الطاقة المظلمة و المادة المظلمة

كان قدْ تمّ، في بدايةِ التسعينياتِ من القرن الماضي، تأكيدُ حقيقةٍ واحدةٍ حول توسّع الكون؛ أنّه من الممكن أن يحملَ كثافةَ طاقةٍ كافيةٍ لإيقاف التوسّع والعودة إلى حالةٍ من الانهيارِ، ومنَ المُمكن أنْ يمتلكَ كثافةَ طاقةٍ قليلةٍ ممَّا يجعله يتمددُ إلى ما لانهاية، لكن كان للجاذبيّة دورٌ أساسيٌّ في بُطئ التوسّع مع مرور الوقت.

وبالتأكيد، لم تتمّ مُلاحظة البُطْئ في التوسّع، لكن نظريًّا، يجبُ على الكونِ أن يُبطِئ. إنّ الكون، كما نعرِفُه، مليءٌ بالمادّة، ويحتوي على قوى الجاذبيّة، التي تسحبُ بدورها المادّة بعضها إلى البعض. ثُمّ وُجِدَ تيليسكوب هابل HST، الّذي استطاعَ تصويرَ إحدى المُستعرات البعيدةِ جدًّا عنّا– وهي النّجوم التي بدأت بالانهيارِ نتيجةَ انفجاراتِها العظيمةِ- ومن خِلال تحليلِ ودراسةِ نتائج هابل، استطعنا معرفةَ أنّ الكونَ كان أكثرُ بُطئًا في عملية التوسُّع قديمًا. فنستنتج أنّ توسّع الكونِ وسرعته لم يرتبِط، بعلاقة ما، مع الجاذبيةِ كما اعتقد الجميع، كانَ يتسارع مع مُرور الوقت! لم يستطع أحدٌ تفسيرَ ذلك، لكن هُنالك شيء قد سبب هذا التسارع بالتأكيد.

في النهاية، أوجَدَ الباحثون في المجال النّظري ثلاثة تفسيرات: أوّلهم يعودُ إلى نُسخة قديمة من نظرية آينشتاين حول الجاذبية، والتي احتوَت على ما يُسمى بالثابت الكوني. أو رُبّما هُنالك نوعٌ مُعيّن من السائل المليء بالطاقة في الكون، وهذا التفسيرُ الثاني. أما الثالث، فهو احتمالُ وجودِ خطأ في نظرية آينشتاين حَولَ الجاذبية، وبالتالي يجب إحلال نظريةٍ جديدةٍ للجاذبية بإمكانها تفسير هذا التّسارع الكوني. مع ذلك، لا يعرف العُلماء ما هو التفسير الصحيح حتّى الآن، لكن أطلقوا عليه اسمًا: الطّاقةُ المُظلمة.

ما هي الطّاقةُ المُظلمة؟

المجهولُ عنها أكثر من المعروف، فما يُمكنُنا معرفتُه عنها هو كمّيّتُها المَهولة في الكون، وذلك بسبب توسُّعه المُتسارع. عدا عن ذلك، فهي سِرٌّ ولُغز، لكنّها لُغز مُهمٌّ في الكون، حيث يتكوّن، ما يُقارب 68% من الكون، من الطّاقةِ المُظلمة، وحوالي 27% من المادّة المُظلمة. والباقي فهو الأرض وكُلُّ شيءٍ آخر شاهدته أعيُنُنا وأدواتنا (أي كل المادة الطبيعية التي نعرِفُها). وللتعديل، لا يجِب أنْ نُطلِقَ عليها مادّةً طبيعيّة؛ لأنّها لا تُشكّل إلّا ما نسبته 5% من كونِنا المعروف.

نُلاحظ من الصورة السابقة ما هو تأثير الطاقة المُظلمة. حيثُ أنّ الموَضّح هو مُعدّل توسّع الكون مُنذ حوالي 15 مليار عام، ويبدأ بالتوسّع بصورة أسرع مما سبق قبل 7 مليار عام تقريبًا، بسبب قوّة عظيمة ومجهولة أُطلق عليها الطاقةُ المُظلمة.
وكتفسيرٍ آخر لِما يكتسبه الفضاء من طاقة من النظريّة الكمّية للمادة، أنّ ما يُدعى “المساحة الفارغة” ليس إلّا جُسمياتٍ فرضيّة تتكوّن بشكل مُستمر ثُمّ تختفي. لكن عندما حاول الفيزيائيون حِساب كمّية الطّاقة التي ستُعطيها هذه الجُسيمات للفراغ حصلوا على نتيجة خاطئة، بل خاطئة جدًّا وغير منطقيّة، وهو رقم مُكوّن من 120 منزلةً، ويستمرُّ اللُّغز.

أيضًا، هنالك تفسيرٌ آخر للطاقة المُظلمة، يعودُ لنوعٍ جديدٍ من سائِل الطّاقةِ الحَركيّ، وهو شيءٌ يملأ الفضاء لكنّ تأثيره على توسّع الكون هو عَكس تأثيرِ المادّة والطاقة الطبيعية. أطلق عليه بعضُ العُلماء اسم بالكوينتيسنس – Quintessence على اسم العُنصر الخامس من الفلاسِفة الإغريق. لكن، إنْ كان هذا هو الحلّ، لا نعرِفُ بعد لِمَ وُجِد، وكيف يبدو، ومع ماذا يتفاعل، ويستمرُّ اللُّغز.

آخِرُ احتماليّة هي وجود خطأ في نظريّة آينشتاين حول الجاذبيّة. فهذا لن يُؤثِّر فقط على توسّع الكون، بل على المادّة الطبيعيّة في المجرّات، وعلى طريقَة تصرُّفها وتفاعُلها، وفَهمنا لها. هذه الحقيقة ستُعطي طريقةً لتحديدِ ما إذا كان الحلّ لِمُعضِلَة الطاقة المُظلمة هو نظريّة جديدة للجاذبيّة أم لا. في الواقع، استطعنا مُلاحظة المجرّات وهي تتجمّع مع بعضها في عناقيد ومجموعات. لكن فرضًا، إذا احتجنا إلى نظريّةٍ جديدةٍ، ما هو نوع هذه النظريّة؟ كيف يمكنها تفسير حركة الأجسام في النظام الشمسيّ كما تُفسِّرُهُ نظريّة آينشتاين؟ يوجَد عِدّة نظريّات، لكن لم تستطِّع أيّ منها مُنافسة نظريّة آينشتاين حتّى، ويستمرُّ اللُّغز. ما نحتاجُهُ لتحديدِ ماهيّة الطّاقةِ المُظلمةِ، هو معلوماتٌ جديدةٌ، المزيدُ من المَعلوماتِ المُفيدةِ حولها.

ما هي المادّة المُظلمة؟

من خِلال الدِّراسة النظريّة للكون وماهيّته، حدّدَ العُلماء مُكوّناته ونِسبة كُلٍّ مِنها كما ذكرنا سابقًا: 68% طاقة مُظلمة، 27% مادّة مُظلمة، 5% مادة طبيعيّة. فما هي المادّة المُظلمة؟

نَحنُ مُتأكّدون مِمّا لا تتكوّن منه المادّة المُظلمة أكثر مما تتكوّن مِنه. أولًا، هي مُظلِمة، بمعنى أنّها لا تتكوّن من النُّجوم والكواكِب التي نراها. تُظهر مُلاحظاتنا أنّ هُنالك القليلُ من المادّة المرئيّة في الكون حتى تَصِل إلى نسبة 27%. ثانيًا، لا تتكوّن المادّة المُظلمة من سحابٍ مُظلِم من المادّة الطبيعيّة، فالمادة الطبيعيّة تتكون من جُسيمات تُسمّى بالباريونات – Baryons، نَعلَمُ هذا لأنّنا نستطيع تحديد الباريونات من خِلال قدرتها على امتصاص الإشعاع المارّ من خلالها. ثالثًا، إنّ المادّةَ المُظلمةَ ليست مادّةً مُضادة – Antimatter، لأنّنا لا نرى أشعّة غاما عندما تصطدم المادّة المُضادة مع المادة الطبيعيّة. أخيرًا، نستطيعُ استبعادَ الثّقوب السّوداء التي بِحَجم المجرّات بالاعتماد على عدد العدسات الجاذبيّة التي نراها، والتي تتكوّن من نِقاط عاليّة التركيز من المادّة تقوم بِعكس اتّجاه الضوء المارّ من حولها، لكنّنا لا نستطيع رؤية عدسات جاذبيّة كافية لافتراض أنّ هذه الأجسام تُكوّن المادة المُظلمة.

في هذه النُقطة، يوجَد بعضُ الاحتمالات حول المادّة المُظلمة، من المُمكن أنْ تكون صحيحةً. من المُمكن أن تكون المادّة المُظلمة هي المادّة الباريونيّة إذا تمّ جمعُها جميعاً في أقزام بُنيّة، أو في نقط صغيرة من العناصر الثّقيلة ذات الكثافة العالية، تُعرَف هذه الاحتمالات باسم الـ “MACHO”. لكنّ وِجهة النّظر حول المادّة المُظلمة أنّها ليست باريونيّة إطلاقًا، لكنّها تتكوّن من جُسيمات أكثر غرابةً ممَّا يُمكننا معرفته.

مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه. لدعمنا إضغط هنا

  • ترجمة: محمد يامين
  • تدقيق لغوي: نور عبدو
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More