قدرات خارقة: كيف تستطيع الحيتان الغطس دون استخدام عدَّة الغطَّاسين؟!

0 258

الحيتان سادة الغطس العميق بلا منازع:

تستطيع الحيتان الغطس حتى أعماق تصل إلى 2000 متر تحت سطح المحيط، وقد تطول مدة الغطسة لتصل إلى نحو ساعة في بعض الحالات. ويُعد حوت «كوفيير ذو المنقار» (Ziphius cavirostris) صاحب الرقم القياسي في الغطس بين الثدييات البحرية إذ يستطيع الوصول لعمق قرابة 3000 متر، كَما سُجِّلت لبعض أفراده غطسات تخطت الساعتين.

صورة لحوت «كوفيير ذو المنقار»
مخطط يوضِّح الأعماق اتي تصل إليها أنواع مختلفة من الحيتان

مشكلة الغطس الفيزيائيَّة:

نحنُ نعلمُ أنَّه كلما توجهنا إلى الأعماق تحت سطح البحر، ازداد ضغط المياه على جسدنا، ويبلغ معدل الزيادة حوالي 1 ضغط جوي لكل 10 أمتار إضافية من العمق، هذا يعني أنَّ الضغطَ سيساوي 10 ضغط جوي على عمق 100 متر، أي عشرة أضعاف ما يتعرَّض له جسدنا في الظروف العادية، وهذا يكفي لقتلنا بسهولة، إذ ينضغط جسدُنا بشكل كافٍ لتفجير أيِّ عضوٍ يحتوي على فراغات مملوءه بالهواء، تحديداً أذنينا الوسطتين، جيوبنا الأنفية ورئتينا. ولكن كيف تتغلب الثدييات البحرية كالحيتان والفقمات على تلك المشكلة؟

كلمة السر:

«التوازن» هو كلمة السر! إذ لا يمكننا أن نعتمدَ على قوة أعضائنا في وضع كهذا لأنها ستُسحق، ولكن يمكننا أن نعملَ على موازنة الضغط بضغطٍ مضاد فيقل تأثيره علينا للحد الأدنى، وهذا بالضبط ما تفعله أجساد الحيتان (حصلت الحيتان على هذه «الميزة» عبر الإنتخاب الطبيعي منذ نزول أسلافها إلى البحر، أي قبل أكثر من 40 مليون عام، وقد تحدثنا عن هذا الأمر بتفاصيل أكثر في مقالنا: زيارة الفضائيون لمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية )

كيف تحقَّق الحيتان التوازن؟

لدى الحيتان «ضفيرة وريدية» (Venous Plexus) كثيفة للغاية (انظر للصورة المرفَقة):

  • توجد هذه الضفيرة حول كلٍّ من الأذن الوسطى والجيوب الأنفية، وكثافتها كبيرة جداً إذ لا تقارن بأي ثديي من أبناء عمومتها التي تعيش على اليابسة.
  • تحتقن هذه الضفيرة عند الضغط عليها في الأعماق الكبيرة، وتملأ المناطق المحيطة بالأذن الوسطى والجيوب الأنفية بالسوائل مما يطمس الفراغ الموجود ويقلله إلى حدٍّ كبير حتى يعادل الضغط الواقع عليه.
صورة تُظهِر الضفيرة الوريدية المبطنة للجدار الخارجي للجيوب الأنفية لحوت «عنبر».

إقرأ أيضا: قدرات خارقة: الفهد الإفريقي الصياد – الشيتا

ولكن ماذا عن الرئتين؟

رئات الثدييات البحرية قابلة للانضغاط بشكلٍ مدهش، ويقلُّ الفراغ داخل الرئتين كلما غاص الحوت أعمق حتى يتعادل الضغط عليهما، وكذلك تنتقل الغازات المحبوسة فيهما لتذوب في الدم والعضلات. ولكن كيف سيستطيع الحوت مواصلة الغطس دون أكسجين إذا ما استهلك كلَّ مخزونه من الأكسجين كي يعادل الضغط؟

حسناً، هو في الواقع لا يستهلكه في هذه العمليَّة! إنها حيلة أخرى مدهشة صقلها الانتخاب الطبيعي على مدار ملايين السنوات:

نسبة الدم في أجساد الثدييات التي تعيش على اليابسة (من ضمنها الإنسان) حوالي 70 مليلتر لكل كيلوجرام من إجمالي الوزن، ولكن تبلغ هذه النسبة 200-250 مليلتر لكل كيلوجرام لدى الحيتان، أي أكثر من 3 أضعاف أقاربها على اليابسة!

ليس هذا فحسب، بل تبلغ نسبة «الهيموجلوبين» (بالعدد لكل سنتيمتر مكعب) لدى الحيتان ضعف نسبتها لدينا! («الهيموجلوبين» هو البروتين الذي يرتبط بالأكسجين في الدم ويحمله إلى الخلايا)، هذا يعني أنَّ دمَ الحيتان يمكنه أن يعمل كصهريج ضخم ليخزن كميات مهولة من الأكسجين المذاب أكثر من أي كائنٍ آخر على وجه الأرض!

وفي الواقع لا تكتفي أجساد الحيتان بالدم فقط، بل تستخدم العضلات كمخزن إضافي معتمدة على نسبة عالية للغاية من «الميوجلوبين» («الميوجلوبين» هو البروتين الذي يرتبط بالأكسجين في العضلات) إذ تبلغ نسبة «الميوجلوبين» لدى الحيتان (بالعدد لكل سنتيمتر مكعب) 10 أضعاف نسبتها لديك!

إذاً، فهي تنقل الأكسجين من الحالة الغازية إلى الحالة المذابة، وتواصل استهلاكه بنفس المعدل وهي في الأعماق مجنبةً رئتيها الانسحاق تحت الضغط الهائل للمياه، وعند صعودها إلى السطح تعود الغازات تدريجياً إلى الرئتين موازِنةً للضغط الذي ينخفض تدريجياً.

وواقعاً، فإنَّ لصعودها وهبوطها التدريجي واستجابة الرئتين التدريجية لتغير الضغط فائدة أخرى هامة للغاية: ربما تكون قد سمعت من قبل عن مرض الغواصين أو مرض «تخفيف الضغط» (Decomposition sickness)، وهو مرض يصيب الغواصين وأحياناً الطيارين ورواد الفضاء بسبب الانتقال المفاجئ من منطقة ذات ضغط عالٍ إلى منطقة أخرى ذات ضغطٍ منخفض، حيث يعود النيتروجين المذاب في الدم إلى الحالة الغازية مكوناً فقاعات تسبِّبُ آلاماً مبرحة في المفاصل وكذلك اعتلالات في الرؤية والإدراك ووظائف المخ الأخرى، وقد تصل إلى الوفاة في بعض الأحيان، ولكنَّ الحيتان تستطيع تجنب هذة المشكلات الخطيرة بصعودها التدريجي المصحوب بالتمدد التدريجي لرئتيها. 

إذاً، ساعدت كلُّ هذه الصفات الأفراد الحاملة لها (الحيتان) على أن تبقى وتسود، وكذلك أن تنقلها إلى نسلها على مدار ملايين السنوات ليتسيد المحيطات، ولتصبح الحيتان سادة الغطس العميق بلا منازع.

صورة لحوت رمادي.

إقرأ أيضا: قدرات خارقة: الإيجوانا البحرية (الأكورديون الحي)

المصادر:

  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: هنادي نصرالله
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More