fbpx
الفضائيون

هل للأخلاق أصول داروينية؟

ما زالت نظرية التّطوّرِ التي طرحَها داروين في كتابه أصل الأنواع The Origins Of Species عام 1859 مثارَ جدلٍ اختلفَ فيه الجميع، فليسَ من السهل أبداً أن نرفضَ نظرية تفسّرُ لنا كثيرا ًممّا نراهُ في عالمِ النّبات والحيوانِ، كما أنّ قبولَها ليسَ سَهلاً أيضاً في ظلّ التّدخّلاتِ الدّينيّة التي تعملُ على زعزعةِ مفاهيمِها وتفسيراتِها لشؤونٍ عدّة.

وقد لخّصَ عالمُ الأحياءِ إرنست ماير Ernst Mayr هذهِ النّظريّة قائلاً أنّ الأفرادَ الأقلّ ملاءَمة للبيئةِ هم الأقلّ عرضَة للبقاءِ على قيدِ الحياة والتكاثر، على عكسِ الأكثر ملاءمة لها، وهذا هو أساسُ الانتخاب الطبيعي الذي تقوم عليه النظرية، كما أنّ الأفرادَ في المجموعاتِ الكبيرة تختلفُ عن بعضها البعض، وهذا الاختلاف بدوره قابلٌ للتّوريث، ويتم تنفيذ كامل هذه العمليّات بشكل بطيء جدّاً يستغرقُ فتراتٍ هائلة من الزّمن تتراكم خلالها هذه الاختلافات لتتشكّل أنواعٌ جديدة.

وبعد الصّحوةِ الهامّة التي أحدثَها كتابُ نسب الإنسانِ لداروين ( The descent of man ) ، تناقشَ العلماءُ حول طبيعة الإنسان ، وارتأوا أنّه كائن اجتماعيّ بطبعه، نظراً للأساليبِ والطرق التي يتصرفُ وفقها، والموروثة من أسلافه السابقين، ثمّ يأتي دورُ الثقافة وتأثيرها لاحقاً، فهي تبلورُ المادّة الخام الموروثة وتحوّلها إلى ما هو أنسَب.

وإذا دققنا أكثر، سنرى أنّ فكرة الكائناتِ الاجتماعيّة لا تنطبقُ فقط على البشر، حيث تعيش الحيوانات أيضاً ضمن نطاقٍ اجتماعيّ. ويعزى ذلك لأهميّة العيش الجماعيّ في زيادة فرصَتها في التكاثر والبقاءِ مقارنة بالعيش المنفرد.

أما على مستوى تأثير التّعايش الجَماعيّ على الأخلاق، فقد تساءَل باحث الرّئيسات (أعلى رتب الثدييات) فرانس دو فال Frans De Waal عمّ إذا كان الشمبانزي ( ذو الصّلة الأقرب للإنسان ) يتمتع بالأخلاقِ أم لا ، وبعدَ مراقبته الطّويلة، وجدَ أنّ الشمبانزي يتصرّفُ وفقاً لأسلوبِ المعاملة بالمثل، أو إيثارية التّعامل بالمثل، فهو يتذكرُ تماماً من يعامله جيّداً إضافة لمن يسيء التّصرف إليه ، ففي المجموعة الواحدة يقدّم الشمبانزي الطّعامَ كنوعٍ من ردّ الجميل لمن أعطاهُ طعاماً مسبقاً. ويظهرُ نوع شبيه بهذه الإيثارية ضمن جماعات الخفّاش أيضاً، حيث يعمدُ الخفاّش الى إعطاء الدّماء إمّا لردِ المعروفِ أو لخفافيشَ تحتاجُ الدّماء فعليّاً ولا يعطيها بشكلٍ عشوائيّ.

وإذا توسَّعنا أكثر في مفهومِ المعاملة بالمثل، نجدُ أنّ اللاتناظرَ الكبيرَ في تلبيةِ الاحتياجاتِ بين الكائنات المختلفة يدفعها إلى اللجوء لهذا المفهوم، ومنها العلاقة بين البقرِ والبكتيريا المعوية، إضافة للمقايضة التي نعتمدها نحن البشر في جوانبَ عدّة من حياتنا.

وبالعودةِ لنتائج دو فال، نراهُ يشيرُ إلى وجودِ حسّ الشّفقة لدى الشمبانزي على أفراد مجموعتهم فقط دون غيرهم، وذلك عبر إنهاءِ النّزاعات القائمةِ والحفاظ ِعلى السّلام ضمن المجموعة الواحدة. ويفسّرُ ريتشارد دوكنز Richard Dawkins ، عالم الأحياءِ البريطانيّ ، حسّ الشّفقة هذا بأنانيّة المورثات Selfishness of Gene ، فالمسألة تقتصرُ على بقاءِ هذه المورّثاتِ في الأجيال القادمة أو فنائها منها، والطريقة البديهيّة لها كي تضمن أنانيتها وبالتّالي بقاءها هي برمجَة الكائناتِ على إيثار altruism الأقاربِ الحاملين لنفسِ النّوع منَ المورثات، وتتجلّى لنا هذهِ الأنانية عندما يميلُ الحيوانُ الواحدُ لرعاية من يقاسِمونَه مورّثاته والدّفاع عنهم وتحذيرِهم من الخَطر لأنّهم وحدهم من سيحملون هذه المورثات للأجيال التالية مما يضمنُ استمرارية المورّثة وبقائها.

وبعدَ الحديثِ عن دورِ العاملِ الداروينيّ في ظهورِ الإيثاريةِ لدى الرئيسات، ينبغي لنا أن نشيرَ إلى نقطةٍ هامّة مفادُها أنّ هذه المعاملة الحسنة أو ” الأخلاقيّة ” لا تتعدّى في الرّئيسات أفرادَ الجماعةِ الواحدة، ممّا يجعلُ الحيّزَ الأخلاقيّ لديهم محدوداً جدّاً، وسيخلقُ بدوره كثيراً من الصّراعات والنّزاعات مع جماعاتٍ أخرى. وهنا تأتي أهميّة الجماعاتِ البشريّة، وفقاً لما تتمتّع به من ذكاءٍ ومرونةٍ في السّلوك، إضافة لعاملِ اللّغة الأساسيّ الذي تفتقرُ إليه جماعات الشيمبانزي وغيرها من الحيوانات، فوجود اللغة يجعل السّمعة مهمّة وقويّة، ويقترح علماءُ الطّبيعة أنّ البقاءَ الداروينيّ لا يقتضي فقط على مشاركةِ الفردِ وتعاونه، إنّما على سُمعته كمشارك جيّد أيضاً.

وبالنّتيجة، يستطيعُ البشرُ -نظراً لما يمتازون بهِ عن الرّئيسات- وضع حدّ لفكرة “القبليّة” المنتشرة بشكلٍ واضحٍ إذا ما دقّقنا بأمثلةِ الشيمبانزي المطروحة سابقاً، مع أهميّة التركيزِ على اتساعِ الحيّزِ الأخلاقيّ لكافة الجماعات البشرية دونَ تحديد.

ويمكننا أن نتساءل بعد هذه المعلومات عن سبب تعاملنا بطيبة مع غيرنا ممن ينتمون لمجموعات مختلفة عن نوعنا، فهذا التعامل يبدو غريباً فعلاً إلا أن دوكنز Dawkins قد برر هذه الطيبة مطلقاً عليها مفهوم الخطأ الدارويني العرضي، فقاعدة الانتخاب الطبيعي المعروفة هي نشر المورثات والحفاظ على استمراريتها ومن المعروف أن القواعد بشكل عام قد تخطئ أهدافها أحياناً، وتابع دفاعه عن فكرته فذكر أن الدافع الجنسي عند أحدهم لم ينخفض مثلاً تجاه شخص ما علماً أن هذا الأخير غير قادر على الإنجاب ولن يحقق الهدف الدارويني (التكاثر) الأساسي وراءَ هذا الدّافع، وهذا الأمرُ مماثلٌ أيضاً للطّيبة والكرمِ والعطف، فنحنُ لا نستطيع ألّا نتعاطفَ مع شخصٍ يبكي أمامنا أو مع فرد يطلبُ منّا طعاماً، حتى لو لم يكن قريباً لنا ولن يبادلنا المعروف لاحقاً ، وعلى الرّغم من أنّ هذا الخطأ هو خطأ واضحٌ بالهدف الداروينيّ، إلا أننا لا يمكن أن نعتبره سوى خطأ ثمين ومبارك.

وختاماً، فإنّ الإنسانَ لا يختلف كثيراً في سُلوكه عن باقي الأنواعِ الموجودةِ في الطّبيعة، فهنالكَ حيوانات عدّة تشاركنا ما نعرّفه على أنّه أخلاقيّ، خصوصاً في الأنواع الأقربِ لنا كالشمبانزي والبونوبو، كما ينبغي ألا نجد َهذا التشابهَ شيئاً مخجلاً، علّنا نظهرُ قليلاً من العطفِ والشّفقة اللتين نسبتا لجنسِنا البشريّ ونتعاملُ على أساسِهما.

المُساهمون:
  • إعداد: ميس كرّوم
  • مراجعة: بشّار غليوني
  • تصميم الصور: جبران بدور

إضافة تعليق

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.

Become a Patron!