أي عالم فيزياء نظرية يقضي الكثير من وقته في التفكير في الجسيمات الأساسية الأصغر من الذرة. ومن جهة أخرى، يقوم علماء الفيزياء بقضاء بعض من وقتهم في التفكير في الكون، والذي هو أكبر بكثير مما تتصور. ذلك يحدث في بعض الأحيان خلال يوم واحد. ولا بد للعالم من تقليص عقله ومن ثم تكبيره مجدداً. مثل أليس في بلاد العجائب: تشرب جرعة وتصبح صغيرة جداً. تأكل الفطر وتصبح كبيرة جداً. وهذا المقال سيأخذك في رحلة إلى ما هو صغير جداً وما هو كبير جداً أيضاً.

ما هي المادة المظلمة؟

دعونا نبدأ مع الحجم الكبير. في الأسفل محاكاة معدّة بالكمبيوتر لمجرة مثل مجرتنا، تتطور عبر الزمن. كل واحدة من النقاط الصغيرة تمثل نجم مثل الشمس. والنجوم تدور حول مركز الكتلة. إنها مجرة لولبية. عندما ننظر إلى المجرات الأخرى يمكننا قياس سرعات النجوم التي تسير قريباً حول المركز، وذلك باستخدام الضوء الذي ينبعث من النجوم. يمكننا أيضاً باستخدام نظرية الجاذبية توقع السرعة التي يجب أن يصلوا إليها.

عند مقارنة التوقعات النظرية بما تم قياسه، نجد أن هناك شيئا ما غير مفهوم. النجوم القريبة من الخارج تتسارع أكثر بكثير بالمقارنة مع ما تنبأت به النظرية، لا بد من وجود شيء ما يدفعها لذلك. ربما نظرية الجاذبية الحالية خاطئة، أو ربما هو شيء آخر. حاول الكثير من الناس التلاعب بنظرية الجاذبية التي وضعها أينشتاين، وحتى بنظرية نيوتن للجاذبية، والتي هي أقدم بكثير، في محاولة لجعلهم يتطابقون مع المشاهدات. ولكن من الصعب جدا أن نفعل ذلك، ونحافظ في الوقت نفسه على كل التنبؤات الأخرى للنظرية والتي تتفق مع الملاحظات اليومية.

الاحتمال الآخر هو أن يكون هناك نوع من المادة الإضافية التي لا يمكن أن تُرى وقوة جذبها هي المسؤولة عن حركة النجوم. وهي غير مرئية في وجود الضوء وفي سماء الليل تبدو مظلمة، ولهذا السبب يطلق عليها المادة المظلمة. من المحتمل جداً أن تتواجد المادة المظلمة في مجرتنا، في الواقع، من المحتمل أن يكون هناك رياح من المادة المظلمة تمر عبرنا في هذه اللحظة. من الصعب جداً أن تتفاعل المادة المظلمة مع المادة العادية، إلا عن طريق الجاذبية. معظم المادة المظلمة ستمر مباشرة عبر الأرض. ووفقاً للتقديرات، يجب أن يكون هناك حوالي 20 ألف ضعف من كتلة ذرة الهيدروجين من المادة المظلمة فيك في أي لحظة. رياح المادة المظلمة التي تمر عبرك تسير بسرعة حوالي 400 كم في الساعة الواحدة. (ولكن من الواضح، إذا كان ذلك موجوداً، إنها ليست مثل الرياح العادية التي نعرفها).

إلى أسفل جحر الأرنب

لمعرفة ما هي المادة المظلمة وكيف تتصرف، نحن بحاجة للذهاب إلى أسفل جحر الأرنب. نحن بحاجة إلى تقليص أنفسنا وصولاً إلى حجم البروتون، إلى أقل من جزء من المليون من المليار من المتر. ونحن بحاجة للسفر إلى سيرن (CERN) على الحدود بين سويسرا وفرنسا، حيث اكتشف مصادم الهادرونات الكبير (LHC) بوزون هيغز الشهير في عام 2012.

الدائرة الصفراء التي تراها في الصورة تشير إلى النفق حيث يكمن مصادم LHC. إنها على عمق 100م تحت الأرض حيث أن محيط الدائرة 27 كيلومتر. المصادم هو أكبر آلة موجودة وأكبر تجربة صنعها الإنسان. السبب في وجود النفق تحت سطح الأرض هو أن LHC يحتاج إلى أن يكون محمياً من الأشعة الكونية القادمة من الفضاء، والتي يمكن أن تلوث البيانات التي يجمعها العلماء من التجارب. الأنبوب المبين في الصورة أدناه يحتوي حزمتين من البروتونات تسيران في اتجاهين متعاكسين.

هدف LHC هو اكتشاف جسيمات جديدة من خلال صدم البروتونات مع بعضها البعض ورؤية ماذا ينتج من الاصطدامات. إن سبب حاجة البروتونات إلى التحرك بسرعة كبيرة يأتي من معادلة آينشتاين E=mc^2، حيث E هي الطاقة، m هي الكتلة و c هي سرعة الضوء في الخلاء. وتخبرنا هذه المعادلة أن المادة والطاقة يمكن تحويلهما إلى بعضهما البعض. ولكن بما أن سرعة الضوء كبيرة جداً، فنحن في حاجة إلى الكثير من الطاقة لإنتاج كمية قليلة من الكتلة. لذلك كي يكون لدينا أي أمل في أن تنتج الجسيمات التي لم تكتشف بعد في الاصطدامات، تحتاج البروتونات للكثير من الطاقة كما تحتاج إلى التحرك بسرعة كبيرة. إن سبب عدم اكتشاف بوزون هيغز قبل عام 2012 هو أنه ثقيل نسبياً. مسرعات الجسيمات السابقة لم تكن تستطيع أن تسرّع البروتونات إلى السرعة الكافية لإنتاج بوزون هيغز.

الفيلم التالي يوضح عرض فني لبروتونات تتسارع عبر الحلقة (بالطبع البروتونات هي أصغر كثيراً في الواقع). النقاط الملونة الثلاثة داخل البروتون تمثل جسيمات أصغر – الكواركات – التي تشكل البروتونات. هناك نقاط عبور حيث اثنتين من الحزم المضادة-جزئيا تتناوب. ولأن البروتونات صغيرة جداً، والحزم معظمها فراغ، لذلك في أغلب الأحيان تمر البروتونات بالقرب من بعضها البعض فقط. عادةً، عندما يمر مليار من البروتونات بالقرب من مليار من البروتونات الأخرى فإن قليل منهم فقط سوف يصطدم ببعضها البعض وتتفاعل.

وعندما يحصل التصادم ينفجر البروتونان إلى مايشبه آلاف الشظايا النارية (كما هو موضح بالفديو)، والتي يمكن قياسها باستخدام أجهزة كشف.
من الممكن قياس الخصائص المختلفة لهذه الشظايا النارية ومن ثم القيام ببعض الأعمال المخبرية لمعرفة ما حدث لحظة اصطدام البروتونات. أجهزة الكشف معقدة جداً (ويظهر في الصورة أدناه كاشف ATLAS) والتي تكون بمثابة كاميرات رقمية ثلاثية الأبعاد. ويمكنهم الكشف عن شحنة وطاقة الجسيمات التي تنتج في الاصطدام. باستخدام هذه الآلات يمكنك معرفة كل الأشياء تريد أن تعرفه عن الشظايا النارية التي تنتج من الاصطدامات.

العودة إلى المادة المظلمة

ما علاقة كل ما سبق بالمادة المظلمة؟ الجواب هو شيء يسمى التناظر الفائق. علماء الفيزياء يعرفون أن النظرية الحالية لوصف جميع الجسيمات الأساسية في الطبيعة ليست كاملة تماماً. وكمثال على ذلك، فكر في بوزون هيغز الشهير الذي تم اكتشافه في المصادم في عام 2012. وفقا للنموذج المعياري في فيزياء الجسيمات The Standard Model of particle physics، يجب أن يكون بوزون هيغز أثقل بكثير من الجسيمات التي تمت ملاحظتها في الواقع بمليار مليار مرة. هذا خاطئ بشكل كبير، لذلك هناك شيء خاطئ مع النظرية بالتأكيد.

التناظر الفائق هو امتداد للنموذج المعياري الذي، كما يعتقد الناس، يمكن أن يحل المشكلة مع بوزون هيغز. ولكن لديه أيضاً نتيجة هامة أخرى: إذا كان التناظر الفائق صحيحا، فإن كل الجسيمات الأساسية الملاحظة سابقاً يجب أن يكون لها نظير فائق، والذي يكون أثقل ويدور بشكل مختلف قليلا.

واحدة من هذه الجسيمات المفترضة لها تماما خصائص المادة المظلمة. يمكنك حساب خصائصها باستخدام النظرية. الجسيمات ثقيلة ومستقرة، لذلك يمكنها التسكع في الكون دون ان تتحلل إلى شيء آخر. وليس لديها أي شحنة كهربائية لذلك لا تتفاعل مع الضوء، وهو ما يجعلها غير مرئية. ويمكننا الذهاب أبعد من ذلك والقول: “حسناً، دعونا نستعمل هذه النظرية لنتنبأ بكيفية النظر بكمية المادة المظلمة التي ينبغي أن تكون موجودة حولنا الآن“. وبالفعل، فإن الكمية صحيحة تقريباً. إن النظرية جيدا حقاً.

المشكلة الوحيدة هي أننا لم نر حتى الآن أي من هذه الجسيمات ذات التناظر الفائق. لكن مصادم الهادرونات الكبير قد بدأ للتو مرة أخرى بعد أن تم تطويره، وقد تضاعفت طاقته تقريباً، مما سيجعله قادرا على مشاهدة الجسيمات الأثقل. من المعتقد أن هناك فرصة جيدة حقا أن نرى في السنة أو السنتين القادمة هذه الجسيمات، إذا كانت نظرية التناظر الفائق صحيحة.

ولكن، كيف سيبدو هذا الاكتشاف؟

إن مصادم LHC لن ينتج جسيمات ثقيلة جديدة في أغلب الأحيان، إلا في تصادم واحد كل مليار تصادم. وعندئذ ستتحلل هذه الجسيمات بسرعة إلى بعض الجزيئات المرئية وبعض جزيئات المادة المظلمة.

الصورة أدناه تظهر محاكاة للكاشف. تمثل السهام الحمراء البروتونات الداخلة في الجهاز والسهام الخضراء تمثل الجزيئات المرئية الخارجة. كما تعلمون من الفيزياء التي تدرس في الثانوية العامة أن الزخم (كمية الحركة) لجسم واحد أو أكثر هو كمية محفوظة – تبقى نفسها دائما. قبل اصطدام جسيمين، لا يكون هنالك زخم عدا للجسيمات في الاتجاهين الحمر المتعاكسين. وبما أنه محفوظ، محصلة الزخم في أي اتجاه غير الأحمر يجب أن يكون صفر. لذا، إذا حدث ضياع في الزخم بعد الاصطدام في الاتجاه الأخضر، فإن نفس الكمية يجب أن تضيع في الاتجاه المعاكس (المشار إليها باللون الأسود)، وبالتالي فإن الاثنين يلغيان بعضهما البعض. المادة المظلمة تتصرف مثل اللص الذي يسرق الزخم بعيداً. إذا كنت ترى العديد من الأحداث مع زخم خارج في اتجاه واحد فقط (على سبيل الاتجاه الأخضر)، يمكنك عندها استنتاج أنك كشفت عن جسيمات المادة المظلمة. يجب أن يتم اختبار هذه الفرضية الإحصائية للتأكد من أن الملاحظة ليست مجرد صدفة.

هناك العديد من الاختبارات التجريبية التفصيلية التي يمكنك القيام بها والصورة أدناه تظهر واحدة منها. وهي تمثل الجسيمات التي يتم إنتاجها وطاقتها ممثلة على المحور الرأسي. النقاط السوداء هي البيانات التي تم قياسها في الجولة الأولى من مصادم LHC.


النظرية القياسية تفترض أن نحصل على الرسم البياني الأزرق. ولكن يوجد بعض العثرات. من الممكن أن يكون هذا قد حدث بمحض الصدفة – يمكنك حساب ذلك إذا قمت بالتجربة 100 مرة، يمكنك عندها رؤية مثل هذه التذبذبات في ثلاثة من التجارب فقط عن طريق الصدفة. هذا ليس من المستبعد، لكنه غير مرجح إلى حد كبير. ولكن Ben Allanach “بين الانش ” وزملاؤه آري راكلف و أندرس كيفيلستاد اقترحوا أن هذه العثرة لا ترجع للصدفة، ولكن نظرا لإنتاج نظائر فائقة. هذا النوع من العثرات هو ما سوف يتم البحث عنه في التجربة المقبلة لمصادم الهادرونات الكبير.

نحن لا نعرف بعد ما إذا كانت المادة المظلمة موجودة حقا. إن الأمر لم يتعدى التخمين بعد. وإذا وجدناها في LHC ستكون نتيجة مذهلة، والتي سوف تظهر في كتب التاريخ لآلاف السنين القادمة.

  • المقال الأصلي بواسطة بروفيسور الفيزياء النظرية Ben Allanach في جامعة كامبردج.
  • ترجمة: رند فتوح
  • مراجعة: بشار رمضان