كثيراً ما نسمع عن العديد من أعقد الجرائم التي تمّ حلّها ببساطة، والتي نقف مندهشين أمامها مهنّئين بذلك كفاءة وذكاء فريق التّحقيق الذي اضطلع بالمهمّة. إلاّ أنّ حلول بعض هذه القضايا قد لا تتطلّب براعة المحقّق كونان أو حتّى تدخّل المفتّش غادجيت كما يمكن أن نتصوّر، بل قد يكفي القليل من دروس الكيمياء!

في هذا المقال، سنحاول استعراض أبرز العقبات التي تعترض فرق المباحث الجنائيّة أثناء مهامّها، وكيفيّة التّغلّب عليها بمعيّة بعض المركّبات الكيميائيّة.

  • بقع الدّم المخفيّة:ماذا لو تمّت جريمة قتل، حاول مرتكبها تنظيف مسرحها على الفور لإخفاء كلّ الأدلّة؟ لا شكّ أنّ الأمر سيغدو صعباً بالنّسبة للمحقّقين، لولا تدخّل الكيميائيّين، الذين سيعمدون فوراً إلى تطبيق إحدى هذه الطّرق:

  • اختبار كاستل- ماير (Kastle-Meyer test):
    يعتمد هذا الاختبار على مسح المكان الذي يفترض تلوّثه بالدّماء بمحلول الفينولفثالين في البداية. مع مراعاة التأكد من عدم ظهور اللون الوردي في الحال بعد هذه الخطوة؛ وإلا دل ذلك على تلوث المحلول وبالتالي عدم فعاليته. بعد ذلك، نضيف قطرات من بيروكسيد الهيدروحين H2O2، فإذا تحول لون المحلول إلى اللون الورديّ في الحال كانت النتيجة إيجابية بالنسبة للدماء، أمّا إذا تأخر ظهور اللون حتى 30 ثانية وأكثر من بدء التفاعل فهذا يعني أن النتيجة سلبية. ويعتمد هذا الاختبار في الأساس على قدرة الهيموجلوبين (البروتين الموجود بالدم) على تحفيز عملية تأكسد الفينولفثالين (فقد إلكتروناته) وتحول لونه من الشفاف إلى الورديّ. وبهذا، نستطيع التّحصّل على نتيجة أوّليّة تدلّ، إلى حدّ مّا، على وجود الدّم في هذا المكان ولكنها ليست جازمة؛ إذ أنّّ من عيوب هذا الإختبار كونه قابلا للتّفاعل مع الدّماء الحيوانيّة وبعض المكوّنات النّباتيّة أيضاً، وفي مساحات صغيرة. ولذا، يستحسن تأكيد نتائجه عن طريق استخدام بعض التّقنيّات الأخرى.
  • اللومينول (Luminol):
    تعتبر قابليّة هذا الاختبار على التوهج عند تفاعله مع الدّماء لمدّة قد تصل إلى 30 ثانية من أهمّ مميّزاته، حيث يمكّن ذلك من استخدامه حتّى في الأماكن المظلمة. يتشابه هذا التّفاعل كثيراً مع السّابق، حيث يحفّز اللّومينول فقدان هيموجلوبين الدّم لإلكتروناته. تقوم بعض الجزيئات الموجودة في الوسط بالتقاط هذه الإلكترونات، وهو ما يمنحها طاقة هائلة تفقدها في صورة إشعاع (توهُّج)، من الممكن أن يتفاعل هذا الاختبار أيضاً مع بعض المعادن أو المركّبات النّباتيّة. كما تعرف عنه مهاجمته للحمض النّوويّ الموجود في خلايا الدّم، ما يجعل استخدامه مستحيلاً لتحديد هوية المجرم بالضبط. لهذه الأسباب، يفضّل استخدام هذه التّقنية في الحالات القصوى فحسب.
  • آثار البصمات: 

    تعتبر أجهزة الشّرطة والمباحث وسائل كشف البصمات طوق نجاة حقيقيّ للكشف عن الفاعلين والجناة، حيث يعمد الكثير منهم إلى ترك آثارها في مسرح الواقعة، وذلك إثر لمس الأشياء الموجودة فيه. وعن طريق رشّ هذه الأماكن بمسحوق خاصّ، يستطيعون التوصّل إلى صاحب هذه البصمات في يسر. حيث تتموقع جزيئات هذا المسحوق بين الثّنايا التي تتركها هذه الآثار، وتعيد بهذه الطّريقة رسم التّجاعيد التي تحدّد بصمات كلّ منّا.غير أنّ هذه الطّريقة لا تجدي في بعض الحالات، إذا كان سطح المادّة الملموسة مبلّلاً أو مصنوعاً من البلاستيك. في هذه الحالة، يقوم فنّيو المعامل الجنائيّة بدهن هذه الأسطح بمادّة لزجة تتصلّب بمرور الوقت، لتأخذ شكل البصمات ويسهل التّعرّف على صاحبها.

  • المخدّرات:

لا يخفى على أيّ منّا أهمّية الكشف عن مروّجي الموادّ المخدّرة للحدّ من نشاطهم الذي تفاقم كثيراً خلال السّنوات الأخيرة، وهو ما يزيد من صعوبة هذه المهمّة. ولذلك، يتمّ اللّجوء عادةً إلى بعض المكوّنات الكيميائيّة التي تُعرف بتفاعلها الفوريّ مع بعض الموادّ المخدرة للكشف عن وجودها في منازل المشتبه بهم أو أماكن تواجدهم.

عادةً، ينتج عن هذا التّفاعل مكوّن ثالث يتمّ التّعرّف إليه عن طريق لونه المميّز. وفي ما يلي، نعرض عليكم أبرز الاختبارات المستخدمة في هذا المجال:

  • اختبار ماركيز (Marquis test): يتحوّل هذا الاختبار إلى اللّون البنفسجيّ بمجرّد تفاعله مع كلّ من الهيروين، المورفين والأفيون. كما يعطي اللّون البرتقاليّ الدّاكن في صورة تعرّضه للمنبّهات (amphetamines).
  • اختبار سكوت (Scott test): يتميّز هذا الاختبار بلونه الأزرق في حالة تفاعله مع مادّة الكوكايين.
  • اختبار فان ورك (Van Urk test): يعطي هذا الاختبار اللّون البنفسجيّ في حالة وجود المهلوسات (LSD).لكن بالرّغم من الفاعليّة الكبيرة التي تشتهر بها هذه الاختبارات، لا يمكن الإكتفاء بنتائجها واعتبارها دليلاً قوياً لا يرقى إليه الشّكّ، بل يجب التّثبّت عند كلّ مرّة، وذلك من خلال تطبيق تقنياتٍ أخرى تؤكّد نتائجها مثل الكروماتوجرافيا.
  • المخاليط المختلفة:

في بعض الأحيان، قد يكون الأمر أصعب بكثير من مجرّد البحث عن هويّة الفاعل عن طريق بقعة الدّم، أو التّأكّد من ماهيّة المسحوق الذي يحمله في جيبه. فكثيراً ما يصادف المحقّقين أنواعٌ مختلفة من المخاليط، التي قد تساعدهم في العثور على الأدلّة التي يحتاجونها، وذلك عن طريق إستخدام علم الكروماتوجرافي (Chromatography).

تعتمد هذه التّقنية على فصل المكوّنات بعضها عن بعض، وذلك حسب عدّة معايير، كالكتلة والعائلة الكيميائيّة للجزيئات المكوّنة لها. إذّاك، كان من المحتّم تقسيم الكروماتوجرافي إلى عدّة أصناف، وذلك حسب هذه المعايير.

رغم ذلك، يبقى المبدأ الوظيفيّ لهذه التّقنية واحداً على اختلاف أصنافها. إذ يعتمد على وضع الخليط على ورق خاصّ، بمحاذاة عدّة مكوّنات كيميائيّة أخرى ممّا يشتبه وجودها في هذا الخليط. ومن ثمّ، تقوم هذه المكوّنات بالتّحرّك على سطح هذا الورق، لتصل إلى مدى معيّن لا تستطيع تجاوزه، تحدّده خواصّها الكيميائيّة والفيزيائيّة. عندئذ، يقوم تقنيّو المختبر بمقارنة المسافة التي قطعها كلّ من هذه المكوّنات، مع تلك التي ميّزت الخليط الغامض. فإذا ما قاربت هذه المسافة تلك التي قطعها أحد المكوّنات المعروفة، أمكننا القول بأنّ هذا الأخير يدخل في تركيبته وبنسبةٍ عالية. أمّا إن كانت هذه المسافة مختلفة عن كلّ سابقاتها، يلجأ الكيميائيّون في هذه الحالة إلى حلّ بعض المعادلات البسيطة، والتي من شأنها تحديد نسبة كلّ مكوّن في تركيبة الخليط. يمكن التعرف أكثر على علم الكروماتوجرافي وأنواعه من هنا.

في النّهاية، يبقى دمج كلّ هذه التّقنيات هو الحلّ الأنجح والأكثر فعاليّة لتقليل نسبة الخطأ في الإستنتاج، وإن كان هذا أمراً غير هيّن لاستحالة القيام ببعضها خارج المختبر. بيد أنّ الصّعوبة الكبرى تبقى في الحفاظ على صلاحيّة الأدلّة لحين وصولها إلى المعمل الجنائيّ للفحص.

المصدر الأول 
المصدر الثاني 

  • إعداد: طه ياسين بن إبراهيم
  • مراجعة: سارة تركي
مشاركة!

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا