ما الذي تخبرنا به الأنواع الداجنة عن التطور؟

قبل أكثر من 12000 عام عرف أسلافنا الزراعة، كانت واحدةً من نقاط التحول الكبرى في تاريخ الحياة، لأنها مكّنت نوعنا من الاستخدام المكثف لأنواع عديدة من الكائنات الأخرى وبشكلٍ أكثر كفاءة وإنتاجية من ذي قبل، مما عزّز الموارد بشكلٍ كبير وساعد الإنسان على أن يسود الكوكب بلا منازع. عندها استقر نوعنا في مستوطناتٍ ثابتة، من ثمَّ ظهرت حاجاتٌ أكثر تعقيدًا تبعاً لذلك، احتاج الإنسان على إثرها لترويض أنواعٍ أخرى تساعده على نيل حاجاتِه بشكلٍ فعّال. مع مرور الوقت، وجيلاً بعد جيل، لاحظ الإنسان تفاوتًا بين السلالات المختلفة ضمن النوع الواحد، وحاول انتقاء الأفراد الحاملين للصفات الأكثر ملائمة لاستخداماته، فحرص على انتقاء بذور القمح الأكثر إنتاجيةً والأكثر مقاومةً للجفاف، كما احتفظ بالأبقار التي تُدرُّ حليبًا أكثر، والكلاب الأكثر شراسةً وقوةً وملائمةً لأعمال الحراسة، وهكذا.

على مدار آلاف السنوات قام الإنسان باختيار الأفراد الحاملين للصفات المطلوبة وتهجينها، واستبعاد الأفراد الحاملين لصفاتٍ غير مرغوبة، وبالتالي لم يُتِح لهم الفرصة للتزاوج وتوريث تلك الصفات لنسلهم. مع الوقت، تراكمت الصفات المطلوبة واتسع الفارق بين الأنواع المهجنة وأسلافها البرية، بل أصبح الكثيرُ منها اليوم أنواعًا منفصلة، أي أنّ الإنسان قام بدور الانتخاب الطبيعي ولكن بشكلٍ منظمٍ ومكثف ومناسب لاستخدامه.

تُعدّ الكلاب إحدى أقدم الأنواع المستأنسة على الإطلاق، تمّ تدجينها في الغالب من قِبل تجمعات الرعاة والصيادين قبل الاعتماد على الزراعة على نطاقٍ واسع. قبل عشرات الآلاف من الأعوام استأنس الإنسان أسلافها من أسلاف الذئاب الرمادية Canis lupus، وعبر الأجيال والانتخاب الذي قام به للأفراد الأكثر ملائمة للمهام المطلوبة؛ تركّزت الصفاتُ المرغوبة وتفرّعت سلالاتُها بشكلٍ كبيرٍ مما جعلها إحدى أكثر الثدييات تنوعًا على وجه الأرض.

تخبرنا الهياكل العظمية للكلاب التي دُفنت في جماعاتٍ داخل المستوطنات البشرية أو على مقربة منها بالكثير، ساعدنا شكل العظام وقطع الـ DNA التي كنا محظوظين كفاية لنجدها في هذه العينات على رسم خرائط للقرابة بين هذه الحيوانات وأنماط انتشارها وهجراتها مع البشر، عند مقارنة تلك العينات التي عثرنا عليها ببعضها البعض وبعينات معاصرة من الكلاب والذئاب، نجد قصةً مثيرةً للاهتمام حقًا.

بدأت الكلاب في التمايز جينيًا عن الذئاب قبل 36000 – 41500 عام، ويُرجّح الـ DNA الخاص بالميتوكندريا أنّ ذلك قد حدث في أوربا. ثم تمايزت الكلاب إلى مجموعتين، هاجرت إحداهما إلى شرق آسيا مع الهجرات البشرية، وخرجت من نسلها الكلاب التي عبرت مع الهجرات البشرية إلى الأمريكيتين عبر مضيق بيرنج  قبل حوالي 17000 عام، بينما انتشرت الأخرى في أوربا. يُعتقد أنّ ذلك قد حدث منذ 17500-23900 عام, وأثناء ذلك تزاوجت السلالات مع بعضها البعض ومع الذئاب آلاف المرات ليختلط الحوض الجيني لها بشكلٍ يجعل من الصعب في الواقع وضع خطوط فاصلة بين الأنواع. تستطيع أغلب أنواع الكلاب حتى اليوم التزاوج مع الذئاب، ويعتمد مُربّو الكلاب على هذه الحقيقة عند تهجينها معًا؛ لإكساب سلالاتهم صفات جديدة مرغوبة.

شجرة عائلة الكلبيات وتشمل إلى جانب الكلاب والذئاب الرمادية ذئاب القيوط والكلاب البرية الأفريقية وابن آوى والثعالب.
ذئب رمادي
كلب هاسكي سيبيري
هجين من تزاوج كلب هاسكي سيبيري مع ذئب رمادي
كلب سان برنارد
كلب دلماسي
كلب مالاموت ألاسكي Alaskan Malamute
هجين مالاموت ألاسكي مع ذئب رمادي

دُجِّنت الذرة لأول مرة قبل حوالي 9000 عام من عشبة التيوسنت teosinte البرية في الأميركيتين الشمالية والوسطى، تحديدًا في المكسيك وجواتيمالا، وساهمت التجارة في انتشارها ببطء بين السكان الأصليين للأمريكيتين، فعُثِر على بقايا لسلالاتٍ قديمة لها، والنشاء مصدره الذرة في بقايا المستوطنات البشرية في جنوب غرب الولايات المتحدة تعود لـ3200 عام، وفي جنوبها الشرقي عمرها 2100 عام، وفي كندا يبلغ عمرها 1300 عام. لاحظ المزارعون مع الوقت تفاوتًا في أطوال السيقان وحجم الأكواز وكمية النشاء التي يمكن الحصول عليها، كذلك الطعم واللون وغيرها من الصفات، وقاموا بانتخاب الأفراد والسلالات الأكثر مناسبة للأغراض المطلوبة. وعثرنا في بيرو على سجلاتٍ تعود لحضارة الإنكا تصف 35 ضربًا من الذرة مع صفاتٍ مميزةٍ واستخدامات لكل منها، كصناعة بعض أنواع المشروبات أو صبغات الملابس والدقيق. مع مجيء المستوطنين الأوربيين في القرن السادس عشر نُقلت الذرة إلى أوربا لتُهجّن مع نباتاتٍ برية محلية هناك، ليساهم ذلك إلى جانب عزلها جغرافيًا عن بقية النوع في أمريكا في زيادة تنوعها بشكلٍ كبير، قبل أن تنتشر بعد ذلك في باقي العالم ويزداد التنوع والاختلاف عن النوع الأب.

تيوسنت
صورة توضح التغير في شكل وحجم كيزان الذرة بدءًا من التيوسنت في أقصى اليسار وانتهاءً بالذرة الحديثة في أقصى اليمين، الفارق الكبير في الحجم وعدد البذور بين بداية التدرج ونهايته يوضّح بجلاءِ قوةَ الانتخاب الذي يمارسه الإنسان، وكيف يمكن أن تتغير الصفات على مرّ العصور.
عدة ضروب من الذرة بأحجام وألوان مختلفة في صورة واحدة

 

تعطينا هذه المشاهداتُ رؤيةً واضحةً لما يمكن أن يفعله الانتخاب الذي يقوم به البشر في مسار تطوّر الأنواع، وتعطينا أيضًا فهمًا أكثر عمقًا لما يقوم به الانتخاب الطبيعي بدون تدخل الإنسان. نظرة واحدة فقط إلى النوع الأب من أي نوع داجن، وأخرى لما وصل إليه اليوم والأنواع المتفرعة منه، تُوضّح أنّ ما فعله البشر في هذه الحالات مدهش حقًا، وأعطانا فرصةً لنشاهد بأعيننا كيف تراكمت الصفات لتعطي أفرادًا متمايزين بشكلٍ كبيرٍ وفقًا لتفاعلهم مع ضغوط البيئة التي قام الإنسان هنا بعملها أو ما يمكن أن نسميه بالتطور بالانتخاب الطبيعي.


المصادر:

1- https://www.nature.com/news/ancient-genomes-heat-up-dog-domestication-debate-1.22320

2- http://science.sciencemag.org/content/342/6160/871

3- https://www.theatlantic.com/science/archive/2016/06/the-origin-of-dogs/484976/

4- https://www.dogbreedinfo.com/wolfhybred.htm

5- http://learn.genetics.utah.edu/content/selection/corn/

6- http://www.sciencemag.org/news/2016/11/5000-year-old-cobs-reveal-corn-domestication-act

7- http://maize.teacherfriendlyguide.org/index.php/what-is-maize/what-is-teosinte

8- https://www.thoughtco.com/maize-domestication-history-of-american-corn-171832

 

مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه. لدعمنا إضغط هنا

  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: داليا المتني
  • تدقيق لغوي: مروى بوسطه جي
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More