كيف تؤثر ممارسة رياضة المشي في الطبيعة على أدمغتنا؟

0 352

«سيتسرَّبُ إليكَ سلامُ الطبيعة كما تخترقُ أشعةُ الشمس الأشجار، سيمنحكَ الهواءُ هدوءه والعواصفُ قوتها، وستتساقطُ مخاوفَك كما تتساقطُ أوراقُ الخريف»

هذا ما كتبه «جون موير» في مجلَّة «Our National Parks» واصفًا انعكاسات ممارسة رياضة المشي في الطبيعة (Hiking).

ربَّما تعلمُ الغالبيَّةُ مِنَّا أنَّ السيرَ في الطبيعةِ مفيدٌ لأجسامِنا ولأنفسِنا على حدٍّ سواء، إذ أنَّ السيرَ في الغابات مراقبين الطيور والأوراق الملوَّنة، مستنشقين أريج أشجارِ الشَّوح والصنوبر، مستمعين إلى موسيقى مجرى مياه الأنهار، ومتابعين سيرَ تدفُّقِ حبات مياه الشلالاتِ من منبعها وحتى ارتطامها العنيف بالأرض يهدِّئ نفوسَنا ويدخلنا في دوحةٍ من الهدوء والسَّلام. ولكن ما هو حُكم العلمِ في ذلك؟ وما هو تأثير ممارسة رياضة المشي في الطبيعةِ على أدمغتنا؟

وادي زبقين – جنوب لبنان

 

أظهرت الدراسات العلمية المتواترة أنَّ للسَّيرِ في الطبيعة الفوائد التالية:

المشي لمسافاتٍ طويلةٍ في الطبيعة يقلِّلُ الإجترار النفسي:

يعرِّفُ علمُ النَّفس مصطلح “الإجترار” بالتفكير السَّلبي المستمر بشأنِ الأمور الحاصلة في الماضي، والطُرُق التي كانت قد تفيدُ في معالجتِها، ويكونُ على هيئة أسئلة داخليَّة من قبيل: “ماذا لو فعلتُ كذا؟”. وتعاقبُ هذا النَّوعِ من التفكيرِ قد يكونُ مدخلًا للإصابةِ بالإكتئاب.

وقد وجدت الدراساتُ العلميَّةُ الحديثةُ أنَّ السَّير في الطبيعةِ والغابات يقلِّلُ من الأفكارِ السَّلبية المسبِّبة للهوس، والتي تكثرُ عند المرضى الذين يعانون من القلق والإكتئاب، وكذلك مشاكل صحيَّة أخرى كالأكل بنهمٍ واضطراب ما بعد الصَّدمة، إذ قارن الباحثون بين مستويات الإجترار عند فريقٍ مارس رياضة المشي لمدة تسعين دقيقة في بيئةٍ حضرية كالمدينةِ مثلًا وعند فريقٍ ثانٍ مارس رياضة المشي لمدة تسعين دقيقة أيضًا ولكن في الطبيعة، فلاحظوا انخفاض مستويات الإجترار وكذلك النشاط العصبي في قشرة الفص الجبهي ما قبل الجبين، والتي لها علاقة ذات معنى مع الأمراضِ العقلية، عند الفريق الثاني المُمَارس لرياضة المشي في الطبيعة، في الوقت الذي لم يلاحظوا هذا الإنخفاض عند الفريق الثاني المُمَارِس لرياضة المشي في المدينة.

يشرح هؤلاء الباحثون النتائجَ التي توصَّلوا إليها بأنَّ عالَمنا أصبح أكثر حضرية، وأنَّ التحضرَ مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالإكتئاب وغيره من الأمراض العقلية، وأنَّ الإبتعادَ عن المدينةِ مع ما يصاحِبُها من ضوضاء وبالتالي قضاء أوقاتٍ أطول في الهواء الطَّلق يقلِّلُ من مستوياتِ الإجهاد الذهني والإنحرافاتِ النفسيَّة وبالتالي هو مفيدٌ لصحَّتِنا العقليَّة.

السَّير في الطبيعة مع الإنقطاع عن التكنولوجيا يحفِّزُ مهارة الحل الإبداعي للمشكلات:

توصَّلت دراسةٌ قام بها «روث آن آتشلي» و«دايفيد ل. ستراير» إلى إمكانية تطوير مهارة الحل الإبداعي للمشكلات عن طريقِ السَّير في الطبيعة والإنقطاع عن التكنولوجيا، حيث قام المتطوعون في هذه الدراسة بالسير في الطبيعة لمدة أربعة أيَّام مع امتناعِهم عن استعمال الوسائل التكنولوجيَّة، وطُلب منهم بعدها القيام بمهامٍ تتطلَّب مهارة الحل الإبداعي للمشكلات المعقَّدة فأظهروا تحسنًا في الأداء بنسبة 50%.

يعلنُ القائمون على هذه الدراسة أنَّ التكنولوجيا والضوضاء في المناطقِ الحضرية تستحوذُ على اهتمامنا باستمرار مانعةً إيَّانا من التركيز مِمَّا يؤثِّرُ على وظائِفِنا المعرفية. لذلك، فإنَّ السيرَ في الطبيعةِ دواءٌ قويٌ وفعَّالٌ لمعالجة شعورِنا بالضيق بسبب قيودِ الحياة الحضرية والإتصالات المتواصلة أربع وعشرين ساعة على مدى سبعة أيَّام أسبوعيًّا، إذ أنَّه يقلِّلُ من تعبِنا العقلي، يهدِّئ نفوسنا ويساعدُنا على التفكيرِ بشكلٍ خلَّاق.

السَّير في الطبيعة يُحَسِّنُ “اضطراب نقص الإنتباه مع فرط النشاط” (ADHD) عند الأطفال:

يعاني الأطفالُ المصابون باضطرابِ نقص الإنتباه مع فرط النشاط (ADHD) من الصعوبة في التركيز، من فرطٍ في النشاط وكذلك يواجهون صعوبةً في التحكم بنبضاتِهم، وهذا ما يجعل من المقلق تربية أطفالٍ يعانون من هذا الإضطراب.

ولكن، وجدت دراسةٌ قام بها «فرانسيس إي كوو» و«أندريا فايبر تايلور» أنَّ ممارسة هؤلاء الأطفال للأنشطة الخارجية وسط الطبيعة تقلِّلُ من الأعراضِ التي يعانون منها، وأعلنت هذه الدراسة أيضًا أنَّه من الممكن أن تمتدَّ هذه الفوائدُ لتشملَ أيَّ شخصٍ يعاني من أعراض عدم الإنتباه والدافعيَّة.

يستنتج الأطباء كذلك أنَّ تغيُّراتٍ بسيطةً وشاملةً لنشاطاتٍ في الطبيعة يمكن أن تحسِّنَ الإنتباه، كالجلوس لوقتٍ طويلٍ أمام النافذة لتأمل منظرٍ طبيعي، أو المشاركة في سيرٍ قصيرٍ في الطبيعة في فترة الظهيرة أو حتَّى مجرَّد لعب الكرة في المنتزه، كل هذه النشاطات بإمكانِها التخفيف من أعراض نقص الإنتباه مع فرط النشاط.

السَّير في الطبيعة نشاطٌ ممتازٌ لتحفيز الذكاء:

يُمكن للسَّير في الطبيعة لمدَّة ساعةٍ واحدة حرق حوالي 400 إلى 700 سعرةٍ حراريَّة، وهذا يتوقَّف على درجة صعوبة هذا السَّير. هذا بالإضافة إلى أنَّ المشي ليس مرهقًا لمفاصِلِنا كالتمارين الأخرى مثل الجري.

كذلك، فإنَّ الذين يمارسون رياضة المشي في الطبيعة هم أكثر قدرةً على المحافظة على هذه العادة وبالتالي إدخالِها في روتينهم اليومي من الذين يمارسون هذه الرياضة في االأماكن المغلقة كالصالات الرياضية.

ومن المعروف أنَّ التمرينَ الرياضي يساهمُ في الحفاظ على تغذية الخلايا الدماغية بشكلٍ صحي، مِمَّا يؤكِّد العلاقة الوثيقة بين ممارسة التمارين الرياضيَّة والصحة النفسية. ووفقًا لباحثين في «جامعة كولومبيا الوطنية»، فإنَّ بإمكان ممارسة الرياضة في الهواء الطلق أن تحسِّنَ الذاكرة والقدرات المعرفية، وكذلك فقد بيَّنت نتائج هذه الدراسة أنَّ ممارسة الرياضة في الطبيعة تزيد من حجم «قرن آمون» لدى النساء المسِنَّات، (و«قرن آمون» هو منطقة من الدماغ مرتبطة بالذاكرة المكانية والعرضية أو ذاكرة أحداث السيرة الذاتية أي مجموعة من التجارب الشخصية السابقة التي وقعت في وقتٍ معيَّن ومكانٍ معيَّن).

بالإضافةِ إلى أنَّ ممارسة التمارين الرياضية تقلَّل التوتر والقلق، وتزيد من إفراز هرمونات «الأندروفين» (هرمونات السعادة).

وإنَّه لَمِن المدهش أن تذخر رياضة “سهلة”، غير مكلفة وفي متناول الجميع بكلِّ هذه الفوائد الجسمية، العقلية والنفسية في آن.

دخلت «رياضة المشي في الطبيعة» في الوصفات الطبية:

يدركُ الأطباء الحاليون أنَّ الأشخاص الذين يقضون أوقاتًا أكثر في الطبيعة يعانون إجهادًا أقل ويتمتَّعون بصحةٍ بدنيَّةٍ أفضل. فوفقُا لموقع «WebMed»، فإنَّ عددَ الأطباء الذين يكتبون “وصفاتٍ طبيعيَّة” أو يوصون بـــــــــ “علاجٍ بيئيٍّ” في تزايدٍ لِما لهذه الرياضة – العلاج من انعكاسٍ في الحدِّ من القلق، ولِما لها من أهميَّةٍ في تخفيض مستويات التوتر والإكتئاب، وكذلك فإنَّ هذا النوع من الوصفات “الطبيعيَّة” بات أكثر قبولًا من قِبَل مقدمي الصحة التقليديين لِما تظهره الأبحاث من فوائدَ متزايدةٍ لممارسة الرياضة وللوقت الذي نقضيه في الطبيعة.

وتُعتبر ولاية كاليفورنيا واحدةً من أكثر الدُول التقدميَّة في مجال الصحة البديلة، وفي هذا الإطار خاضت مؤسسة «Institute at the Golden Gate» صراعًا عنيفًا بغية الترويج للعلاج البيئي (Eco therapy) ضمن مبادرتها المسمَّاة «مجمعات صحية تعني شعبًا صحيًّا» (Healthy Parks Healthy People – HPHP).

وضمن إطار هذا البرنامج، تعمل المنظمات المجتمعية مع المهنيين الصحيين في كاليفورنيا بهدف تحسين صحة حدائِقِهم، وتشجيع استخدام المنتزهات كطريقةٍ لاستعادة الصحة لأولئك الذين يقصدونها.

 

إذًا، فوائدُ ممارسة رياضة المشي في الطبيعة (Hiking) من وجهة نظر العلم عديدة: تقليل الإجترار النفسي، تحفيز مهارة الحل الإبداعي للمشكلات، تحسين اضطراب نفص الإنتباه مع فرط النشاط عند الأطفال، وتحفيز الذكاء مِمَّا دفع بعضُ الأطباء إلى إدخالها في الوصفات الطبيَّة. من هنا دعوة إلى جعل هذه الرياضة – العلاج والوقاية في آنٍ معًا –  عادةً وسلوكًا، خاصةً وأنَّها من الرياضات “الرخيصة” والمتوفِّرة والتي لا تحتاج إلى عدَّةٍ أو إلى تدريبٍ خاصٍ ومكثَّف.

المصادر:

·      http://instituteatgoldengate.org/health

·      http://www.exerciseismedicine.org/

·      http://www.pnas.org/content/112/28/8567

·      https://www.lifehack.org/363786/doctors-agree-hiking-good-for-your-mental-health

·      https://www.sain-et-naturel.com/medecins-expliquent-a-point-randonnee-transformer-cerveau.html

تعليقات
Loading...