أنت تعيش الآن حياةً تعتقد أنك مسؤول عن معظم تفاصيلها، أي أنك اخترت هذه الحياة من خلال عدة قرارات اتخذتها في الماضي، تعيش في منزل اخترته من بين عدة منازل، وتعمل عملاً فضلته على غيره، ولكن هل أنت فعلاً من اتخذ هذه القرارات أم أنها كانت حتمية نتيجةً لأسباب متتالية بعضها يمكن تحديده وبعضها عشوائي لدرجة كبيرة، مثل عدم قدرتك على اختيار والديك أو على اختيار لون بشرتك أو طول جسمك، هذه الأسباب التي فرضت عليك نتيجتها ستوقعك في تساؤلاتٍ كبيرة إذا حاولت التفكير بعيداً، هل كانت خياراتي الحرة حرةً فعلاً، أم أنها كانت نتيجةً حتمية لأسبابٍ متراكمة فُرضت علي؟ هل كانت قراراتي ملكاً لي، أم أن هناك من اتخذها عني وألزمني بها؟ هل يسير هذا الكون الذي يبدو عشوائياً إلى درجةٍ كبيرة إلى مصيرٍ محتوم ولا يملك أحدنا الخيار لتغييره؟

هذه التساؤلات تنطوي تحت سؤالٍ قد يكون أكبر المشاكل الفلسفية التي طرحتها البشرية وهي: “هل نملك الإرادة الحرة؟”، هذا السؤال قديمٌ جداً وحاول الكثيرون الإجابة عليه ووضعوا فرضياتهم التي كانت متناقضة في الكثير من الأفكار، وبقي الجواب الوحيد الصحيح بانتظار تحديده، ولن تكون الفلسفة كافيةً للوصول إليه بل أصبح من الضروري دخول العلوم الأخرى.

سنناقش معكم في هذا المقال مفهوم الإرادة الحرة من جوانب مختلفة، وسنبدأ معكم بوجهة النظر الفلسفية:

استناداً للأسطورة اليونانية، عندما وُلد أوديب كان هناك نبوءة تقول أن أوديب سوف يقتل والده ويتزوج أمّه، لذلك قرر والده ترك ابنه أوديب وحيداً في الغابة مفترضاً أنه سيموت وأن النبوءة لن تتحقق، ولكن بدلاً من ذلك يتم اكتشاف أوديب من قبل عائلة أخرى تتبناه وتقوم بتربيته، وعندما يكبر يتم إخبار أوديب بالنبوءة، لذلك يقوم بالسفر بعيداً عن عائلته التي تبنته غير عالمٍ بأنّه قد تم تبنيه، مفترضاً أنّه إذا كان بعيداً عن والديه فإنّ النبوءة لن تتحقق، وأثناء سفره يدخل في شجار مع أحد الغرباء ويقوم بقتله ليتضح لاحقاً أن هذا الغريب هو والده الحقيقي الذي لم يلتق به من قبل، وبعدها يتزوج أرملته التي هي أمّه الحقيقية دون أن يعرف بذلك.

من البديهي أن أياً منا سيحاول تجنب هذا المصير، ولكن بالنسبة للفلاسفة فالمغزى من كل هذه القصّة أنه لا يمكنك أن تتفادى مصيرك.

فهل نحن أحرار؟

من جهة، معظمنا يعتقد بشكل مطلق أنّنا أحرار، نحن نشعر بذلك ونشعر بأننا نقوم باتخاذ كل القرارات التي تقود إلى تكوين معتقداتنا وأفعالنا مثل قيامك بالضغط على رابط هذا المقال بملء إرادتك.

وهذه هي وجهة نظر حرية الإرادة الليبرالية Libertarian free will وللتوضيح: تختلف حرية الإرادة الليبرالية عن الليبرالية السياسية، فكلاهما يأخذان اسمهما من كلمة الليبرالية، ولكن الليبرالية السياسية هدفها التحرّر من تدخلات الحكومات، بينما الأشخاص الذين يؤمنون بحرية الإرادة الليبرالية قد يكونون تابعين لأي طرف وليس بالضرورة أن يكونوا من أنصار الليبرالية السياسية، هم فقط يظنون أنّنا نستطيع أن نتصرف بحرية من منطلق ميتافيزيقي.

فإذا نستطيع تعريف حرية الإرادة الليبرالية بأنّها: كون الإنسان يملك كامل الحرية للتحكم بقراراته وأفكاره وأفعاله ولا تحكمه أي قوة أو آلية فيزيولوجية أو كيميائية أو فيزيائية، وفي هذه الحالة لا يمكننا ادراك ماهية صانع القرار.

ومن جهة أخرى، معظمنا أيضاً يعتقد أن كل حدث له مسبب وأن كل الأحداث التي تجري الآن في الحاضر هي نتيجة حتمية لأحداث كانت قد وقعت في الماضي. وهذه هي وجهة نظر الحتمية Hard determinism

الحتمية Hard detetminism: هي كون الإنسان محكوم بفيزيولوجيا دماغه، فالدماغ كغيره من الأعضاء كالكبد والكلية يؤدي وظائف فيزيولوجية محددة بقوانين فيزيائية وكيميائية، أي أن هذه الفيزيولوجية تتخذ القرارات وتوعز لتنفيذها ومن ثم يدرك الإنسان هذا القرار (قبل تنفيذ القرار أو خلاله) معتقداً بأنه اتخذه بشكل حر تماماً بينما هو محكوم بما يجري في دماغه (على سبيل المثال فإن تغير بسيط في أحد العمليات في الدماغ كنقص أو زيادة أحد النواقل العصبية عن حد معين سيغير من القرار الصادر عن الدماغ).

إن معظم الأشخاص الذين يقرؤون هذا المقال يؤمنون بالفكرتين بآنٍ معاً (معظم أفعالنا حرة، وأن الكون محكوم بقوانين السبب والنتيجة)، ولكن من الواضح أنه لا يمكنك بشكل عقلاني أن تتبنى كلا الفكرتين معاً.

  • قام الليبراليون بتعريف الأفعال الحرة استناداً إلى مبدأ الخيارات البديلة وهو ما يعني أن الفعل يكون حراً فقط إذا ما كان الشخص الذي يقوم بهذا الفعل قادراً على اتخاذ غيره، وبالتالي حرية الفعل الحقيقية تتطلب وجود الخيارات.
  • الحتمية وبعكس الليبرالية لا تسمح بوجود الخيارات، آخذين بعين الاعتبار أن كل فعل له مسبّب، فالشخص لم يكن ليستطيع القيام بأي شيء آخر مختلف عمّا فعله، أي اتخاذ الخيارات الأخرى التي كانت متاحة سابقاً، والمثال هنا هو عدم قدرتك على اتخاذ الخيار الآخر بعدم الضغط على رابط المقال وبالتالي لا نستطيع القول أنك حرٌ في هذا الاختيار.

الصراع ما بين الليبرالية والحتمية هو صراع قديم جداً فقد ظهرت عبر التاريخ العديد من الفرضيات حول ذلك، وكانت في الغالب دينية وفلسفية افترض بعضها أن الإنسان سائرٌ إلى مصير محتوم وكل ما يقوم به مقدرٌ مسبقاً، وبعضها الآخر افترض أن الإنسان يملك الحرية الكاملة في توجيه مسار حياته، أما الآن فقد أصبح من الضروري أن يقول العلم كلمته في هذا الموضوع من خلال دراسة دماغ الإنسان وفيزيولوجيته، ولكن هذا ليس بالأمر السهل فالدماغ أعقد أعضاء جسم الانسان والأقل فهماً من بينها على الرغم من التقدم الكبير في دراسة تشريح الجهاز العصبي ككل ووظائفه وإمراضياته.

مفهوم الإرادة الحرة مرتبط بشكل أساسي بالوعي، أي إدراكنا لما نقوم به ولما يدور حولنا ولكن مفهوم الوعي أيضاً يشكل مشكلة علمية وفلسفية على حدٍّ سواء، فقد شاعت على مر التاريخ فرضيتين متخالفتين حول ذلك:

  • تفترض الأولى أن الدماغ والعقل أمرين منفصلين والوعي ناتج عن العقل الذي اعتبر كطاقة أو روح الإنسان وأفكاره والدماغ هو الجزء المادي والخاضع لإرادة العقل، كان لهذه الفرضية الكثير من المعارضين، فلا دليل علمي مادي على صحتها ولا يمكن اختبارها للتحقق منها.
  • أمّا الفرضية الثانية فقد اعتبرت أن العقل والوعي ناتجين عن الجزء المادي والذي هو الدماغ، وما ساعد في دعم هذه الفرضية كون أذية بعض أجزاء الدماغ قد تؤدي لاختلال في حالات الوعي ولكنها بقيت أيضاً غير مفهومة بشكل دقيق.

الإرادة الحرة وعلم الأعصاب

سنورد فيما يلي عدة أفكار وتجارب علمية لمناقشة فكرة الإرادة الحرة من وجهة نظر علم الأعصاب:

1- الدماغ يتخذ قراره قبل إدراكنا له:

قام عالم الأعصاب بينجمين ليبيت (Benjamin libet) بسلسلة من التجارب المميزة في بداية الثمانينات من القرن

الماضي والتي تم تبنيها من قبل فريق الحتمية لإظهار أن الإرادة الحرة غير موجودة.

تتضمن التجربة عرض شاشة على متطوع تحوي نقطة تدور بشكل دائري بعكس باتجاه عقارب الساعة ولكن بسرعة أكبر، على مسار مدرج مشابه لتدريجات الساعة الكلاسيكية (15-30-45-60) كما في الصورة، ويتم وصل حساسات لنشاط القشرة الدماغية إلى رأس المتطوع ثم يُطلب منه القيام بالضغط على زر معين عندما يقرر اختيار تدريجة محدّدة كانت النقطة الدوارة قد مرّت بها.

إضغط هنا للتفاصيل

تُظهر التجربة وجود ارتفاع في فعالية القشرة الدماغية قبل حوالي 350 ميلي ثانية من وعي المتطوع بأنه سيقوم بالاختيار(الضغط على الزر) مع وجود زمن صغير يقدر بحوالي ال50 ميلي ثانية منذ وعي الشخص (قيامه بأخذ قراره لتحديد موقع النقطة) وحتى وصول السيالة العصبية إلى العضلات التي ستنفذ أمر الضغط على الزر، هذا ما حيّر ليبيت ليدفعه بعد ذلك ليقول بأن لحظة وعينا هي رأس جبل الجليد، فقبل أن نعي هناك عملية منتظمة تسير في الدماغ “تتسبب” في هذه النية، التي نؤمن تماماً أننا اتخذناها بكل حرية، وهذا يعني أن الباحث الذي يجري التجربة قادر على إخبارك بأنك ستنوي القرار قبل أن تنويه فعلاً بمدة وجيزة.

وهنا ظهرت العديد من التساؤلات: هل اتخذت أدمغة المشاركين القرار؟ وهل شعور المرء بأنه أقدم على اختيارٍ ما ليس إلا وهماً؟ ومنذ ذلك الحين لا يزال الجدل محتدماً في هذا الشأن، وفي كل عام، يُكتب المزيد عن تجربة ليبت، بل إنها أدت لنشوء مجال بحثي مزدهر يشهد إجراء دراسات مفصّلة حول العلاقة بين علم الأعصاب والإرادة الحرة للإنسان.

2- التصرف الإرادي يمكن تحفيزه من خلال منبهات غير مُدركة:

ظهرت هذه الفكرة بعد مجموعة من تجارب عمل عليها Taylor JL وMcCloskey DI عام 1990، واعتُمد في هذه التجارب على حقيقة أن الإنسان لا يمكنه إدراك منبه حسي ضعيف إذا تبعه منبه أقوى منه، لكنه يدركه (المنبه الضعيف) إذا أثّر وحيداً، أي أن المنبه القوي يقوم بحجب المنبه الضعيف عن الإدراك.

استعين في هذه التجارب بمجموعة من المتطوعين حيث تم تقسيمهم إلى مجموعتين، وعرّضت كلا المجموعتين لمنبهين أحدهما ضعيف والآخر قوي، لكن إحدى المجموعتين كانت على معرفة مسبقة بأنها ستتعرض للمنبهين الضعيف والقوي، أما الأخرى فلم يتم إخبارها بذلك.

أجريت التجارب في ظروف مختلفة وباستخدام منبهات مختلفة (بصرية أو لمسية) وكانت النتائج متشابهة في جميع الحالات، فالمتطوعون في المجموعتين تصرفوا (تصرفاً إرادياً) يتلاءم مع المنبهين الضعيف والقوي، أي أن أفراد المجموعة الثانية قد تصرفوا إرادياً تجاه منبه لم يدركوه، وكان ترتيب الأحداث هنا تنبيه- استجابة- إدراك وليس تنبيه- إدراك– استجابة، كما هو مفترض بحال كان قرارهم للاستجابة للمنبهات حراً، فلم تتدخل معرفة المتطوعين وإدراكهم لما يجري حولهم في تصرفهم الإرادي في هذه الحالة، ولكن دماغهم هو من استلم زمام الأمور.

3- إدراك الفعل الإرادي يعتمد على السبب وعلى النتيجة:

ليكون الفعل الإرادي حراً يجب أن يكون ناتجاً عن أفكار ومحاكمة الشخص، وأن يكون تالياً لهذه الأفكار وليس سابقاً لها، فلو كان سابقاً لها فالإرادة الحرة مجرد وهم، ولكن من السهل إيهام شخص ما بأنه قام بفعل ما بنفسه، وهذا سيقوده للاعتقاد بأنه قام بالفعل بإرادته الحرة.

عمل على اختبار هذا عام 1999 Wegner DM و Wheatley T حيث تمكنوا من إيهام المتطوعين بأنهم اتخذوا القرار بإرادة حرة للقيام بفعل ما، دون أن يقوموا به أساساً، فهل يمكن أن تكون جميع أفعالنا الإرادية وهماً كما حدث في هذه التجربة!

عند اتخاذك قراراً لمواجهة أمر ما هي العوامل التي تتدخل في هذا؟

هذا القرار سيتأثر بالخبرات السابقة والمعارف والمشاعر الحالية والتوقعات والإمكانيات، وحاجات الجسم الفيزيولوجية، وبتغير أي من هذه المتغيرات سيتغير القرار، مما لن يترك مجالاً للعشوائية، ويزيد من تعقيد مفهوم الإرادة الحرة.

كما تحدثنا سابقاً فإن الفعل ليكون حراً يجب أن يكون تالياً للمحاكمة والتفكير، أي أنه نابع عن قرار اتُخذ بعد دراسة الخيارات والإمكانيات والنتائج الممكنة وغيرها، لكن ماذا لو راقبت تصرفاتك اليومية؟ هل ستجدها متلائمة مع هذه القاعدة؟

الكثير من التصرفات اليومية الصادرة عن الإنسان تكون أوتوماتيكية يقوم بها دون تفكير، (كأن تقفل باب المنزل دون أن تشعر بذلك أو تتذكر قيامك بهذا، كأن تجيب على سؤال فوراً دون تفكيريك بالجواب، كأن تشعل سجائرك عفوياً وفجأة تجد نفسك تقوم بتدخينها، وغيرها الكثير…..)

هذه التصرفات الأوتوماتيكية توقعك في حيرة من نفسك، من الذي أصدر الأوامر لهذه الأفعال إن لم تكن أنت؟

يمكن لدراسة الاضطرابات والأمراض العصبية أن تساعدنا في محاولة فهم آلية عمل الإرادة الحرة والأفعال الإرادية، فعلى سبيل المثال المرضى المصابين بداء الرقص (هنتنغتون– سيدنهام….) لا يدركون وجود حركات لا إرادية في جسمهم، خلال مراحل مرضهم الباكرة، بل إنهم يعتقدون بأنها حركات إرادية كانوا قد اتخذوا القرار للقيام بها، فلسببٍ مجهولٍ يوهمهم دماغهم بأنها أفعال إرادية.

المرضى المصابون بالعرّات الحركية أو الصوتية (أفعال تبدو إرادية على جميع المقاييس ولكنها غير إرادية) لا يستطيعون التمييز فيما إذا كانت هذه العرّات إرادية أم لا حيث يلتبس هذا عليهم تماماً، يمكنهم منعها أو السماح لها بالظهور فقط لكنهم لا يصدرون القرار لإطلاقها.

في متلازمة اليد الغريبة Alien hand syndrome، يشعر المريض وكأن يده خارجة عن سيطرته تؤدي حركات بشكل تلقائي، وهذه الحركات قد تكون بسيطة وليس لها معنى، وقد تكون معقدة وهادفة وتُؤدى باحتراف.

كذلك هناك الرجفان نفسي المنشأ، حيث يبدو الرجفان وكأنه تكرار بتواتر منتظم لحركات إرادية، ويستدل على ذلك من خلال الطلب من المريض أن يقوم بتأدية حركة منتظمة باستخدام الطرف السليم ولكن بتواتر مختلف عن تواتر حركة الطرف المصاب، فتكون النتيجة أن تنسجم حركة الطرف المصاب مع تواتر حركة الطرف السليم، أو على الأقل يتغير تواتر الحركة في الحالات الشديدة.

في حالات بتر أحد الأطراف قد يشعر المريض بوجود هذا الطرف وبإمكانه تأدية حركات يشعر بها، على الرغم من إدراكه ومعرفته بغياب هذا الطرف، وتعرف هذه الحالة بالطرف الشبحي أو الموهم.

مرضى الفصام قد يعانون من أحد أنواع الوهم يدعى بوهم الاستحواذ أو السيطرة، حيث يشعر المريض وكأن جسمه يسيطر عليه الفضائيون ويقومون بتوجيه حركاته، بينما هي حركات طبيعية ونابعة عن دماغه، ولكنه لا يدرك هذا.

الإرادة الحرة والفيزياء

يقول عالم الفيزياء النظرية البريطاني والعراقي الأصل جميل الخليلي Jameel Al-Khalili عن الإرادة الحرة من منظور فيزيائي في مدونته:

جاء السير إسحاق نيوتن في القرن السابع عشر بقوانين الميكانيك معتمداً على مفاهيم الرياضيات الحديثة حينها مثل التفاضل والتكامل )والتي كان له دور فعال في تطويرها( فسمحت معادلاته للعلماء بمعرفة كيفية حركة الأشياء وتفاعلها مع بعضها البعض، من انطلاق قذيفة من مدفع وحتى حركة الكواكب، معادلات نيوتن تستطيع التنبؤ بحالة الجسم المدروس بأي وقت من المستقبل عن طريق إدخال القيم المتعلقة بالجسم في هذ المعادلات مثل صفات الكتلة والموضع والشكل والسرعة والقوى المؤثرة بهذا الجسم.

وهذا ما قاد إلى ظهور الفكرة التي انتشرت على مدى واسع واستمرت قرابة القرنين من الزمن بأنّه إذا ما أمكننا معرفة كل قوانين الطبيعة، فسوف نصبح قادرين من حيث المبدأ على توقع كل الأحداث لكل الأشياء الموجودة في الكون، وبالتالي كل حركة وكل تغير في هذا الكون قد حدد مسبقاً، ولن يكون هناك خيار حر ولا أي مجال شك أو فرص متاحة، وأًصبح لاحقاً معروفاً باسم التصور النيوتوني للكون (نسبة إلى نيوتن).

للوهلة الأولى قد يعتقد البعض أن هذه الرؤية المحددة للكون تختلف عن رؤية آينشتاين، ولكن في الحقيقة فإن التصور النيوتوني للكون وتصور آينشتاين يعتبران الكون حتمي وسببي، تحدث به الأحداث لأسباب محددة ولا مجال للصدفة أو الاحتمالية فيه.

ومن ثم فجأة تغيرت هذه النظرة، ففي عام 1886م عرض ملك السويد جائزة قيمتها 2500كرونر(مبلغ مالي أعلى مما يكسبه معظمنا خلال سنة كاملة) لمن يستطيع أن يثبت استقرار النظام الشمسي من عدمه، أي هل ستستمر الكواكب بالدوران حول الشمس للأبد أو أن هناك احتمال بقيام أحد أو عدة كواكب بالانفصال عن الشمس والهروب من مجال الجاذبية وتطفو بعيداً؟

قام عالم الرياضيات Henri Poincaré بقبول التحدي وبدأ بالبحث عن جواب لهذا السؤال عبر تبسيط المسألة لتتضمن الشمس والأرض والقمر فقط ما أصبح يشار إليه لاحقاً بمسألة الأجسام الثلاث three-body problem، ولكن حتى مع السهولة النسبية لمسألة الأجسام الثلاثة لم يستطع بوانكاريه إيجاد جواب محدد ودقيق لسؤال ملك السويد، ولكنه تمكن من شرح السبب، حيث أن الشروط الأولية المتعلقة بالكواكب مثل الموضع البدئي والكتلة وغيرها تؤثر بشكل كبير على النظام في المستقبل وأن أي تغيرات بهذه الشروط الأولية مهما كان صغيراً من الممكن أن يؤدي إلى نتائج غير متوقعة وفوارق كبيرة ومع ذلك فإن بوانكاريه استحق جائزة ملك السويد على جهوده.

اكتشف بوانكاريه أنه حتى نظام من ثلاث أجسام ممكن أن يتصرف بغرابة كبيرة جداً لا يمكن توقعها بسبب اختلافات بسيطة في الشروط الأولية ناهيك عن النظام الشمسي بكل كواكبه وأقمارها والشهب والنيازك، ولكن آثار عمله هذا انتظرت ثلاثة أرباع قرن حتى تم الاستفادة منها واستيعابها.

ما اكتشفه بوانكاريه كان أثر الفراشة (butterfly effect) وهو ما أعاد اكتشافه ولكن بصورة أكثر منهجية إدوارد لورينز Edward Lawrence الباحث في مجال المناخ في معهد ماسوشيستس، وأسّس نظرية الفوضى (chaos theory) وهي نظرية تبحث بسلوك الأنظمة التي تكون حساسة جداً للظروف الأولية، مثل التغيرات المناخية فإن أي تغير بقيم الرطوبة أو الضغط الجوي أو غيرها من الممكن أن يسبب آثار مختلفة عما هو متوقع لدرجة دفعت لورينز لأن يعنون محاضرة له “هل تحدث رفرفة جناح فراشة في البرازيل إعصار في تكساس”؟ ومن هذه المحاضرة جاءت تسمية تأثير الفراشة.

ما زال العلماء والفلاسفة واللاهوتين يتجادلون عما إذا كنّا نملك إرادة حرة أم لا منذ آلاف السنين وحتى الآن، وهنا سنركز على علاقة الإرادة الحرة بالفيزياء:
إن أدمغتنا المادية تتكون من شبكة من بلايين الخلايا العصبية المتصلة مع بعضها البعض عبر مئات ترليونات المشابك العصبية، واستناداً إلى كل ما نعرفه عنها حتى الآن دماغنا عبارة عن آلة معقدة جداً تعمل بشكل مماثل لبرامج الحاسوب بالرغم من أنّ التعقيد والترابط الذي تملكه والعمليات التي تقوم أدمغتنا بإنجازها متقدمة جداً عن أحدث الحواسيب في يومنا هذا.

إن كل هذه الخلايا العصبية تتكون في النهاية من ذرات والتي تخضع لنفس قوانين الفيزياء التي يخضع لها كل شيء في الكون، لذلك إذا ما استطعنا من حيث المبدأ معرفة موقع كل ذرة في دماغنا وماذا كانت تفعله في أي لحظة وإذا ما استطعنا أن نفهم بشكل كامل القوانين التي تحكم كيفية تفاعلها مع بعضها البعض، عندها سنتمكن من حيث المبدأ من معرفة الحالة التي سيكون بها دماغنا في أي لحظة معينة من المستقبل، فبوجود المعلومات الكافية سوف نتمكن من توقع أفعالك وأفكارك التي ستفعل وستفكر بها، طبعاً في حال لم تكن تتفاعل مع أي مؤثرات خارجية وإلاً فسوف نضطر لدراسة هذا المؤثرات أيضاً.

هل لدينا إرادة حرة؟

سيكون الجواب نعم، رغم ما سردناه في الأعلى حول الحتمية فالإرادة الحرة ليست ميكانيك الكم، بل هي الفوضى وعدم القدرة على التنبؤ، فبحسب تأثير الفراشة ممكن لأي قرار نتخذه أو ظرف نمر به أن يغير مستقبلنا وطريقة تفكيرنا بشكل جذري، لذا فإن عدم القدرة على التنبؤ تعطينا خيارات مستقبل مفتوحة.

نهايةً لا يوجد أهمية ماذا نطلق على الحرية من مصطلحات سواء دعوناها حرية مزيفة أو حرية حقيقية فأنت لا تستطيع أن تتنبأ على الأمد البعيد بطريقة عمل الدماغ بسبب ما ذكرنا من تعقيد، هذا بفرض أن عمل الدماغ يخضع لحتمية مطلقة أما في حال كان بعض نشاط الدماغ يخضع لقوانين الكم فالأمر سيكون أكثر تعقيداً مما تناولناه.

الإرادة الحرة والوراثة

لا بد أنّك سمعت عن “التوأمان جيمس” الأكثر شهرةً وتميزاً بين جميع التوائم، جيمس سبرينغر James Springer وجيمس لويس James Lewis توأمان متطابقان انفصلا عن بعضهما بعد شهر من ولادتهما، وتم تبنيهما من قبل عائلتين مختلفتين ومن ثم التقيا ببعضهما في سن ال39 سنة، وعندما اجتمع بهما توماس بوشارد Thomas Bouchard أخصائي الطب النفسي في جامعة مينيسوتا Minnesota university وجد أن كليهما قد تزوج وطلق امرأة اسمها الأول ليندا ومن ثم عادا وتزوجا من امرأة اسمها الأول بيتي، كما يتشارك الأخوان جيمس الاهتمام في الرسم الهندسي والنجارة، والمادة المفضّلة لكليهما أيام الدراسة كانت الرياضيات بينما كرها مادة الإملاء، وكانا يدخنان ويشربان نفس الكمية من الكحول، ويصابان بالصداع بنفس الوقت من النهار.

وفي حالة أخرى لا تقل إثارة للدهشة مرّت على الدكتور بوشارد هما التوأمان أوسكار ستوهر Oscar Stoher وجاك يوفي Jack Yufe، الذين انفصلا بعد ستة أشهر من ولادتهما في ترينيداد، وذهب أوسكار إلى ألمانيا ليصبح كاثولوكياً وانضم إلى حركة شباب هتلر، بينما بقي جاك في منطقة الكاريبي وتربى تربية يهودية وقد أمضى بعض الوقت في إسرائيل، ولكن بالرغم من الاختلافات الكبيرة في مجرى حياتيهما إلّا أنّهما وجدا نفسيهما يتشاركان العديد من الأشياء عند لقائهما معاً خلال عقدهما الخامس مثل طريقة الكلام ونمط التفكير والمشية المتشابه والميل للطعام الحار، كما تشاركا في بعض الخصوصيات مثل تصريف مياه المرحاض قبل استعماله.

اقترحت الدراسات التي أجريت في مركز التوأم والعائلة البحثي بجامعة منيسوتا بأنّ معظم خصالنا- أكثر من 50%- نرثها عن آبائنا، تتضمن هذه الخصال الالتزام بالقوانين، الاستجابة للضغوطات، حس المغامرة والبحث عن المخاطر، وقد وصل الباحثون لحد القول أنه عندما يصل الأمر للدين والسياسة فإنّ خياراتنا محددّة سابقاً من قبل جيناتنا.

أيضاً في دراسة أخرى أجريت تحت إشراف جامعة Oxford، وشاركت فيها جامعة Groningen وجامعات The Netherlands and Uppsala Sweden، قام الباحثون بتحديد 12 منطقة نوعيّة على قطع شريط الدنا DNA مرتبطة بالعمر الذي ننجب فيه طفلنا الأوّل، والعدد الكلي للأطفال الذين ننجبهم خلال دورة حياتنا، وتتضمن الدراسة تحليل ل 62 قاعدة بيانات عن معلومات حول العمر الذي تم فيه إنجاب الطفل الأوّل ل 238,064 رجلاً وامرأة، وحول عدد الأطفال عند 330.000 رجل وامرأة تقريباً.

يعتبر السلوك التكاثري مرتبط بشكل رئيسي للقرارات الشخصيّة والظروف الاجتماعية وعوامل البيئة، ولكن هذا البحث الجديد يظهر أن هنالك أساس بيولوجي للسلوك التكاثري، و قد اشترك في هذه الدراسة أكثر من 250 خبير في علم الاجتماع، علم وظائف الأعضاء، وعلم الوراثة من معاهد ومؤسسات مختلفة حول العالم، وتم نشرها في صحيفة Nature genetics.

الكثير منّا قد يجد هذا مثيراً للريبة، فكرة وجود القوى البيولوجية غير الواعية وتحكمها بقناعاتنا وتصرفاتنا تبدو أنّها تشير إلى وجود خطر يحيط بمفهوم الإرادة الحرة، فتكون قراراتنا التي نتخذها محفورة في خريطتنا المورثية منذ اللحظة الأولى التي اجتمعت بها أوّل خليتين في جسمنا.

ما زالت جميع هذه العلوم التي تحدّثنا عنها عاجزةً عن تقديم الأدلة الكافية التي تدعم فرضياتها لإيصالنا إلى الجواب النهائي على سؤالنا، فهذه العلوم بحد ذاتها لم تصل إلى نظرية تفسر كل شيء، لذلك يبقى الجواب بانتظار المزيد من الأبحاث والاكتشافات العظيمة التي قد تصل إليه البشرية يوماً ما.

Sources:

  1. jim al-khalili
  2. theguardian
  3. washingtonpost
  4. informationphilosopher
  5. Volitional Control of Movement: The Physiology of Free Will
  6. Determinism vs Free Will: Crash Course Philosophy #24
  • إعداد: علي خلدون رزوق، أكثم زين الدين
  • تدقيق لغوي: داليا المتني
  • كلمات دلالية
  • pick
مشاركة!
الفضائيون
مبادرة معرفيّة علميّة موجهة للجمهور الناطق بالعربية تأسست بتاريخ 16 مارس 2015، شعارها "نرى العالم، من نافذة العلم"، وهي تهدف إلى نشر العلوم الحقيقية ونبذ الخرافة معتمدة على ترجمة وإعداد مواد مكتوبة ومقروءة إضافة إلى الصور التوضيحية والفيديوهات التعليمية.

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا