يَفترِضُ النموذج التأسّلي Atavistic Model ،المعتمد على الفيزياء، بأنّ السرطان يُعدُّ بمثابة “الوضع الآمن Safe Mode” للخلايا المُرهقة، وبأنّ الأوكسجين والمعالجة المناعيّة هما الطريقان الأمثلان لكبحِ جماح المرض.

يقول جرّاح الأورام والمعالجة المناعيّة في جامعة أديلايد Adelaide في أستراليا: “فَشِلَتْ كمياتٌ هائلةٌ من الأموال والعقول البرّاقة في العلوم البيولوجيّة والطبية في توجيه ضربةٍ كبيرةٍ في الحرب على السرطان، لذلك من الممكن أنّه آن الوقت لنماذج وحلولٍ جديدة. فمثلاً، عالم الكون يمكنه رؤية الخلية على أنّها (كونٌ داخليٌّ) يمكن استكشافه بطريقةٍ جديدةٍ”.

ووفقاً لذلك، قام بول دافييس Paul Davies -عالم الكون في جامعة ولاية آريزونا Arizona State University في Tempe (A.S.U) – مع زملائه بتأسيس نظريّة جدليّة جديدةٍ عن أصل السرطان، تعتمد على جذوره التطوريّة.

  فإذا كان هذا صحيحاً، يَفترِضُ نموذجهم هذا أنّ عدداً من المعالجاتِ البديلة و التي تتضمّن المعالجة بالأوكسجين والعدوى بالعوامل الفيروسية والجرثومية قد تكون فعّالةً بشكلٍ جزئيّ.

  إذاً هل يمكن للسرطان أن يكون الحالة الآمنة التي تستعد فيها الخلايا لأيّ خطرٍ؟ هذه هي الخلاصة التي توصّل إليها فريق دافييس.

  شكّل دافييس فريقاً مع شارلي لينويفر Charley Lineweaver-عالم البيولوجيا الكونية في جامعة أستراليا الوطنية في كانبيراThe Australian National University in Canberra،  ومارك فينسينت Mark Vincent -عالم أورامٍ في مركز لندن لعلوم الصحة London Health Sciences Center  في  أونتاريوOntario . وقاموا بتشكيل النموذج التأسلي Atavistic Model الذي يعتَبِرُ السرطان على أنّه إعادةُ تعبيرٍ لصفةٍ  قديمةٍ “المُبرمجة سابقاً” كانت هاجعة (أو صامتة).

   في ورقة بحثيّة جديدة نُشرت في BioEssays، كان النقاش أنّه بسبب ظهور السرطان في العديد من الحيوانات والنباتات، بالإضافة للإنسان، فلقد تطوّر السرطان منذ مئات الملايين من السنين عندما تشاركنا سلفاً مشتركاً وحيد الخلية حينها.

   في ذلك الوقت، استفادت الخلايا من خاصيّة الخلود، أو القابلية على التكاثر بشكلٍ غير مضبوطٍ كما في السرطان. ولكن عندما تطوّرت العضويّات المعقّدة متعددة الخلايا “نُقِلَ الخلود إلى البويضات والنطاف أمّا الخلايا الجسدية Somatic cells (غير المعنيّة في عمليّة التكاثر) لم تعد تحتاج لتلك الوظيفة.” كما قال دافييس.

  تقول الفرضية المُقترحة من قبل الفريق أنّه عندما تواجِه الخلية أيّ خطرٍ بيئيٍّ يؤثر في صحتها كالإشعاعات  أو أي عاملٍ حياتي آخر يمكن للخلايا عندها  أن تعود إلى “الوضع الآمن المُبرمج مسبقاً”. بهذه الآلية تقوم الخلايا بهجر الوظيفة الأعلى لها –كإفراز هرمونٍ مثلاً- وتسترجع قدرتها الهاجعة لتتكاثر في محاولةٍ ضالّةٍ للبقاءعلى قيد الحياة.

  يقول دافييس: “السرطان هو أمانٌ فاشلٌ، فعندما يُثار الروتين الثانوي تُنجِزُ برنامجها بقسوة.”

علاج السرطان تبعاً للنموذج التأسّلي

  بدلاً من مهاجمة القدرة التكاثريّة للسرطان أو “قوّة السرطان”، يطرح النموذج التأسّلي فكرة “الموقع غير المنيع للسرطان” أو “cancer’s Achilles’ heel”.

  إذا كانت النظرية صحيحة، فلقد تطوّر السرطان في الوقت الذي كانت فيه بيئة الأرض أكثرُ حموضةً وتحوي أوكسجيناً أقل من الآن. لذلك يتوقّع الفريق بأنّ علاج المرضى بمستوياتٍ عاليةٍ من الأوكسجين وتقليل السكر في حميتهم -لتقليل الحموضة- سيُجهِد السرطان ويسبب انكماش الورم.

  وفعلاً، تمّ استقصاء تأثيرات مستويات الأوكسجين على السرطان لعدّة سنوات وأظهرت نتائجَ داعمةً لأفكار دافييس، على سبيل المثال، برهن كريستيانو باليسترا Costantino Balestra-عالم الفيزيولوجيا في مدرسة بول هنري سباك  Paul Henri Spaak School وجامعة فري في براسلز the Free University of Brussels – وزملاؤه في عملٍ غير منشورٍ بأنّ المستويات المرتفعة بشكلٍ خفيفٍ من الأوكسجين يمكنها  أن تقللّ من موت خلايا  ابيضاض الدم دون أن تؤذي الخلايا السليمة.

  يقول باليسترا: “هذا يبدو سهلاً جداً، فنتائجُنا المبدئيّة تُظهِرُ بأنّ تأمينَ القليل من الأوكسجين الإضافيّ لساعةٍ أو ساعتين يومياً -بالترافق مع علاجات السرطان التقليدية- سيساعد المرضى بدون أي تأثيراتٍ جانبيةٍ مؤذيةٍ.” ولكن هذا لا يؤكّد تجريبياً فرضية دافييس ولا يمكن أن يُؤخَذ كدليلٍ لصحّة النموذج التأسُّلي.

  يُؤيّد دافييس وزملاؤه العلاج المناعي أيضاً، على وجه الخصوص حَقنُ مرضى محددين بعواملَ فيروسيّةٍ وجرثوميّة. يستقصي باحثون طبّيون الآثار الواعدة لأسلوبِ دعمِ الجهاز المناعيّ للمرضى بشكل صنعيّ لمساعدتهم في التعافي، فلقد كان للعلاج المناعي مثلاً؛ أثرٌ جيّدٌ جداً في علاج الورم الميلانيني Melanomas، ويتم الآن دراسة تأثيرِه على السرطانات الأخرى.

ولكن تبعاً للنموذج التأسُّلي -بالإضافة لتقوية الجهاز المناعي- فإنّ الخلايا المصابة بالسرطان يمكن أن تكون أضعف من الخلايا السليمة في مواجهة العوامل الممرضة وأكثر عُرضةً للموت كونها تفقد الكثير من وظيفتها الدفاعية عند تحوّلها لـ”وضعها الآمن”. يقول دافييس أنّ دراسةً حديثةً -والتي أظهرت بأنّ حقن أبواغ المِطَثِّيَّة Clostridium (جراثيم إيجابيّة الغرام اللاهوائية ذات أبواغ) في الجرذان والكلاب والمرضى البشر- دعمت تفسيره .

  بقي بعض العلماء مرتابين لذلك من أمثال ديفيد غورسكي David Gorski، جراحُ أورامٍ في جامعة ولاية واين Wayne، ويقول: ” لم تأتي توقّعات النموذج التأسُّلي بشيئٍ لم يذكره العلماء سابقاً بطرقٍ أخرى.”

  قام دافييس وفريقه باختبارٍ مباشرٍ أكثرعن نظريتهم للإجابة على مثل تلك الإنتقادات. ويبيّن دافييس: “مفتاح نظريّتنا هو النظر إلى كلّ أعمار المورّثات المسؤولة عن السرطان.”

  توضّح نظرية التأسّل ذلك عند بداية تشكّل السرطان، فالخلايا السرطانية تعود إلى وضع بدئيّ وتَفقُد لاحقاً الوظائف المتطوّرة. كما ويتوقع الفريق بأنّه مع تطوّر السرطان، فإنّ الكثير من المورّثات المتطوّرة ستفقُد وظيفتها، بينما المورثات القديمة ستصبح فعّالة.

  للتأكّد من صحّة هذه النظرية، يقوم دافييس وزملاؤه حالياً بتصالبٍ مرجعيّ للبيانات من أطلس الجينوم السرطانيّ Cancer genome atlas- والذي يُحدّد المورّثات المسؤولة عن نشوء لسرطان- مع العديد من قواعد البيانات التي تصنّف المورثات التي نتشاركها مع الأنواع الأخرى.

 مكّنت البيانات الأخيرة البيولوجيين من تعقُّب أعمار المورّثات. فأيُّ علاقةٍ  بين عمر المورّثة والسرطان ستكون داعماً كبيراً لنموذج التأسُّل. يقول دافييس: “الجمع بين مجموعتي البيانات تلك لم يقمْ أحدٌ بها من قبل، لكنّها بشكل أساسيّ تمرينٌ غيرُ مُكلفٍ للبحث في البيانات، وهذا ما نعملُ عليه الآن.”

  • ترجمة: مصطفى علي بجود
  • مراجعة: نسيم الخوري