fbpx
الفضائيون

هل نشأت الكائنات متعددة الخلايا كاستجابة للافتراس؟

الخلاصة:

يعدُّ ظهور الكائنات متعددة الخلايا أحد الأحداث الرئيسية القليلة في تاريخ الحياة التي خَلقت فرصاً جديدة لأنظمة بيولوجية أكثر تعقيداً بالتطوّر، ويُفترض أنّ الافتراس هو أحد عوامل الضغط التي أدت إلى تطوّر الكائنات متعددة الخلايا، هنا نُظْهر أنّ أصولاً جديدة من تعدّد الخلايا البسيط تتطور رداً على الافتراس، كذلك قمنا بتعريض مجموعاتٍ من الطحالب الخضراء وحيدة الخليّة (Chlamydomonas reinhardtii) للضغوط التطورية عن طريق تعريضها  للمفترسات التي تتغذى بالتصفية (Paramecium tetraurelia).

في اثنتين من الخمس تجارب تطورت مستعمرات متعددة الخلايا، في حين لمْ يحدُث المثل في المجموعات التي لمْ يتم تعريضها للافتراس عبر 750 جيلاً من التكاثر اللاجنسي، وقد ظهرت تنوّعات كبيرة في دورات حياة الكائنات متعددة الخليّة المتطوّرة من حيث عدد الخلايا وأحجام البراعم (propagule)، وقد تبيّن أنّ سمات تعدّد الخلايا فعّالة في الحماية من الافتراس، وتدعم النتائج الافتراض القائل بأنّ الانتقاء الناتج عن الافتراس قد لعب دورًا في بعض أصول تعدّد الخلايا.

المقدمة:

كلّ الحياة المجهرية متعددة الخلايا تقريباً، كما أكّد ليو بوس (Leo Buss) في كتاب تطور الفردانية، أنّ وجود الكائنات الحية متعددة الخلايا هو نتيجةً للعمليات التطورية وليس ظرفًا بدائيًا، ويبدو في الحقيقة أنّه نتيجة شائعة؛ حيثُ تطورت الكائنات متعددة الخلايا من أسلافٍ وحيدة الخلية في العديد من المرّات، فالحيوانات والنباتات البرية والفطريات والطحالب الحمراء والطحالب البنية، ومجموعات متعددة من الطحالب الخضراء، والعفن الغروي الخلوي والأكراسيد، ومستعمرات الهدبيات، هم فقط بعض الأمثلة لكائناتٍ تنحدر من أسلافٍ مختلفة وحيدة الخلية.

ما ساعدنا في تكوين تصوّر عن كيفية حدوث هذه الانتقالات نَهْجَيْن، ألا وهما المقارنة والسجل الأحفوري، وعلى الرغم من أنّ كلا النّهجين كانا أساسيين في فهمنا للتطور المبكر لتعدد الخلايا، إلا أنّ كلاً منهما لديه قيودٌ مختلفة.

في جميع المجموعات متعددة الخلايا، الأدلة المتعلقة بالخطوات الأولى في الانتقال من حياة وحيدة الخلية إلى أخرى متعددة الخلايا قليلة أو غير موجودة، وتعاني أساليب المقارنة من نقصٍ في الأشكال التي تقع في المنتصف بين محط اهتمامنا من الكائنات متعددة الخلايا وأقاربهم وحيدي الخلية الموجودين حالياً.

علاوةً على ذلك، لا نملك معرفة مباشرة عن الأسلاف وحيدة الخلية، الأقارب وحيدة الخلية الموجودة حالياً هي مقاربة ولكنها ضعيفة؛ حيثُ أنّهم تطوروا بدورهم إلى كائنات وحيدة الخلية منذ أنْ تمايزوا عن الأقارب متعددي الخلايا.

وقد ظهر نهجٌ ثالث محتمل يهدف إلى التحايل على هذه المحدّدات على مدى العقد الماضي، التطور التجريبي لتعدد الخلايا من ميكروبات وحيدة الخلية غير ذلك تمكننا من الملاحظة الآنية لتغيّرات مورفولوجية وتنموية وجينية مرافقة للانتقال نحو حياة متعددة الخلايا.

عرّض بوراس (Boraas) وزملاؤه مستعمرات الطحلب الأخضر (Chlorella vulgaris) لافتراس من قِبل السوطيات (Ochromonas vallescia)، مما نتج بتطور مستعمرات طحلبية صغيرة ومستقرة، وأظهر بيكس (Becks) وزملاؤه أنّ التعرّض إلى الدوّارات المفترسة (Brachionus calyciflorus) تسبب في عمل انتقاء طبيعي أدى لتفضيل تغيرات مُورَّثة في معدّل تكوّن خلايا متعددة من الطحالب الخضراء (Chlamydomonas reinhardtii)، وبيّنَ راتكليف (Ratcliff) وزملاؤه أنّ انتخاب المعدّل السريع  لاستقرار الخلايا في معلّق سائل أدّت باستمرار إلى تطور مستعمرات عديدة الخليّة على شكل ندفة ثلج لدى خمائر (Saccharomyces cerevisiae) ونتجت أيضاً في تطوّر بنيات متعددة الخلية في (C. reinhardtii).

لطالما جرى الاعتقاد أنّ الافتراس ضغطٌ انتقائي معقول بيئياً يمكنه أنْ يفسّر على الأقل بعض أصول تعدد الخلايا؛ كون الكائنات المفترِسة تستطيع التهام الفرائس في نطاق ضيّق الحجم، كالمفترسات التي تتغذى بالترشيح (Filter-feeding) المنتشرة في النظم البيئية المائية، والطحالب التي يفوق حجمها قابلية المفترسات لابتلاعها  مُحصّنين بشكل كبير منهم، افترض دافيد كيرك (David Kirk) أنّ “عتبة الافتراس (predation threshold)” هذه يمكنها أنْ تفسّر تطور تعدد الخلايا في طحالب (volvocine) والتي هي من أقرباء (C. reinhardtii).

في هذه الدراسة نقدّم تجارب حيثُ استخدمنا المفترس الهدبيّ (Paramecium tetraurelia) لانتقاء التطوّر الجديد لتعدد الخلايا في مجموعات (C. reinhardtii)، ونَصِف دورات الحياة متعددة الخلايا المورّثة التي تطوّرت ونقارنها بدورات الحياة وحيدة الخلية للأسلاف، بالإضافة إلى ذلك نُظهر دورات الحياة متعددة الخلية التي تطوّرت مستقرّة عبر آلاف الأجيال المتوالدة لا جنسيّاً في غياب المفترسات، وأوضحت التجارب المقارنة أنّ الأنماط الظاهريّة متعددة الخلايا المتطوّرة تزوّد ميزة في التكيّف غير موجودة لدى وحيدات الخلية في وجود المفترسات؛ ولأنّ (C. reinhardtii) لا تمتلك أسلاف متعددي الخلايا، هذه التجارب تقدّم أصول جديدة كليّاً لتعدد الخلايا الإلزاميّ.

النتائج:

التطوّر التجريبي:

بعد 50 عملية نقل أسبوعياً (750 جيلًا تقريبًا) تطوّرت هياكل بسيطة متعددة الخلايا في اثنين من المجموعات الخمس المنتقاة عبر الافتراس (B2 ، B5)، لمْ تلاحظ مثل هذه الهياكل متعددة الخلايا في أيّ من المجموعات التي لمْ تُعرّض له، عُزِلت ثمانية سلالات من كل مجموعة من ثلاثة مجموعات (B2 ، B5 ، K1)، وركزنا تحليلاتنا على خمسة سلالات من (B2 B2-01، B2-03، B2-04، B2-10، B2-11) واثنتين من (B5 (B5-05، B5-06)، واثنتين من K1 التي لمْ تُعرّض للافتراس (K1-01 ، K1-06)، الأنماط الظاهرية لبقية السلالات المعزولة من (B2, B5 , K1) لمْ تختلف جوهرياً عن اللاتي تمّ اختيارهن ولمْ تستمر الاختبارات عليهن، أبقت السلالات على خصائصها المتطورة لتعدد الخلايا البسيط حتى في غياب المفترسات لأربع سنوات كنّ خلالها غير مجمّدات واستُخدمت في المختبر، ولهذا نحن متأكدون أنّ الأنماط الظاهرية التي في باقي التقرير أدناه مورّثة بثبات.

بعض السلالات، لا سيما المنتميات للمجموعة (B2)، تشكلت كمجموعات غير منتظمة بأعداد خلايا متنوّعة.

الفروقات الأخرى في الأنماط الظاهرية يمكن تمييزها بسهولة باستخدام المجهر الضوئي، على سبيل المثال، في الشكل الأول هناك غشاء خارجي واضح حول كِلا المستعمرتين متعددتي الخلايا مما يشير إلى أنّ المستعمرات تشكّلت عبر تكرّر الانقسام الخلوي ضمن المجموعة وليس بالتراكم.

الشكل الأول

الشكل الأول: أ. بينما السلالات من المجموعة (B5) أظهرت تشكيلات عنقودية من ثماني خلايا، مع مراحل حياة ظاهرية من خلية واحدة ورباعيات (الشكل الأول: ب).

وباستخدام فيديوهات التصوير المتقطع للسلالات المتطورة وهي تنمو في مزرعة بكتيرية سائلة، وجدنا تنوّعاً في دورات الحياة ضمن المجموعة الواحدة وبين المجموعات المختلفة، وصنفنا السلالات نوعيّاً حسْب دورة حياتهن للمقارنة بين التشابهات والاختلافات.

الشكل الثاني

(الشكل الثاني). إنّ فرز الملاحظات بناءً على سمة معقدة مثل دورة الحياة لا يخلو من عدم الموضوعية، ولكن تعييننا للفئات متوافق مع البيانات الكمية المقدمة في القسمين التاليين، وسنناقش كل فئة من دورات الحياة في الأسفل، ثمّ ستقدم قياسات كمية عن أحجام التجمعات الأم والبراعم.

في المجموعة  K1 التي تطورت بعيدًا عن الافتراس، احتُفظ بخصائص دورة الحياة وحيدة الخلية والجامحة لبكتيريا (C. reinhardtii) بالأخص، عندما تتكاثر الخلايا لا جنسيّاً، تخسر الخلايا قدرتها على الحركة وتمرّ بـ 2- 5 دورات من الانقسام المتساوي قبل أنْ تطلق خلايا وحيدة ومتحرّكة، من الجدير بالذكر أنّه حتى النوع الجامح من (C reinhardtii)، تمر المجموعة الأم المنقسمة بمرحلة مؤقتة من تعدد الخلايا ولكن سرعان ما تتبدد بعد إطلاق البراعم، ومن المثير للاهتمام أنّ في كلا المجموعتين اللتين تطوّر فيهما تعدد الخلايا كاستجابة للافتراس (B2, B5)، حافظت السلالتان (B5-06 B2-10) على دورة حياة أسلافها من النوع الجامح من (C. reinhardt).

تميزت دورة حياة السلالات المتبقيّة المعزولة من المجموعتين (B2, B5) عن أسلافها؛ حيثُ استمرّت تجمعات من أحجام مختلفة عبر دورات متعددة من التكاثر، وعادةً تطلق سلالة B2-01 براعم وحيدة الخلية أثناء التكاثر شبيهة بالأسلاف، ولكن في بعض التجمعات العنقودية الخلايا التي مرّت بالانقسام تنفصل و لكن تظل تقريباً في مكانها؛ لأنها متضمنة في نسيج بيني خارج الخلية (extracellular matrix) خاص بمجموعة الخلايا الأمّ (الشكل الثاني: ب)، بينما تستمر الخلايا بالنمو والانقسام بعضها يبقى متضمّن في نسيج بيني خارج الخلية، مما يشكّل تجمّعات مستمّرة في النمو من الخلايا، السلالة B5-05 تُنتج أيضًا خلايا برعمية وحيدة ومتحرّكة وتكون داخل النسيج البيني الخارج الخلية الخاص بالأم، بالإضافة إلى الاحتفاظ بالبراعم في النسيج البيني خارج الخلية، ويشكّل إنماء مجموعات لخلايا B5-05 قادرة على السباحة تجمّعات تنمو أكبر بكثير من B2-01 (الشكل الثاني: ج).

وبالعكس، ثلاثة من السلالات المعزولة من مجموعة B2  تتواجد في تجمعات خلويّة تتألّف فقط من أحفاد مباشرة، على عكس التجمعات التي تحتوي خلايا قادرة على السباحة، وتنمو المجموعات العنقوديّة للسلالات من B2-11 و B2-03 و B2-04 في مجموعات مرتبطة بإحكام مع الأحفاد المباشرة ومتضمنة في جدار الخليّة الأم (الشكل الثاني: د)، وبالتالي يكون التطوّر في هذه الخلايا المعزولة على شكل مستعمرة حصرًا، مما يملك آثاراً مهمّة على التطوريّة، وبما أنّ الخلايا ضمن البناء متعدّد الخلايا متماثلة جينيًّا على الأرجح من غير الاختلافات التي تنتج عن الطفرات الجديدة، وبالتالي الاختلافات الجينية في كل مجموعة ستكون مقسّمة في المقام الأول بين المستعمرات، وتطوّر المستعمرات الملاحظ في الخلايا المعزولة يبيّن أنّ المجموعات العنقوديّة متعددة الخلايا ستكون مناسبة كوحدة بناء للانتقاء، أي أنها ستكون الأجدر بالبقاء و توريث تلك الصفة لنسلها.

من ناحية رئيسيّة، الخلايا المعزولة من المجموعة B2 بدت وكأنّها اختزلت الخطوات المفترضة الأوليّة التي تؤدي إلى تمايز تعدد الخلايا في طحالب (volvocine)، في الحقيقة الطحالب متعددة الخلايا النامية تشبه شكلياً المستعمرات الصغيرة لطحالب (volvocine) مثل Pandorina، بالإضافة إلى ذلك إحدى درجات التحكّم الجيني بأعداد الخلايا والتي تتشابه مع تلك المرصودة في خلايا مستعمرات طحلب الـ volvocine غير المتمايزة، ظهرت في سلالاتنا متعددة الخلايا المتطوّرة، عادةً ما تكون  براعم هذه السلالات متعددة الخلايا، والأهم من ذلك أنّه لا يوجد براعم متحرّكة مرصودة في هذه السلالات، الخلايا التكاثريّة المنتشرة من السلالات متعدّدة الخلايا المتطوّرة كانت من حوالي 4 أو 8 أو 16 خليّة، وهو نطاق يشبه ذلك الموجود في مستعمرات طحلب volvocine وأصغر من ذلك في Pleodorina starrii، حيثُ تكون البراعم وحيدة الطراز الجيني ممكن أنْ تصل إلى 16 ضعف عدد الخلايا.

الحد الأقصى للخلايا في كل مجموعة عنقوديّة:

من أجل تحديد الحجم الذي تشغله السلالات المتطورة، قمنا بتحضير عينات وصبغها وتصويرها من الخلايا المزروعة في أنابيب كل 12 ساعة لمدّة 6 أيّام، ووجدنا أنّ حجم مجموعات السلالات التي تطوّرت دون افتراس (K1-01, K1-06) والسلالات التي حافظت على سمات دورة حياة الأسلاف، وعلى الرغم من تطوّرها مع المفترسات (B5-06, B2-10) بقيت صغيرة عبر ست أيّام من النمو (الشكل الثالث) حتى في أكبر أحجامهم، وكانت متوّسط أحجام المجموعة المتكاثرة لسلالات (K1-01 K1-06) خليّة واحدة للمجموعة في جميع الحالات، مما يظهر أنّ هذه السلالات تتواجد كأفراد وحيدي الخليّة تمرّ بمرحلة متعددة الخلايا عبر التكاثر ولكنّها مؤقتّة.

وبالمثل وجدنا أنّ الخلايا في سلالة (B2-01) تتواجد أساسيّاً كخلايا منفردة مع معدّل متوسّط حجم يساوي 1.8 خليّة، ومن خلال مراقبة التصوير المتقطّع وجدنا أنّ الخلايا المنقسمة من (B2-01) بين الحين والآخر تتوقف عن التواصل المباشر مع بعضها البعض بينما تبقى معاً ضمن جدار الخليّة الأم، وشوهد ذلك كفراغات بيضاء بين الخلايا والتي بقيت فيما بعد على مسافات متساوية في بناءٍ صلب، ومن الممكن أنْ تكون إجراءات صبغ وتصوير الخلايا تسببت جزئيّاً في انفصال الخلايا، مما أدّى إلى  تقدير أقل قليلاً من الواقع لمتوّسط أحجام المجموعات، وكان معدّل متوّسط أحجام المجموعة للسلالة المتكاثرة (B5-05) أربع خلايا، بينما السلالات التي حافظت على الأنماط الظاهريّة للأسلاف (K1-01, K1-06, B5-06, B2-10) كان معدّلها بالترتيب 1، 1، 1.4، 1.8 خليّة.

وسلالة B2-01: 1.8 خليّة كانت على عكس السلالتين (B2-01, B5-05)؛ حيثُ يحتفظ النسيج البيني خارج الخليّة بالخلايا في مجموعات، الخلايا في السلالات الأكبر مغلّفة بشكل ظاهر ضمن جدار الخليّة الأمّ، ومعدّل متوّسط أحجام المجموعة للسلالات (B2-11, B2-03, B2-04) كان 6.2، 5.6، 5.6 على التوالي.

الشكل الثالث

لأنّ الخلايا خُلطت عدّة مرّات أثناء الصبغ والتصوير، وبالتالي من الممكن أنْ يؤثر ذلك على بعض المجموعات؛ لذا أحجام المجموعة الناتجة عن المجهر الفلوري على الأغلب أقل من الواقع، ومن الممكن أنّ هذا التأثير كان أكبر في بعض السلالات أكثر من غيرها (تلك التي ضمن النسيج البيني الخارج الخليّة أكثر من جدار الخليّة).

عدد الخلايا في البراعم (Propagule):

من أجل معرفة حجم البراعم للسلالات المتطورة، حللنا يدوياً 72 ساعة من مقاطع فيديو التصوير المتقطّع، وسجّلنا عدد  الخلايا في البراعم المنفصلة عن المجموعة الأم.

بالنسبة إلى معظم السلالات أغلبيّة البراعم كانت وحيدة الخلية، حيثُ كانت البراعم الأصغر هي الأكثر ظهوراً في المشاهدات، وتلك البراعم الأصغر تتطلب كتلة حيويّة أقل لتنتج (الشكل 4)، ولتصوير حالة البراعم وحيدة الخلية عرضنا البيانات أيضاً كمخطط صندوقي موزونة بالكتلة الحيويَة، وأطلقت السلالات التي حافظت على سمات أسلافها (1-01, K1-06, B5-06, B2-10) تقريباً براعم وحيدة الخلية حصراً، على الرغم من أنّ السلالات B2-01 وB5-05  تتواجد غالباً على شكل مجموعات الغالبيًة العظمى من البراعم التي تطلقها تكون وحيدة الخليّة أيضًا، وفي السلالات التي متوسط أحجام مجموعاتها أكبر (B2-11, B2-03, B2-04) تكون البراعم متعدّدة الخلايا على نحو أكثر تواتراً وتتكون من حوالي 64 خلية في المجموعة؛ لذلك في السلالات التي تطوّرت تحت وطأة الافتراس ظهر تنوّع في السمات المتعلقة في الحجم في كلا المجموعات والبراعم.

الشكل الرابع

الدفاع ضد الحيوانات المفترسة:

يبدو أنّ تعدد الخلايا يوفِّر دفاعاً فعالاً ضد افتراس الدوار (Brachionus calyciflorus)، وجرت المقارنات بين معدّلات الافتراس عبر قياس امتصاص المفترسات لكل من المجموعات الأربعة المتضاعفة بدون افتراس وطرح معدّل  المجموعات الأربعة التي تعرضت للافتراس منه، هذه القيمة (Δabs) تُظهر اختلافات ملحوظة في المسارات لوحيدي الخليّة ومتعددي الخليّة المتعرضين للافتراس (الشكل الخامس)، ولتبسيط هذه التحليل أُخذت الاستنتاجات من قياسات النقطة الزمنية الأخيرة (الساعة 117)، وأظهر اختبار لتأثير النمط الظاهري (وحيدة أو متعدّدة الخليّة) على قيم الامتصاص في الساعة 117 أنً النمط الظاهري يملك تأثيرًا قويًّا على كثافة الطحالب.

أمّا السلالات وحيدة الخليّة، في المعدّل مرّت بمعدّلات افتراس أكثر ب 2.5 مرّة بالمقارنة مع السلالات متعدّدة الخليّة؛ حيثُ أنّ متوسّط الامتصاص في الساعة 177 (5 أيّام) كان 0.367 (الانحراف المعياري = 0.125) و0.140 (الانحراف المعياري = 0.260) لاثنا عشر سلالة وحيدة الخليّة و12 سلالة متعددة الخلايا على التوالي. عبر وقت الاختبار، اختلف انحدار الامتصاص بشكل ملحوظ بين وحيدي الخليّة (0.0030) ومتعدّدي الخليّة (0.0002) باستخدام الانحدار الخطّي أو التربيعي.

الشكل الخامس

المناقشة:

أظهرت النتائج أنّ الانتقال إلى دورة حياة متعددة الخليّة بسيطة من الممكن أنْ يحدث سريعاً كاستجابة لعامل ضغط انتقائي بيئي، عبر زيادة الحجم إلى ما يزيد عن “عتبة الافتراس” (أقصى حجم يستطيع المفترس امتصاصه و التهامه) للمفترس الذي يتغذى بالتصفية، بكتيريا (C. reinhardtii) التي تطوّرت من نسل وحيد الخليّة هي محميّة من الافتراس لجزء من دورة حياتها على الأقل، ووفقاً لانتقاء الحجم الأكبر تَشكُّل بنيات متعدّدة الخلايا قد يكون طريقاً أسهل من زيادة حجم الخليّة بسبب المقايضات التي تفرضها علاقات الحجم والقياس (الانخفاض في نسبة مساحة السطح إلى الحجم)، لأنّ مزيدًا من مسارات الطّفرات الجينيّة متوفّرة، ولأنّ الطفرات المتوفّرة لديها تأثيرات متعددة النمط الظاهري أقلّ عددًا أو شدّة.

تُوحي المشاهدات في الأنواع الأخرى أنّ السهولة النسبيّة في الانتقال من دورة حياة وحيدة الخليّة إلى متعدّدة الخليّة هي عامّة نوعًا ما، حدثت تحوّلات مشابهة كما ذكرت التقارير على مدى 100 جيل في الطحالب الخضراء (Chlorella vulgaris) و300 جيل في خميرة (Saccharomyces cerevisiae)، على الرغم من أنّ هناك العديد من تجارب تطوّر الميكروبات حيثُ لم يحدث تعدّد الخلايا،و من المؤكّد أنّ هذه الظاهرة ليست خاصّة بالـ (Chlamydomonas)، وقد يكون جوسبرج وستراثمان محقّين بتسميّة تعدّد الخلايا “الانتقال الثانوي الرئيسي”.

وعلى الرّغم من ذلك، الأدلّة المتواجدة تشير إلى وجود مكوّن عشوائي مهم يساهم في تطوّر تعدد الخلايا، وفي تجاربٍ سابقة حيثُ حدث تطوّر مستقر بعيدًا عن الافتراس، تطوّرت هياكل متعددة الخلية في واحدة من 10 مجموعات من (C. reinhardtii) وفي حوالي 70% من العديد من المجموعات المختارة من (C. vulgaris). في التجربة المذكورة في هذا المقال، العديد من أشكال تعدد الخلايا ظهر في اثنتين من خمسة مجموعات مختارة، ظهر لدى بكتيريا (S. cerevisiae) فقط أشكال من تعدد الخلايا تستمر عبر المجموعات المتكاثرة.

وأشكال تعدّد الخلايا التي تطوّرت في التجارب تحمل بعض التشابه مع الطور البالملي، حيثُ تتشكّل بنيات مؤقتة متعددة الخلايا تظهر تحت بعض الظروف في بعض الطحالب مثل (C. reinhardtii)، وتتنوع القدرة على تشكيل هذه البنيات حتّى ضمن الانواع والسلالات،  وفي النوع البرّي من (C. reinhardtii) تكون هذه البنيات مثالًا على تَكَيُّفِيّة النمط الظاهري (Phenotypic plasticity) عند تواجد أحماض عضويّة معيّنة، أو نقص في Ca2+ أو عوامل مخلبية (chelating agents)، أو تركيزات عالية من الفوسفات، أو بعض العوالق الحيوانيًة المُفترسة، وتحفز الحيوانات المفترسة تكوين هياكل متعدّدة الخلايا في الطحالب الخضراء (Chlorella) و(Scenedesmus) وفي البكتيريا.

يشمل المصطلح “هياكل الطور البالملي” (pamelloids) ظاهرتين مميّزتين: إخفاق الخلايا الوليدة في الهروب من جدار الخليّة الأم، مما ينتج عنه مستعمرات من أربع إلى 16 خليّة، وإنتاج مادّة هلاميّة تفرز خارج الخليّة، مما يؤدّي إلى التصاق الخلايا أو/و المستعمرات. من السهل التمييز بين جدار الخليّة والنسيج البيني الخارج الخليّة تحت التكبير، كون جدار الخليّة أقوى بكثير في منع مرور الضوء (يبدو أغمق)، وقد لاحظنا كلتا الظاهرتين في المستعمرات المتعددة الخلية المتطوّرة.

تشير قدرة النوع البرّي من (C. reinhardtii) على بناء هياكل الطور البالملي أنّ المجموعات الناتجة في تجربتنا تمتلك الأدوات اللازمة لإنتاج بنيات متعدّدة الخليّة، إلا أنّ الفرق يكمن في أنّ الطور البالملي اختياري في (C. reinhardtii)، بينما السلالات التي تطوّرت في التجربة متعددة الخلايا إلزامياً مثل الطور البالملي، وتفتقد السلالات المتطوّرة القدرة على الحركة، وذلك  يشير إلى أنّ القدرة على التعبير عن الأنماط الظاهرية وحيدة أو متعددة الخليّة قد تكون الحل الأمثل عندما يختلف عامل ضغط الافتراس عبر الزمن.

مشاهداتنا لدورة الحياة التي حدثت في ظروف مشابهة قدر الإمكان، تُظهر أنّ الأنماط الظاهريّة المتطوّرة قد يكون لها أساس جينيّ، وقد يكون هذا الأساس يتضمن استجابة سابقة في تكيفية النمط الظاهري (Phenotypic plasticity)، فإذا كان الأمر كذلك؛ فإنّ التحوّل من وحيدة الخليّة (لديها القدرة على اختيار تعدد الخلايا) إلى دورة حياة متعددة الخلايا بشكل دائم تحتاج فقط إلى التغيّر من تعبير جيني اختياري إلى إجباري في الجينات المشاركة في تكوين الطور البالميلي.

تُظهر النتائج أنّ الافتراس لعب دوراً في بعض أصول تعدد الخلايا على الأقل، وبالتوافق مع نتائجٍ سابقة يمكن للافتراس أنْ يقود تطور أشكال بسيطة من تعدّد الخلايا توفّر الحماية من المفترسات، أمّا “معضلة الدجاجة والبيضة، و أيهما جاء أولاً” التي طرحها بعض العلماء– الحاجة إلى مفترسات متعددة الخلايا لتقود تطوّر تعدّد الخلايا- غير موجودة؛ حيثُ أنّ الخلايا وحيدة الخليّة التي تتغذّى بالتصفية موجودة، مثل الـ (Paramecium) وليس هناك أي سبب يجعلنا نفكّر أنّ هذه المفترسات ظهرت بعد ظهور الحيوانات، علاوةً على ذلك بعض أصول تعدد الخلايا مثل التي ظهرت في الطحالب البنيّة وطحالب (volvocine) ظهرت بعد الحيوانات وقد تكون نتجت عن افتراس الحيوانات لها.

المصدر

المُساهمون:
  • ترجمة: رند فتوح
  • مراجعة: محمد علي
  • تدقيق لغوي: عبود أكرم

إضافة تعليق

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.