قد يكون تنكّرك في زي مومياء أسهل طريقة للذهاب إلى الحفلات التنكرية، تحتاج فقط بعض الضمادات البيضاء، تكسو نفسك بها … وها أنت ذا جاهزٌ للانطلاق. لكن انتظر!! فالأمر لم يكن بهذه السهولة بالنسبة للمصريين القدماء، فقد كان وراء عمليات التحنيط تلك الكثير من العادات والأسرار الكيميائية. والآن سوف نتعرف على المواد الكيميائية المستخدمة في هذه العملية وفقاً للكيمياء الحديثة، حيث نركز اهتمامنا على المواد أكثر من الطرق المتبعة.

– في البداية، يتم التخلص من جميع أعضاء المومياء ما عدا القلب (والكليتين في حالات نادرة)، ثم تُخزّن هذه الأعضاء في أواني خاصة تعرف بالأواني الكانوبية canopic jars – وكانت تُصنّع من الحجر الجيري أو الفخار، كما تتم إزالة الدماغ ولكن بطريقة مختلفة؛ حيث يُصنع ثقب في قاعدة الجمجمة ومن ثمَّ تقطيع الدماغ إلى أجزاء، ثم إزالته بالكامل والتخلص منه.

– بعد ذلك، تأتي الخطوة الأولى في عملية التحنيط وتكون بتجفيف الجسم بالكامل، وتكتمل هذه المرحلة بملء كامل الجسم وفراغاته بالنطرون المُحضّر بشكل طبيعي؛ والنطرون natron هو خليط من الملح نحصل عليه من قيعان البحيرات الجافة، ويتكون من كربونات الصوديوم Na2CO3 وبيكربونات الصوديوم NaHCO3، وكميات قليلة من كلوريد الصوديوم NaCL وكبريتات الصوديوم Na2SO4، وهو محب للماء؛ مما يجعله يمتص الماء بسهولة من البيئة المحيطة به، ولهذا استعمله المصريون القدماء كمادةٍ مجففة للجسم المراد تحنيطه. بالإضافة إلى دوره في تفاعلات التصبن Saponification للأنسجة الدهنية في الجثة، وهو ما يحول كذلك دون تحلّلها. فاُعتبر دوره جيداً نسبةً إلى أنَّ الجثة بعد تغطيتها بالنطرون قد تُترك لفترة طويلة (أربعين يوماً وقد تصل إلى سبعين يوماً).
ومن منّا لا يعلم ماذا يحصل إذا تُركت جثة لهذه الفترة الطويلة دون تغطيتها بالنطرون؛ لا شك أنه سيكون من الصعب جداً الاقتراب منها (أو مما تبقى منها) لإكمال عملية التحنيط.

– بعد إنهاء عملية التجفيف تتم إزالة النطرون من التجاويف، وتُحشى الفراغات بدلاً منه بـ نشارة الخشب والكتّان ومجموعة مواد أخرى، منها: (القرفة – نبات المر myrrh – البخور frankincense – نبات القرفة الصينية cassia). وقد يُستخدم حتى البصل (إذ أنه من المحتمل أن يكون قد اُستخدم لتغطية رائحة الجثة)؛ فعلى الرغم من أنَّ النطرون يكون قد أوقف عملية التحلل، فإننا نفترض أن الجثة المُجففة لا تزال رائحتها غير محببة. وعلى كل حال بعض هذه المواد قد اُستخدمت لأغراضٍ أخرى.

– سواءً كانوا يعلمون أم لا، فقد استخدم المصريون القدماء العديد من المواد التي لها خواص المضادات الجرثومية، فمثلاً نبات القرفة يحتوى على مركب cinnamaldehyde الذي يُعرف بألدهيد القرفة، والمشهور بخواصه المضادة للميكروبات. وكذلك البصل لم يُستخدم لتغطية الرائحة فقط؛ وإنما لاحتوائه على مواد لها خواص مضادة لنمو الجراثيم وتحلل الجثة.
وفي حالةٍ واحدة -والتي تعود للملك رمسيس الرابع- وُجد أنَّ البصل قد وُضع في تجويف العين والأذن، وقد اُقترح أن السبب في ذلك أنَّ البصل يعطي العين مظهراً طبيعياً فلا تبدو وكأنها غائرة بعد عملية التحنيط، وتبقى الغاية من وجودها في تجويف أذنيه غير واضحة حتى الآن.

– وبعد أن تُجهّز الجثّة بالشكل الملائم، نقوم بتغطيتها بنوعٍ معين من الزيت، تجهيزاً للفّها بضمادات الكتان والتي تكون قد نُقعت سابقاً بنوع معين من المواد الصمغية.
تتنوع المواد الصمغية والزيوت المستخدمة، وغالباً يُستخدم لذلك صمغيات شجر الصنوبر، الأرز وشجر البطم، وفي بعض المومياءات قد نستخدم البيتومين (القار) وشمع العسل.

تتمكن الكيمياء الحديثة حالياً من معرفة الزيوت والصمغيات (المواد الراتنجية resins) التي اُستخدمت حينها، وذلك اعتماداً على الدلائل الكيميائية التي تتركها هذه المواد.

– يمكن تحديد أنواع الصمغيات المستخدمة في التحنيط عن طريق تحليل ضمادات المومياءات، وذلك باستخدام كروماتوغرافيا الغاز ومقياس الطيف الكتلي، حيث يتم التحرّي عن وجود مواد تشير إلى أنواع معينة من الصمغيات، فمثلاً، وجود مشتقات حمض الأبيتيك abietic acid تشير إلى استخدام صمغيات شجرة الصنوبر، في حين أن وجود مركب الغوياكول guaiacol يشير إلى وجود زيت الأرز، مركبات الستيرين steranes والهوبان hopanes تدل على استخدام البيتومين (القار).

– تُجفّف الصمغيات المستخدمة في الضمادات لتشكل ختماً (سدّاً) يمنح حماية إضافية للجسم من أوكسجين الهواء والماء والميكروبات؛ مما يمثل حصناً آخر ضد التحلل.
وكذلك قد تحوي بعض الصمغيات مواداً أخرى تساعد على الحماية، فالمركبات الفينولية phenolic compounds مثل الغوياكول guaiacol تملك تأثيراً قاتلاً للجراثيم.
دوراً آخر كانت تقوم به الصمغيات أو المواد الشمعية وهو تغطية الفتحات لمنع الرطوبة من الوصول إلى تجاويف الجسم.

– من بين جميع المواد المستخدمة في تغطية الجثث بعمليات التحنيط، كان البيتومين هو الأكثر شيوعاً، ولكن في النهاية، ألا يرجع المظهر الأسود الغريب لبعض المومياءات نتيجة لاستخدامه في عمليات التحنيط؟!

حسناً، الجواب هنا يكون نعم ولا معاً، فقد اُستخدم البيتومين بالتأكيد في معظم المومياءات ولكن ليس جميعها، فقديماً لم يكن يُستخدم، ومع ذلك كان للمومياءات مظهراً معتماً، ونرجح ذلك بسبب تحلل الصمغيات المستخدمة مع مرور الوقت. أما فيما بعد فقد اُستخدم البيتومين على نطاقٍ واسع، ولكن هناك دلائل تشير إلى أن استخدام الصمغيات الساخنة في المومياءات الحديثة قد أضاف مظهراً أسود لها إضافةً على ما يفعله البيتومين.

المصدر

  • ترجمة: غنوة بلان
  • مراجعة: سارة تركي
مشاركة!
الفضائيون

مبادرة معرفيّة علميّة موجهة للجمهور الناطق بالعربية تأسست بتاريخ 16 مارس 2015، شعارها “نرى العالم، من نافذة العلم”، وهي تهدف إلى نشر العلوم الحقيقية ونبذ الخرافة معتمدة على ترجمة وإعداد مواد مكتوبة ومقروءة إضافة إلى الصور التوضيحية والفيديوهات التعليمية.

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا