0 186

لقد غيّرت التكنولوجيا الحديثة العديد من الأشياء في حياتنا، متضمّنةً طرق التواصل والسفر والتسلية. وتعد الآلات الإلكترونية والمحاكاة الحاسوبية ثورة في العلوم. كما أنّ الرياضيات، وهي أحد أنقى أشكال المنطق والاستنتاج البشري، قد تغيرت بفضل النهج الحاسوبي. وحتى الفنّ خضع لثورة عميقة في طريقة تشكيله وتقديره بالاستعانة بالمعالجة السريعة والمخرجات البيانية لأجهزة الحاسوب، حتى المسافة ما بين الفنّان والمبرمج الحاسوبي والرياضياتيّ تصبح ضبابية أكثر. في هذا المقال يقودنا  لويس دارتنيل عبر بعض الأمثلة عن الموجة المثيرة الجديدة للفن الرقمي.

إمكانيات جديدة

كان الفن في الماضي محدوداً بالإبداعات الثابتة كالرسم الزيتي، وفن النحت، أو التصوير الفوتوغرافي، ينتجها الفنان ثم يشاهدها متابع الفن.

هذه الأيام، الفن المرئي المرتكز على الكمبيوتر يسمح بأشكال فنية ديناميكية محسّنة تتطوّر أو تتّسع أمام أعيننا. ربّما لا يكون للفنان أي فكرة عما يمكن أن ينبثق في النهاية، حيث تتوفر لدينا إمكانية مثيرة في التركيبات بمساعدة الحاسوب هي الفن الرقمي التفاعلي الذي يستجيب لسلوك المشاهد، على سبيل المثال، من خلال الإدخال عبر حركات فأرة الكمبيوتر أو ربما حتى من خلال تتبع حركات أجزاء مختلفة من الجسم. ليس المهم في هذا الفن الرقمي الديناميكي مظهر الناتج النهائي بقدر السلوك المتشكل من القِطَع الفنية عبر الزمن، وفي الواقع يصبح للمشاهد دور في تعديل العمل الفني، ومن الممكن أن يصبح هو الفنان بنفسه.

View post on imgur.com

من عمل الفنان Wolfgang Beyer

 

لعبت الرياضيات كلُغة للشكل والنموذج دوراً هامّاً في الفن، لكنّ صعود الفنّ المتولّد نتيجة استخدام الكمبيوتر يطمس الحدود بين الفنّ والرياضيّات بشكلٍ أكبرَ. إنّ عمليّة البرمجة وإيجاد طرق لتخزين البيانات ثمّ إبداع خوارزميات منطقيّة لتوليد المخرجات المرغوب بها، هي بحدّ ذاتها رياضيات فعلاً!

كما تُستَخدَم رياضيات الفيزياء لإعادة إنشاء العمليات الفيزيائية بشكل واقعي، وتفرض الموسيقى في الكمبيوتر، استخدام الكمبيوتر لإيجاد هذه الأنماط والميزات التي تميّز الموسيقا من مجرد الضجة، مجموعةً كبيرة من التحديات الرياضية. ونتيجةً لذلك كان العلماء والفنيون في مجال البحث يسيطرون على بدايات الرسوم الحاسوبية والفن الرقمي، حيث كانوا الأشخاص الوحيدين الذين يتمتعون بمعرفة تخصصية وإمكانية الوصول لتشغيل الحواسيب النادرة وغالية الثمن في ذلك الوقت. حتى عام 1969 قالت جاسيا ريتشاردت التي كانت القيِّمة على معهد الفنون المعاصرة (ICA) في لندن:

“حتى الآن قام ثلاثة فنانين فقط بإنتاج رسومات حاسوبية أما النتاجات الفنية الباقية حتى هذا التاريخ فهي أعمال العلماء”.

منذ ذلك الحين ازداد عدد الفنانين الذين يستخدمون الحاسوب في أعمالهم بشكل كبير، وبخاصة مع ظهور الحواسيب الشخصية ولغات البرمجة سهلة التعلم. مثل لغة البرمجة الحديثة Processing التي تقدّم خطوات واسعة في تمكين الفنانين من أن يصبحوا مبرمجين، وتمكنّ المبرمجين من أن يصبحوا فنانين، سنلقي نظرة على هذا البرنامج الحاسوبي في وقت لاحق.

View post on imgur.com

View post on imgur.com

كمثال واضح على المجال الذي أصبحت فيه المرئيات المصمّمة باستخدام الكمبيوتر مهمّة يأتي مجال صناعة الألعاب والسينما. كما أن الرسومات في ألعاب الفيديو والصور المصمّمة بواسطة الكمبيوتر (CGI) غدت شائعة جداً هذه الأيام في الأفلام والبرامج التلفزيونية الوثائقية وتعتمد بشكل كبير على الرياضيات (قد قطعت الصور التلفزيونية المصممة بواسطة الكمبيوتر شوطاً طويلاً منذ البرنامج Walking With Dinosaurs).

إن النماذج المستخدمة للتحريك الفيزيائي الواقعي للوحوش الضخمة وجعل هذا النموذج في صورة واقعية للرسوم المتحركة، لا سيما الطريقة التي يتفاعل بها الضوء مع المواد المعقّدة أو البنى السطحية مثل المياه المتموجة أو المعاطف ذات الفراء الحيواني الكثيف، ستكون مستحيلة دون الكمبيوتر، عبر الاستعانة بالرياضيات بفروعها المختلفة مثل الإحداثيات الديكارتية، وعلم المثلثات، والأشعة وهلمّ جرا. يُقال بأنّ المصممين العاملين في فيلم Shrek ناضلوا جاهدين ليحصلوا على كأس زجاجية من الحليب تظهر بشكل واقعي في مشهد رجل الزنجبيل.

في الوقت الذي كان فيه الجزء الثاني من فيلم Shrek قيد الإنتاج حلّ فنّانو الغرافيك المشكلة، وكانوا قادرين على تحسين الواقعية بشكل عظيم عبر نمذجة الحليب بأنه سائل غير شفّاف، بل اعتباره شفافاً بشكل جزئي، يسمح للضوء داخله بأن يتبدّد قبل خروجه مجدّداً. لقد كانوا فخورين جداً بهذه المهارة الجديدة، حيث احتوى الجزء الثاني على كميات متدفقة من الحليب: أحواض كاملة منه على جوانب القلعة! نجد أن واقعية الرسومات المنتجة باستخدام الكمبيوتر تتطور باستمرار، وفي المستقبل القريب لن نستطيع تمييز المرئيات في ألعاب الكمبيوتر أو تراكيب الفن المرئي عن مثيلاتها في الواقع.

بشّرت الحواسيب بثورة ليس فقط في مجال إنتاج الفن المرئي بل أيضاً في كيفية تفاعل القطعة مع محيطها، مع الفنان أو حتى مع المشاهدين. تخيّل أنك لا تتطلع فقط إلى لوحة بشكل عابر في معرض فني مزدحم، بل ترقص أمام تركيبة مع وجود شاشة عرض مع ألوان وحركة، ومع استجابة فورية لأفعالك وتفسيرها. يمكن لأشكال الفن الحركية أن تستخدم أجهزة إدخال مختلفة ومعالجة حاسوبية تسمح بالاستجابة الفورية.

تمتدّ مدخلات التحكم هذه إلى ما هو أبعد من أجهزة الكمبيوتر القياسية من لوحة التحكم أو الفأرة، ويمكن أن تشمل مقطعاً مسجلاً من صوتك يلتقطه ميكروفون أو إيماءات جسدك التي تلتقطها كاميرا الويب. قد يكون من الصعب جداً تنفيذ هذا الشكل من العمل الفني الحركي التفاعلي الذي تتحكم به الحركات كما يلتقطها الكمبيوتر. لكننا نحتاج لحلول معقّدة جداً لتمكين برنامج حاسوبي من تحديد الميزات من كاميرا الويب. اختيار المناطق الأكثر سطوعاً أو ظلاماً في مجالها المرئي سهل، لكن من الصعب جداً على الكمبيوتر التحديد الدقيق لرأس أو يد مؤدي الحركات، خاصةً عندما يتحرك ويغير بشكل مستمر الشكل أو السطوع.

يظهر بوضوح أنّ الفكرة الأساسية من الفن الرقمي الديناميكي هي أن تكون موجوداً، تختبر الأداء الحركي وربما حتى توجّهه بنفسك. لكن يمكنك الشعور بالأفق والخيال الموجود في الفن الرقمي في اختيار المشاريع المعروضة أدناه. ليست هذه الأمثلة إلا تذوّقاً لمجموعة متنوعة ضخمة من الفن الرقمي والتي تُستكشف حول العالم، وعلى خشبة المسرح، وعلى شاشة التلفزيون، وفي تراكيب المعرض… سوف لن نتطرق إلى التحديات الرياضية المفروضة من القطع التالية. يمكن جمع المزيد من المعلومات من خلال تتبع روابط مواقع الفنانين.

إقرأ أيضا: هل هناك علاقة بين الشطرنج والرياضيات؟

بدون عنوان

من أجل برنامج حاسوبي بسيط نسبياً (باستخدام المعالجة)، هذه القطعة الفنية الرقمية من عمل لِيا تولّد مخرَجات جميلة بشكل لافت للنظر. انقر الرابط  موقع لِيا  واستخدم فأرة الحاسوب للتفاعل مع الحركة. هنالك مجموعة كثيفة من الخطوط التي تنتشر حول الموضع الحالي للمؤشر، وتتحرك حول الشاشة وتؤثر بكيفية توسّع الخطوط وتقلصها.

View post on imgur.com

إقرأ أيضا: جمال الرياضيات في عقل الناظر

حيوان R.E.M

وقد برهن أحد الأمثلة الحديثة للفن الرقمي الحساس الظاهر على التلفزيون ضمن الفيديو الموسيقي لحيوان الـ R.E.M. الوحيد. يكشف الكسوف الكلي للشمس للمغني الرئيسي، مايكل ستايب، عالَماً كاملاً خفيّاً تحت خطوط الاتصالات والطاقة الممتدّة ما وراء الواقع الذي عادةً ما تكون رؤيتنا له قاصرة مقيَّدة. الأرقام التي تسلك ممراتٍ تشعّ بالوهج، وعندما يحلّق ستايب في الهواء وهو يغنّي، تُلتقَط حركات جسده من خلال ومضات النجوم المتّقدة، وربطها بشكل عابر معاً في مجموعات النجوم.

View post on imgur.com

 

إنّ عملية ما بعد الإنتاج للفيديو الموسيقي هذا تستخدم الكثير من التقنيات الفنية الرقمية، مثل تشغيل الرسومات النجمية الديناميكية للتفاعل مع المغنّين. يظهر على اليسار التطبيق الصغير الذي أنتجه Ryan Alexander باستخدام المعالجة Processing، منتِجاً تأثير المجموعة النجميّة المتدفّقة. انظر المزيد حول StarNurseryon the Processing website.

إقرأ أيضا: كيمياء الموسيقى؛ كيف تشعرنا الموسيقى بالسعادة؟

وحوش الظل

وحوش الظل هو تركيب تفاعلي ثُبَّتَ عام 2005، يدعو المشاهدين لاستخدام أيديهم وأذرعهم لتشكيل مخلوقات في الظل، كدمى تفتح وتغلق فمها، وتظهر على شاشة بيضاء. ويراقب هذه الظلال جهازُ كمبيوتر يدعم خاصية الكاميرا يعمل على إعادة تفسير الظل. خيالات الوحوش تتشكل ديناميكياً من أي خيالات ساقطة على الشاشة، متكاملة مع صفوف الأسنان والمخالب والأشواك على ظهرها. وتُعرض هذه التشكيلات الوحشيّة مجدّداً على شاشة عرض كبيرة تماماً كما لو أن “المؤدّين” كانوا يلقون الظلال بأنفسهم على الشاشة. والأفضل من ذلك، يولد البرنامج الحاسوبي مؤثرات صوتية واقعية للصراخ والهدير من إيماءات الأيدي كما لو أنّ ظلال الدمى تفتح وتغلق أفواهها. من الصعب استحضار مثال للفن الرقمي التفاعلي يكون أكثر روعةً ومرحاً.

View post on imgur.com

 

Messa di Voce ميسّا دي فوتسِه

ميسّا دي فوتسِه هو أداء صوتي مرئي شكّله مجموعة من أربعة فنانين، تُعاد صياغة بعض أجزائه لاحقاً للجمهور للتجربة المباشرة. العنوان “ميسّا دي فوتسِه” من أصل إيطالي، وهي تقنية صوتية يستخدمها المغنون وتعني “استثمار الصوت”، وهي مناسبة جداً للمهارات الصوتية غير المعقولة التي أظهرها أداء الفنانين هنا. يُستخدم الكلام والغناء والمؤثرات الصوتية الأخرى الناتجة عن المؤدّيَين مع كاميرا فيديو تتبع تحركاتهما على المسرح، كمدخلات لبرنامج فني رقمي مخصص يولّد مرئيات ديناميكية ويعرضها على الشاشة. التأثير المذهل بالنسبة للجمهور هو أصوات الفنانين التي تنبض بالحياة، الأصوات الملوّنة النابعة من أفواههم بطرق سحرية مختلفة.

نُفِّذت العروض الأساسية في عامي 2003 و2004، لكنها وثِّقَت بالصور والفيديوهات التي تستطيع مشاهدتها على الإنترنت، هذا الفن الرقمي الذي لا يُعقل أن يكون مرئياً ليُصدّق!

View post on imgur.com

إقرأ أيضا: عندما يَخلق اِجتماع العلم بالفن إبداعاً !

شارِك!

أُنشئ الكثير من الفن الرقمي الاستعراضي المذكور في الأعلى باستخدام لغة برمجية جديدة تدعى المعالجة Processing. لقد أنشئت في مخبر معهد MIT للإعلام كنتيجة للتعاون بين علماء الكمبيوتر والفنانين، بشكل خاص لجعل البرمجة محسوسة وسهلة أقصى ما يمكن.

وهذا يعني أنك لن تجد صعوبة مطلقاً في إدراك هذا البرنامج بتعلم القليل من البرمجة الحاسوبية والبدء بحماسة بصناعة هذا الفن المرئي الأخّاذ بنفسك! يمكن تحميل المعالجة Processing مجاناً، وهي حزمة صغيرة قابلة للتثبيت بسهولة. وتحصل عليها بالإضافة لملف مساعد ليساعدك في البداية، ولكن المرجع الأفضل للمعلومات لتعلم الأساسيات والنظر إلى الميزات الأكثر تقدماً إن كنت قد برمجت سابقاً (العمليات المرتكزة على جافا)، هو أن تستكشف الدليل والنقاشات على موقعهم الممتاز. قام العديد من الفنانين بتحميل الشيفرات الحاسوبية من إبداعاتهم الخاصة ولذلك عليك أن تكون قادراً على انتقاء واختيار القطع التي تريد تجميعها لتشكيل القطعة الفنية الرقمية الخاصة بك في وقت قصير جداً. كما يوجد عدد قليل من الكتب عن الprocessing التي تستهدف كل من المبتدئين والفنانين الأكثر خبرة/ علماء الكمبيوتر.

وللاطلاع على المزيد من الكتب والمراجع انظر المصدر .

 

  • ترجمة: يارا بو سعد
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض
تعليقات
Loading...