «الميموزا» (Mimosa) وهو نباتٌ تنفتح أوراقه باتجاهِ الشمس نهارًا وتنغلق ليلًا إذ وضع «دو ميران» هذه النباتات في مكانٍ مظلمٍ ولاحظ أنَّها حافظت على فتح وإغلاق أوراقِها دوريَّا بنفس المواعيد والأوقات، مِمَّا جعله يستنتج سببًا داخليَّا (غير مرتبط بالضوء) لهذا الانتظامِ في المواعيد.

التجربة التي قام بها العالِم «دو ميران»على نباتات «الميموزا»

وبعد حوالي مئتي سنة (سنة 1930) راقب عالم النبات الألماني «Erwin Bunning» أوراق نبات الفاصولياء مسجلًا حركاتها خلال تعاقب الليل والنهار، وكذلك وضعها في مكانٍ يتواجدُ فيه الضوء بشكلٍ دائمٍ وأعاد المراقبة والتسجيل، فلاحظ استمرار التعاقب في حركة أوراق نبات الفاصولياء.

ولهذه الأسباب افترض العالمان («دو ميران»  و«بانيغ») أنَّ التواتر اليومي (Circadian Rhythm) تحكمه وتضبطه ساعةٌ داخليَّة.  وهذا ما توصَّل إليه علماء القرن العشرين الذين نعتوا هذه الساعةَ الداخليَّةَ بالساعةِ البيولوجيَّة.

  • نبذة عن الاكتشافات المحقَّقة في مجال «الساعة البيولوجيَّة»:

فيما يلي نبذة عن الاكتشافات المحقَّقة في هذا المجال:

1971: العالِم «سيمور بنزر» (Seymour Benzer) وتلميذه «رونالد كانوبا» (Ronald Kanopa) – وكانا يعملان في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (California Institute of Technology) – يبيِّنان أنَّ التواتر اليومي (Circadian Rhythm) ليس مجرَّد ظاهرة سلوكيَّة بل له في نظامِنا البيولوجي قاعدة جينيَّة، وقد تمكَّنا من تحديد موضع «الجين» (Gene) المسؤول عن التواتر اليومي (Circadian Rhythm).

1984: العلماء الثلاثة «جيفري هول» (Jeffery C. Hall)، «مايكل روزباش» (Michael Rosbach) و«مايكل يونغ» (Michael W. Young) (الفريق الذي فاز بجائزة نوبل) عزلوا «الجين» (Gene) الأوَّل المسؤول عن السَّاعةِ البيولوجيَّةِ والذي سُمِّيَ «الجين بيريود» (Period Gene)، ويؤدي هذا «الجين» (Gene) إلى صناعة بروتينٍ يُسمى «Per». ويتراكمُ هذا البروتين في في الخليَّة نهارًا ثم يتكسَّر ليلًا في دورةٍ مدتها أربع وعشرين ساعة.

لم يكن واضحًا في هذه المرحلة كيف يتوقَّف «الجين بيريود» عن العملِ ليلًا حتى يتكسَّر البروتين، وبالتالي لم تكن آليَّة عملِ الساعةِ البيولوجيَّةِ مفهومةً بالكامل، فافترض كلٌّ من «جيفري هول» و«مايكل روزباش» أنَّ البروتين المصنَّع والمُسَمَّى «Per» يدخلُ إلى نواةِ الخلية مانعًا تكوين المزيد منه وهذا ما يُسمَّى بحلقات التغذية الراجعة المانعة (Inhibitory Feedback Loop). وبنفس الطريقة يكون تكوين المزيد من البروتين «Per» حينما ينفذ من الخليَّة. ولكنَّ المشكلة هنا كانت الحاجة إلى بروتين جديد «يمسك» بالبروتين «Per» ويجعله يدخل إلى نواة الخلية ويوصل الرسالة للــــــــ «الجين بيريود».

مخطط يوضِّح آلية عمل البروتين «PER» (مصدر الترجمة: ميدان الجزيرة)

1994: العالِم «مايكل يونغ» (Michael W. Young) يكتشف «الجين تايمليس» (Timeless Gene) الذي يؤدي إلى تكوين البروتين «تيم» (TIM). والبروتين «تيم» يمسكُ بالبروتين «Per» ويدخله إلى نواة الخليَّة موصِلًا الرسالة إلى «الجين بيريود»: «توقَّف عن العمل، لدينا الكثير من البروتينات «Per» في الخارج»، ويبلغه الرسالة المعاكسة حينما تنفذ كمية البروتين «Per».

مخطط يوضِّح آلية عمل البروتين «TIM» (مصدر الترجمة: ميدان الجزيرة)

أصبحت الآن آلية عمل الساعة البيولوجيَّة أوضح، ولكن كيف يتم ضبط دورتها خلال 24 ساعة و24 ساعة تحديدًا (لا أقل من 24 ولا أكثر)؟

اكتشف «مايكل يونغ» (Michael W. Young) جينًا إضافيًّا يُدعى «دوبل تايم» (Double Time Gene) الذي يتعاون مع «الجين سايكل» (Cycle Gene) و«الجين كلوك» (Clock Gene) لضبط مدَّة هذه الدورة على الأربع والعشرين ساعة (مدَّة اليوم العادي المتبادَل بين الليل والنهار).

تجدرُ الإشارة إلى أنَّ هذه الاكتشافات وإلى أنَّ فهم هذه العمليات المعقَّدة امتد على حوالي 20 سنة من العمل المتوالي والمضني.

  • «الساعة البيولوجيَّة» ركيزة تناغم أجسامِنا:

بهذه الدقة المتناهية، تقومُ الساعةُ البيولوجية – الساعة الداخلية لدينا – بتنظيم مختلف العمليات الفسيولوجية بما يتناسب مع الظروف المتغيِّرة مع مراحل اليوم المختلفة كمستوى الهرمونات، والنوم، ودرجة حرارة الجسم. وإنَّ كلَّ منطقة من مناطق أجسامِنا لها ساعتها البيولوجيَّة الخاصة مِمَّا يمكِّنُنا من القول أنَّ لدينا عدَّة ساعاتٍ داخليَّة أو عدَّة ساعاتٍ بيولوجيَّة:

رسم بياني دائري يظهر مخلف الساعات البيولوجية لمختلف وظائف الجسم (مصدر الترجمة: ميدان الجزيرة)
  • خلاصة واستنتاج:

نستنتجُ إذًا أنَّ للساعة البيولوجيَّة أهميَّة قصوى في تنظيم أجسامِنا وبالتالي حياتنا، ولكن ما هي العوامل التي تؤثِّر على ساعتِنا البيولوجية وكيف يمكننا الحفاظ عليها سليمة ومنضبطة؟

المصاددر (حسب الترتيب الأبجدي):

  • إعداد: هنادي هاني نصرالله
  • مراجعة: داليا المتني
تعليقات
Loading...