من منّا لا يعرف رائحة الكتب القديمة؟ هذا الشذا العجيب الذي تعبق به أنحاء المكتبات ومستودعات الكتب المستعملة! وبالمثل، من الذي لا يستمتع بالتصفح السريع لصفحات الكتب الجديدة واستنشاق رائحتها المنعشة؟
حسناً، كما هو الحال مع جميع الروائح التي نحب او نكره استنشاقها، يمكننا تعقب مصدرها وإرجاعه إلى عددٍ من المكونات الكيميائية ..

أولاً – رائحة الكتب القديمة:

هناك العديد من الأبحاث التي أجريت للكشف عن رائحة الكتب القديمة؛ إذ اُعتبر الكشف عن رائحة الكتاب القديم وسيلةً محتملة لتقييم حالته؛ وذلك من خلال تحديد تراكيز المواد العضوية العديدة التي تطلقها الكتب القديمة المستهكلة. وبذلك يمكننا أن نكون على يقينٍ بالمركبات العديدة المسؤولة عن تلك الرائحة الجميلة.

بشكلٍ عام، يُعدّ التحلل الكيميائي للمركبات الموجودة بداخل الورق هو ما يؤدي إلى إنتاج الرائحة. تحتوي أوراق الكتب على السيليوز Cellulose، وكميات أقل من اللجنين lignin – ويتواجد كلاهما بمقدار أقل بكثير في الكتب الحديثة مما كانا عليه في الكتب التي تعود لأكثر من مائة سنة.
كلا هذين المركبين يأتيان أساساً من الأشجار التي تُصنّع أوراق الكتب من أخشابها. تحتوي الأوراق ذات الملمس الأنعم على كمية من اللجنين أقل بكثيرٍ من أوارق الجرائد مثلاً ذات الملمس الخشن.

يساعد اللجنين على ربط ألياف السليلوز مع بعضها، والحفاظ على صلابة الخشب. كما أنه مسؤولٌ عن اصفرار الورق القديم مع التقدم في الزمن، حيث أن تفاعلات الأكسدة تتسبب في تكسير اللجنين إلى أحماض، والأحماض تساعد بدورها على تكسير السليلوز.

إذاً فإنَّ “رائحة الكتاب القديم” مشتقة تقريباً من هذا التحلل الكيميائي (تحلّل السليلوز واللجينين على مر السنين). أما في الوقت الحالي فإنَّ الأوراق الحديثة ذات الجودة العالية تخضع عادةً لمعالجة كيميائية لإزالة اللجنين منها، على الرغم من أنَّ تحلل السليلوز في الورق يمكن أن يستمر في الحدوث (وإن يكن بمعدلٍ أبطأ بكثير) بسبب انتشار الأحماض في المناطق المحيطة دائماً.
تُنتج هذه التفاعلات -المشار إليها عموماً باسم “تحلل الأحماض”- مجموعةً واسعة من المركبات العضوية المتطايرة، وكثيرٌ منها من المرجح اشتراكه في انتاج رائحة الكتب القديمة.

وقد حدّد العلماء عدداً من المركبات العضوية التي تساهم في إنتاج رائحة الكتب القديمة المألوفة، وهي:

1- البنزالديهايد (benzaldehyde) يضيف رائحةً تشبه رائحة اللوز.
2- الفانيلين (vanillin) يضيف رائحة تشبه الفانيلا.
3- مُركبا إيثيل البنزين (ethyl benzene) – والتولوين (toluene) يضيفان رائحةً حلوة.
4- مركب 2-إيثيل هيكسانول (2-ethyl hexanol) يساهم قليلاً في إعطاء رائحة الأزهار.
للألدهيدات الأخرى والكحوليات التي تنتجها هذه التفاعلات اسهاماتٌ قليلة في إظهار الرائحة أيضاً.


                        أشكال المركبات الكيميائية التي تعطي للكتب القديمة عطرها

عُرفت بعض المركبات الأخرى التي تطلقها الكتبُ القديمة بمساهمتها في تحديد حدوث أو عدم حدوث تحلل للكتب القديمة. مركب الـ Furfural يُعد واحداً من هذه المركبات. إذ يمكن استخدامه لتحديد عمر وبنية الكتب. حيث أنَّ الكتب التي نُشرت بعد النصف الأول من القرن التاسع عشر تطلق كميةً أكبر من هذا المركب. إذ ترتبط  كمية إطلاقه عموما بسنة نشر الكتاب.

ثانياً – رائحة الكتب الجديدة:
أمّا فيما يتعلق برائحة الكتب الجديدة؛ فإنه من الصعب جداً تحديد مركبات محددة مسؤولة عنها، وذلك لعدة أسباب، أولا: يبدو أن هناك ندرة في البحوث العلمية التي أجريت حول هذا الموضوع. ثانياً، إنَّ الاختلاف في المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة الكتب يعني أيضاً اختلاف الرائحة من كتاب إلى آخر. أضف إلى ذلك حقيقة أن هناك مئات المركبات المعنية حرفياً بإظهار هذه الرائحة، ولهذا لا يمكننا إسناد الرائحة إلى مجموعة صغيرة من المواد الكيميائية.

ومن المرجح أن الجزء الأكبر من “رائحة الكتاب الجديد” يمكن وضعه على ثلاثة مصادر رئيسية:
1- الورقة نفسها (والمواد الكيميائية المستخدمة في تصنيعها).
2- الأحبار المستخدمة لطباعة الكتاب.
3- المواد اللاصقة المستخدمة في عملية ربط أجزاء الكتاب.

ويتطلب تصنيع الورق استخدام المواد الكيميائية على عدة مراحل:
– كميات ضخمة من الورق تُصنّع من لب الخشب (يمكن أيضاً تصنيعُها من القطن والنسيج).
– المواد الكيميائية مثل هيدروكسيد الصوديوم NaOH، وغالباً ما يشار إليه في هذا السياق باسم “الصودا الكاوية”، يمكن أن تضاف لزيادة الأس الهيدروجيني pH، كما تسبب تضخيم الألياف الموجودة في لب الخشب.
– يتم تبييض الألياف بإستخدام عدد من المواد الكيميائية الأخرى، بما في ذلك بيروكسيد الهيدروجين H2O2.
– ثم يتم خلطها مع كميات كبيرة من المياه. تحتوي هذه المياه على إضافات لتعديل خصائص الورقة – على سبيل المثال، مركب (ثنائي وحدات ألكيل الكيتين – alkyl ketene dimer) يستخدم عادة كـ “عامل تحجيم” لتحسين مقاومة الورق للماء.
– ويُستخدم عدد من المواد اللاصقة المختلفة لربط الأوراق وأجزاء الكتاب مع بعضها، وكثير منها يعتمد على “البوليمرات المشتركة” العضوية مثل مركب (vinyl acetate ethylene).

أشكال بعض المركبات الكيميائية التي تعطي للكتب الجديدة عطرها
(على اليمين المركبان الآتيان من الأوراق والأحبار – على اليسار المركب الموجود في المواد اللاصقة)

كما تستخدم الكثير من المواد الكيميائية الأخرى، فهذه فقط نبذة سريعة عن الأمر. وثمرة حديثنا هي أن بعض هذه المواد الكيميائية يمكن أن تساهم -من خلال تفاعلاتها- في إطلاق بعض المركبات العضوية المتطايرة (VOCs) في الهواء، وهي صاحبة الروائح التي بإمكاننا اشتمامها. وكما أوضحنا، فإن الاختلافات في صناعة الأوراق، المواد اللاصقة والأحبار المستخدمة في انتاج الكتب تؤثر على الرائحة النهائية للكتب الجديدة، ولذا لا تتمتع جميع الكتب الجديدة بذاتِ الرائحة. وربما هذا هو السبب وراء عدم وجود بحث حاول حتى الآن تحديد مصدر الرائحة النهائية بدقة.

في الختام، وكما هو الحال مع العديد من الروائح الأخرى، لا يمكننا أن نشير إلى مركب واحد معين، أو عائلة من المركبات، ونذكرها بشكل قاطع على أنه سبب الرائحة. ومع ذلك، يمكننا تحديد المركبات المساهمة الأكثر احتمالاً، وخاصة في حالة رائحة الكتب القديمة كما رأينا.

أما في الوقت الحالي، إذا كنت لا تمل من رائحة الكتب القديمة أو الجديدة، فربما يثير اهتمامك أن تعرف بوجود هذه الروائح في شكل عطور.

المصدر 

  • ترجمة: نديم الظاهر
  • مراجعة: سارة تركي
  • كلمات دلالية
  • pick
مشاركة!
الفضائيون

مبادرة معرفيّة علميّة موجهة للجمهور الناطق بالعربية تأسست بتاريخ 16 مارس 2015، شعارها “نرى العالم، من نافذة العلم”، وهي تهدف إلى نشر العلوم الحقيقية ونبذ الخرافة معتمدة على ترجمة وإعداد مواد مكتوبة ومقروءة إضافة إلى الصور التوضيحية والفيديوهات التعليمية.

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا