الحمض النووي الريبي منزوع الأكسجين  Deoxy ribonucleic acid والمعروف اختصاراً باسم DNA هو الشيفرة التي تنتقل من جيل إلى آخر حاملة كل ما يلزم لبناء كائن حي كامل من النوع نفسه، حمضك النووي يحمل كل شيء متعلق بك، لون عينيك، مدى استطالة وجهك، شكل أصابع قدميك، قدرتك على هضم أنواع معينة من الطعام، قابليتك للإصابة بارتفاع ضغط الدم أو السكري أو بعض أنواع الحساسية، وكذلك أغلب أنواع السرطانات، في الواقع أنت كعضوية بيولوجية عبارة عن محصلة تفاعل الـ DNA  الخاص بك مع البيئة المحيطة.

يتكون DNA من سلسلتين طويلتين من عديد سكر الريبوز منزوع الأكسجين، وترتبط جزيئات الريبوز ببعضها عن طريق مجموعة فوسفات بروابط فوسفاتية ثنائية الإستر بينما يرتبط بكل جزيء من الريبوز على السلسلة قاعدة نيتروجينية، تلتف كل من السلسلتين حول بعضهما البعض عن طريق روابط هيدروجينية تتكون بين القواعد النيتروجينية المتقابلة في السلستين لتكونا ضفيرة قوية ومطوية بشكل من الصعب فكه إلا بالإنزيمات المناسبة كالـHelicase وبعض العوامل الخارجية كالحرارة والإشعاع.

ولكن ماذا عن المعلومات؟

DNA يحوي الشيفرات اللازمة لجميع التفاعلات الحيوية في الجسم، ولكن ماذا لو استطعنا نقل المعرفة عبره إلى الأجيال التالية، تسلسلات أحداث، أسماء، صور وتسجيلات.. هل يمكننا فعل ذلك؟

سيث تشابمان وفريقه من جامعة هارفارد طوروا تقنية ثورية لذلك، كان تشابمان مهتماً بكيفية تعامل الخلايا العصبية مع الأنماط المختلفة من المعلومات، وكيف تختزن خلايا المخ الخبرات السابقة وتستدعيها عند الحاجة (وتلك بالمناسبة لا تزال غير مفهومة بشكل كامل بالنسبة إلينا حتى اليوم) وقادته أبحاثه إلى اتجاه مختلف قليلاً، يحاول هنا تطوير نظام موازي لتخزين المعلومات في الخلايا الجرثومية.

تحتوي خلايا أوليات النواة Prokaryotes ومن ضمنها الجراثيم على منظومة دفاعية تعرف بإسم كريسبر- كاس CRISPR–Cas immune system، تتكون هذة المنظومة من عدة بروتينات أشهرهاCas1 ، Cas2  تقوم بحصار الفيروسات الدخيلة في سيتوبلازما الخلية ثم تكسير الDNA الخاص بها إلى قطع صغيرة ثم تقوم بإعادة تدوير بعض هذة القطع ودمجها في الDNA الخاص بالجرثوم، القطع التي يتم دمجها يكون ذلك على أساس وجود تتابعات معينة من القواعد النيتروجينية تتعرف عليها بروتينات كاس.

هنا تدخل تشابمان وفريقه، عن طريق التلاعب بالDNA الدخيل الذي ستقوم بروتينات كاس بإعادة تدويره، ولكن بدلاً من ال DNA الفيروسي سنضع تتابعات ترمز لعنصورات Pixels عند وضعها متتابعة ترميز للصورة المطلوبة.

كيف يمكننا فعل ذلك؟

يعبر مصطلح “عنصورة” بكسل عن نقاط متناهية الصغر تتكون منها الصور الرقمية عند عرضها على الشاشات، يحمل كل بكسل لوناً واحداً وتتوزع الصورة على هذه العنصورات لتعطي شكلها النهائي، كلما زاد عدد العنصورات كلما زاد وضوح الصورة ودرجة تناغم ألوانها والعكس، يستخدم مبرمجوا الحواسيب للترميز للعنصورة الواحدة عدد معين من البتات bits يختلف باختلاف درجة نقاء اللون المطلوب ترميزه. الخطوة الثورية هنا كانت استخدام الDNA للترميز لهذه العنصورات بدلاً من البتات، أي أننا استخدمنا الDNA كلغة برمجة، فتم استخدام تتابعات محددة من القواعد النيتروجينية ليرمز كل منها لبتات محددة، وعند وضع هذة التتابعات خلف بعضها ترمز للعنصورة، وعند وضع التتابعات المرمزة للعنصورات خلف بعضها فإنها ترمز للصورة الكاملة.

قام الباحثون بتصنيع التتابعات المطلوب دمجها في DNA الجرثومي، في البداية وضعوا تتابعات كافية لبناء صورة لكف يد بشرية باستخدام طريقتين استخدمت فيهما درجتين مختلفتين من نقاء الصورة ومن النسب بين أنواع القواعد النيتروجينية وبعضها بغرض المقارنة، إحداهما كانت تتكون من 56 × 56 عنصورة  قابلة للترميز ل4 ألوان تم ترميزها على 112 مقطع من القواعد النيتروجينية oligonucleotide protospacer بما يكافيء 784 بايت bytes من البيانات بلغة الحاسوب، بينما تكونت الأخرى من 30×30 عنصورة قابلة للترميز ل21 لون تم ترميزها على 100 مقطع من القواعد النيتروجينية بما يكافيء 494 بايت. ثم تم دفع تتابع الDNA  للدخول إلى خلايا جرثومية الإيشيريشية القولونية Escherichia coli وذلك عن طريق التثقيب الكهربائي electroporation حيث يتم استخدام تيار كهربائي ذي فارق جهد محسوب في الوسط الحاوي للجرثوم كي يزيد نفاذية جدارها الخلوي لقطع الDNA  المطلوب إدخالها. سمح الباحثون للجراثيم بالتكاثر مع أخذ عينات بشكل دوري واستخلاص تتابع الDNA المستهدف واستخلاص الصورة منه، وكانت النتائج مذهلة.

بنسبة دقة تراوحت بين 88% في النمط الأول و 96% في النمط الثاني للصورة نجح الباحثون في استخلاصها وإعادة تشكليها اعتماداً على الشيفرات التي أدخلوها إلى الخلايا الجرثومية، بدأت الشيفرات في الظهور داخل جينوم الخلايا بعد حوالي 10 دقائق من إجراء عملية التثقيب الكهربائي، وبعد حوالي ساعتين وأربعين دقيقة وصلت لأعلى مستوى لها، تراجعت نسبة ظهورها قليلاً بعد مضي 24 ساعة ولكنها ظلت ثابتة بعد ذلك حوالي 6 أيام (48 جيل من البكتيريا)، لقد نجحنا في تخزين الصور على المادة الوراثية!

على اليسار الصورة الأصلية وعلى اليمين الصورة التي أعيد ترميزها على DNA البكتيريا .

والآن لننتقل إلى التحدي الأصعب، هل يمكننا فعل ذلك مع الأفلام أو الصور المتحركة؟

من الصعب أن يتم إدخال تتابعات تكود لعدة صور متتالية في جينوم خلية واحدة، لذلك لجأ الباحثون إلى حيلة أخرى، بأن يتم وضع عدة تتابعات تكود كل منها للقطة واحدة على شريط الفيلم، ثم تقديمها للوسط الحاوي للبكتيريا، بعد التثقيب الكهربائي ستقوم خلايا مختلفة باستقبال تلك التتابعات، كل خلية بكتيرية ستحوي التتابع المكود للقطة واحدة أو أكثرعلى الشريط، و باستخلاص التتابعات منها جميعاً يمكننا الحصول على اللقطات و ترتيبها لنحصل على الفيلم. و تم ذلك بالفعل بنسبة دقة فاقت 90%.

هذا الفيديو يشرح الأمر بشكل مبسط:

ما الذي يعنيه ذلك؟

فتحت لنا تلك التقانة بُعداً آخر في التعامل مع جزيء الDNA باستخدامه كأداة تشفير وتخزين للمعلومات واستدعائها عند الحاجة، لأول مرة في التاريخ أصبح بإمكاننا تخزين المعلومات داخل النظام الحي ذاته بطريقة غير تقليدية على الإطلاق، كما فتحت أعيننا أيضاً على وسيلة جديدة لفهم كيفية تعاطي الخلايا الحية مع المعلومات، وستساعدنا بمقارنتها مع التقانات الأخرى في فهم أفضل لكيفية عمل المخ  وكيفية تكون أشياء مثل الذاكرة.

المصدر

  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: يزن الحريري
  • تدقيق لغوي: داليا المتني