هل يعلمُ دماغُك بوفاته؟

13 1٬103

عندما تموت فإنّ دماغك قد يعلم ذلك. لكن كيف هذا ودماغك يتوقف عن العمل بشكل شبه مباشر عقب قلبك؟

ونسمع عن الكثير مِمَّن تم انعاشهم واختبروا تجاربَ حدثت في الفترة ما بين موتهم وإنعاشهم، الفترة التي كان فيها دماغهم ميتاً!

منذ عام 1960 حين تم تطوير الإنعاش القلبي الرئوي، الذي شكَّل علامةً فارقة حيث أصبح بإمكاننا إنعاش الأشخاص الذين توقفت قلوبهم، والعديد من هؤلاء أبلَغ عن تجارب غير عادية كانوا فيها مدركين وواعين تماماً وذلك خلال الوقت الذي توقفت فيه قلوبُهم وتم توثيق حالات كثيرة كهذه بواسطة طاقمي التمريض والأطباء. وذلك وفقاً للطبيب Sam Parnia  مدير أبحاث الرعاية بالأشخاص ذوي الحالات الحرجة والإنعاش في جامعة نيويورك.

سنوياً، يتم إنعاش شخص من بين كل 5 تتوقَّف قلوبُهم، وعقب إحيائهم يروون قصصاً تتضمن غالباً نفقاً طويلاً في آخره ضوء ساطع، مقابلات روحية مع شخصيات أسطورية أو مقدسة أو اللقاء مع أشخاص يحبونهم توفوا قبلهم وغيرها الكثير من القصص الغامضة. وفي بعض الأحيان يصفون خروجهم من الجسد ومشاهدتهم للأطباء وهم يقومون بعملية الإنعاش.

يقول Parnia:

«هذه تقارير شخصية، تاريخ الكثير منها يعود لعقود مما يطرح فكرة بأنّ هنالك فعلاً شيء يحصل».

عندما يتوقف الدماغ فإنّ الدم يتوقف عن التدفق إليه، ولا يسجِّل أيُّ جهازٍ أيَّ نشاط في أدمغتهم، إذاً فهم متوفون سريرياً.

يضيف Parnia:

«في حالة توقُّف القلب، ومن وجهة نظر بيولوجية هم لم يقتربوا من الموت بل قد تجاوزوا الموت».

دراسات سابقة توفر أدلة عما يحدث

على الرغم من صعوبة تفسير هكذا تجارب غنية إلّا أنّ العديد من الباحثين يدعمون أقوال هؤلاء الأشخاص. ففي دراسة أجراها Parina  في عام 2014 قام فيها بمقابلة 101 شخص خضعوا للإنعاش القلبي الرئوي عقب تعرضهم لتوقف قلبي مفاجئ. أبلغ 9 منهم عن مرورهم بتجربة الإقتراب من الموت، واستطاع 2 آخرون شرح الأحداث التي جرت من حولهم أثناء محاولات الطبيب إنعاشهم، وكان هنالك مريض استطاع تذكر أحداث حدثت عقب دقائق من توقف قلبه وتأكد الباحثون من صحة كلامه فوجدوه صحيحاً!

«لا نستطيع أن نشرح وعي هؤلاء خلال توقف قلبهم»؛ يقول Parina  ويضيف:

«ما يحدث خلال توقف القلب هو أنّ التدفق الدموي يتوقف وبالتالي لا يصل الدم إلى الدماغ مما يؤدي أخيراً إلى توقفه بشكل  مباشر».

هذا وقد تمَّ إجراء عدة دراسات في الأعوام 2000، 2001، 2003 بنفس طريقة الدراسة السابقة مع اختلاف العينة الإحصائية وخلصت الدراسة الأخيرة إلى معيار سمي باسم «مقياس جريسون» نسبة إلى معد الدراسة، ويحتوي هذا المقياس على 16 حدثاً تشتركُ فيها التجاربُ القريبةُ من الموت وتتضمَّن:

·      تغيُّر طبيعة الإحساس بالوقت كأن تشعر به أسرع أو أبطأ.

·      سيل أفكار أسرع من المعتاد.

·      الشعور بالفرح والسلام.

·      الشعور بالإنفصال عن الجسد.

·      الشعور بالوجود في مكانٍ مختلفٍ خارج الأرض.

·      مقابلة روح، كقريب متوفٍ أو شخصية مقدسة.

ويقوم طبيب الأعصاب Kevin Nelson  بالتحقيق في تجارب الإقتراب من الموت، وقاده بحثه لاستخلاص أنّ الأشخاص الذين يختبرون هكذا تجارب يمتلكون دماغاً يخلط بين الوعي خلال اليقظة والوعي خلال مرحلة من النوم تُدعى «REM: Rapid Eye Movement»، وهي المرحلة التي تمثِّلُ النوم العميق وتحدث فيها الأحلام.

ويقول أيضاً بأنّ العديد من تجارب الخروج من الجسد يمكن أن تنشأ من تحفيز وعي مرحلة الـ REM.

الحقيقة المطلقة صعبة المنال

يقول Nelson بأنّ هذه الأحداث قد تكون مغايرة لطبيعة حياة مَن يخضع لها، لكنّه يملك شكوكاً حول إمكانية حصولها لأشخاص توقَّفت أدمغتهم بشكلٍ تام مشيراً إلى أنّ أجهزة تخطيط الدماغ الكهربائي والتي تسجل نشاط الدماغ يكون من الصعب جداً تفسير قراءتها خلال الإنعاش، وذلك بسبب الفوضى والسرعة التي تعصف بغرفة الإسعاف.

«نحن لا نعلم فعلياً إذا كانت قراءات تخطيط الدماغ مستقيمة وحتى لو كانت كذلك فنحن لا نعرف إذا كانت هذه التجارب تحصل خلال هذه الفترة أصلاً، لكننا نعرف بأنّ الناس لا يختبرون أيَّ تجارب عندما يكون هنالك خط مستقيم تماماً على جهاز التخطيط الدماغي EEG».

إلّا أن بحث Parina  لا يدعم هذا القول فهو يقول: «في دراستنا تأكدنا من وجود وعي لمدة تتراوح بين 3-5 دقائق، إنّها مفارقة، إمكانية الناس استرجاع ذكرى ما  يدل على امتلاكهم وعياً كاملاً، لكن عند توقف الدماغ لا يغدو هذا ممكناً مِمَّا قد يشير إلى أنّ الوعي كيان منفصل عن الدماغ».

بعض الأجزاء التي يخضع لها هؤلاء قد يكون تفسيرها أسهل من غيرها حيث يقول الطبيب Nelson أنّ رؤية النفق المظلم الذي ينتهي بالنور يمكن عزوها لقلة التدفق الدموي إلى الدماغ، وهذا يحصل حين تضيقُ رؤية المريض بشكلٍ كبير لتمثِّل نفقاً. والضوء قد يكون ببساطة هو آخر شيء تستطيع العين تمييزه قبل الإنتقال لمرحلة الغياب عن الوعي.

تغييرات تترك أثراً

إنَّ آلية حدوث هذه التجارب أقل أهمية من التأثير الذي تمتلكه على مختبريها تقول طبيبة العناية المشدد Laurin Bellg.

غالباً الأشخاص الذين يختبرون تجربة الإقتراب من الموت يفقدون خوفهم من الوفاة ويصبحون أقل اهتماماً بمشاكل الحياة العادية واهتماماتها ويصبحون من ذوي الإيثار العالي والإهتمام بالآخرين.

تقول Bellg:

«إنَّ الجدير بالإهتمام هو أنّ الأشخاص الذين خضعوا لهذه التجارب يتغيرون، وهذا التغيُّر يُلاحظ بشكلٍ عالمي».

«لقد كانوا في مكانٍ دعوه بالجنة أو الحياة الآخرة، وقد شعروا بالخيبة أنّهم اضطروا للعودة».

وكذلك يؤمن الطبيب Nelson بأنّ العوامل المسببة لهذه التجارب أقل أهمية مما يدعوه بالـ «القيمة الشخصية والتغييرية» التي يملكها الطبيبُ على المرضى لكنه يوافق  Bellg  بقوله: «هذه الأحداث لا يجب أن تكون دليلاً لحياةٍ بعد الموت».

ويضيف:

«لا تسيئوا فهمي، أنا آمل وجود حياة بعد الموت، أنا لا أحتقر هذا الإيمان أبداً، ولكنَّ فكرة أنّ هذه التجارب تثبت وجود الحياة الآخرة هو غير صحيح فقط».

«ومع ذلك إمكانية إيجاد تفسير جيِّد لهذه الأحداث لا تزال صعبة، إذ لا يمكن أن  تكونَ مجرَّد هذيان أو هلوسات بسبب المادة المخدرة، ففي هذه الحالة يكون ما يراه المريض صُوَر مبعثرة لا يستطيع الربط المنطقي بينها أبداً، في حين يصف الناس تجارب الإقتراب من الموت بكونها صافية جداً»

تقول Laurin   وهي تعتقد بأنَّ هذه التجارب من الممكن أن تساعد المرضى القريبين من الموت على مواجهة مصيرهم.

وكذلك يقترح Parnia أنَّه من الممكن أن تكونَ هذه التجارب أكثر غنىً، وذلك لأنَّ توقف القلب من الممكن أن يسبب مشاكلاً في الذاكرة مما يؤدي إلى فقدان بعض التفاصيل كضررٍ جانبيٍّ لتوقف القلب، وهو يعمل حالياً على تطوير طرق إنعاش تحافظ على الدماغ بشكل أكبر من الطرق الحالية ويتوقع مع نجاحه زيادة توارد الحوادث من هذا النوع.

المصدر

  • ترجمة: يزن الحريري
  • مراجعة: هنادي نصرالله
تعليقات
Loading...