in

كارل ساغان: الرّجل ذو المهنة الاستثنائيّة!

تُعَدُّ إسهامات كارل ساغان في فهمنا للنّظام الشّمسيّ والأرض باعتبارها جزءًا منه مهمّةً جدًّا، ولعلّ أبرز إنجازاته في هذا الصّدد تتمثّل في ملاحظة مفارقة الشّمس القديمة الخافتة Early Faint Sun Paradox بالاشتراك مع جورج مولين. فلو أنّ شمسنا تطوّرت بصفتها نجمًا نمطيًّا من النّوع G، لكان سطوعها أقلّ في الماضي.

هذا يعني أنّه قبل حوالي ملياري سنةٍ، كانت الأرض باردةً جدًّا، لدرجةٍ لا تسمح لغلافنا الجوّيّ الحالي المعتمد على تأثير الدّفيئة بأن يحافظ على درجة حرارةٍ مرتفعةٍ بما فيه الكفاية لتسمح بوجود الماء في الحالة السّائلة، وهو ما يتناقض مع الأدلّة الكثيرة الّتي تشير إلى عكس ذلك. وتصبح المشكلة معقّدةً أكثر كلّما رجعنا بالزّمن أكثر نحو الوراء، ممّا يشكّل تحدّيًا لفهمنا لأصل الحياة. لذلك فإنّ تأثير الغازات الدّفيئة في غلاف الأرض الجوّيّ قديمًا كان أقوى ممّا هو عليه حاليًّا. ولقد أصبح البحث في حقيقة ما حصل حينها وسبب حدوثه موضوعًا رئيسيًّا في علوم الأرض.

ولعلّ ذكر كارل ساغان يرتبط غالبًا مع موضوع التّنبّؤ بوجود الحياة خارج الأرض والبحث عنها، وهو ما أَطلق عليه جوشوا ليديربيرغ، عالم الأحياء الفائز بجائزة نوبل، اسم “بيولوجيا الفضاء” Exobiology. فبعد فشل مهمّة Viking في العثور على الحياة على كوكب المرّيخ عام 1976، أو بالأحرى، بعد الجواب المُبهَم الّذي قدّمته بهذا الخصوص، فقدت بيولوجيا الفضاء موقع الصّدارة في علوم الكواكب. وبعد انقضاء عقدٍ على هذه المهمّة، بقي فريق ساغان أحد الفرق القليلة الّتي تناقش هذا السّؤال على محمل الجدّ، مستعينةً بالكيمياء العضويّة المخبريّة، وبيانات المركبات الفضائيّة.

وفي منتصف الثّمانينيّات، أحدثت التّجارب الّتي قام بها فريق ساغان ــ والّتي أشارت إلى أنّ المركّبات العضويّة ينبغي أن تتشكّل بوفرةٍ في الجزء الخارجيّ من النّظام الشّمسيّ بوساطة العمليّات الكيميائيّة الإشعاعيّة ــ  بلبلةً في الاجتماعات الوطنيّة، إلّا أنّ انطلاق المهمّات المكوكيّة واستكشاف الجزء الخارجيّ من النّظام الشّمسيّ على نحوٍ أوسع جعل من وجود الموادّ العضويّة في أيّ مكانٍ أمرًا اعتياديًّا، بل وحتّى بديهيًّا.

ومع تزايد الأدلّة على وجود بيئاتٍ تحوي ماءًا سائلًا في أرجاء النّظام الشّمسيّ، أصبح إصرار كارل ساغان على معرفة ما إذا كانت هنالك أمثلةٌ أخرى مجاورةٌ على وجود الحياة الدّافعَ الأساسيَّ لاستكشاف النّظام الشّمسيّ. وقد أصبحت دراسة علم الأحياء الفلكيّ Astrobiology أحد المجالات الأساسيّة في مهمّة وكالة ناسا، وقد عاش ساغان ليرى هذا التّحوّل وهو يحدث في تسعينيّات القرن الماضي.

ورغم تحمُّس كارل ساغان بشأن وجود الحياة خارج الأرض، إلّا أنّ أبحاثه العلميّة كانت تجعل من احتمال وجود مثل هذه الحياة في مجموعتنا الشّمسيّة أمرًا أقلّ احتمالًا؛ فأبحاثه المبكّرة حول الغلاف الجوّيّ الدّفيئيّ لكوكب الزّهرة مسحت من الأذهان أيّ تصوّرٍ حول وجود الحياة على سطحه، كما أنّ مفارقة الشّمس القديمة الخافتة الّتي لاحظها جعلت أصل الحياة على الأرض يبدو أكثر غموضًا.

برع كارل ساغان في فنّ التّحدّث والكتابة لعامّة النّاس، وقد شاطرته زوجته آن درويان Ann Druyan هذه الموهبة، كما حقّق كتاب Cosmos، الّذي رافقهم خلال مسيرة مسلسلهم التلفزيونيّ، نجاحًا كبيرًا.

إلّا أنّ نجاح كارل ساغان في الوصول إلى عامّة النّاس، وصنّاع القرار فيهم، ترافقَ مع نظرة ازدراءٍ مألوفةٍ من قِبَل العديد من العلماء الآخرين.

كثيرًا ما كنتُ أسمع في الاجتماعات الوطنيّة علماءَ الفلك الآخرين وهم يحطُّون من قدر ساغان، ولكنّه قال لي ذات مرّةٍ أنّ هؤلاء الأشخاص نفسَهم لجأوا إليه طلبًا للمساعدة عندما وقعت مهمّتهم الفضائيّة في مشكلةٍ مع الكونغرس، حيث كان ساغان يساعدهم دائمًا، لإيمانه بأهميّة العلم. الأسوأ من ذلك ربّما كان النّقاش الدّاخليّ ــ الّذي يُفتَرض أن يكون سرّيًّا ــ الّذي دار في الأكاديميّة الوطنيّة للعلوم عندما تمّ التّصويت على رفض عضويّة ساغان فيها، حيث أشارت التّقارير المسرَّبة إلى الصّحافة إلى أنّ خصوم ساغان نظروا نظرة ازدراءٍ شديدٍ حيال إشاعته للعلوم والمعارف.

لقد أكّد كارل ساغان على أنّ تطوّر الحضارة الإنسانيّة قد حُورِبَ بشدّةٍ، وأنّه يجب ألّا يُعتَبر من المُسلَّمات. كما أدرك مدى خطورة الرّجوع نحو الوراء، فقام بتضمين التّحذير التّالي في كتابه (العالَم الّذي يسكنه الشّيطان) Demon-Haunted World:

“لقد نظّمنا حضارةً عالميّةً تعتمد معظمُ العناصر الأساسيّة فيها بشكلٍ عميقٍ على العلوم والتّكنولوجيا. كما رتّبنا الأمور بحيث لا يفهم معظمنا العلوم والتّكنولوجيا. هذه هي وصفة الخراب! أنا قلقٌ من أنّ العلوم الزّائفة والخرافة ستغدو مغريةً سنةً بعد سنةٍ، وأنّ نشيد اللّامنطق المغري سيعلو صوته ويصبح أكثر جذبًا. وأين سمعنا هذا النّشيد من قبل؟ لقد كنّا نسمعه كلّما ثارت انتماءاتنا العرقيّة أو الوطنيّة،… أو كلّما ثار التّعصّب والتّعنّت من حولنا، وحينها، تسيطر عادات التّفكير الشّائعة أو المألوفة منذ عصورٍ. انطفأت شعلة الشّمعة، وبدأ وهجها الصّغير يرتعش. حلَّ الظّلام، ودبّت الشّياطين.”

  • ترجمة: مناف جاسم.

بواسطة مناف جاسم

تعليق واحد

ضع تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جهازٌ جديدٌ يعمل على توليد الكهرباء ليلًا باستخدام الطّاقة الشمسيّة

question

الحقيقة و الخيال حول الاستنساخ!