fbpx
الفضائيون

قدرات خارقة: الإنقليس الرعاد (الصاعق الحي)

الإنقليس الرعاد (الصاعق الحي) – إذا صادفت تلك السمكة، فلن يكون تصرفًا حكيمًا أبدًا أن تعبث معها أو تحاول استفزازها بأي شكل من الأشكال؛ إذ بإمكانها صعقك بتيار كهربائي يصل فارق جهده إلى نحو 650 فولت، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف فارق جهد التيار الكهربائي في منزلك.

تعيش سمكة الإنقليس الرعاد Electrophorus electricus في حوض نهرَي الأمازون وأورينوكو في أمريكا الجنوبية، كما تفضل البقاء في القاع الطيني للنهر ويصل طولها إلى قرابة المترين ووزنها إلى نحو 20 كغ.

تنتمي إلى عائلة Gymnotidae التي تستطيع جميعُ أنواعها استخدامَ التيار الكهربائي في استكشاف محيطها عبر الشعور بالتغير في فارق الجهد الذي يسببه وجود فريسة في الجوار، وكذلك في تواصل بعضها مع البعض الآخر. 

لكن؛ بإمكان الإنقليس الرعاد أخذ تلك المقدرة إلى أبعاد أخرى؛ بسبب قدرته على توليد تيار ذي فارق جهد أعلى بكثير من أقاربه؛ فهو يستخدم تلك القدرة العجيبة في صعق فرائسه أثناء عملية الصيد، وأيضًا بمثابة سلاح دفاعي فعال ضد المفترسات.

كيف تستطيع تلك السمكة فعل ذلك؟

فلنلق نظرة إلى ذيلها؛ لدينا هنا الآلاف من الخلايا المولدة للكهرباء Electrocytes، وهي عبارة عن خلايا عضلية محورة رُتِّبَت في صفوف بالطول والعرض، تعمل كل من هذه الخلايا كبطارية، وقد اصطفت بعضها إلى جانب بعض، لتكون موصلة معًا على التوالي والتوازي. 

لكل خلية من هذه الخلايا طرف انسيابي متصل بالعصب المُغذي، و طرف آخر مُشرشَر أشبه بالمشط إلى الناحية الأخرى، إن الأطراف الإنسيابية لجميع الخلايا المولدة للكهرباء متصلة بالأعصاب من اتجاه الذيل؛ إذ يسلك العصب مسارًا قوسيًا ليصل إليها من ذلك الاتجاه، بينما أطرافها المشرشرة في اتجاه الرأس .


مخطط يوضح مكان الخلايا المولدة للكهرباء في جسم الإنقليس الرعاد في الجزء الملون بالأصفر. لاحظ صغر المساحة التي تشغلها الأعضاء الداخلية في الجزء الملون بالأخضر خلف الرأس مباشرة.

كيف تولد تلك الخلايا الكهرباء؟

بالعودة إلى علم وظائف الأعضاء physiology؛ نعلم بالفعل أن لكل خلية عضلية أو خلية عصبية جهد راحة resting potential و جهد استثارة action potential، وأن هناك دائمًا فرق في الجهد بين داخل الخلية وخارجها؛ والسبب في ذلك يعود للاختلاف في توزيع الأيونات بين داخل الخلية وخارجها.

إذ يحوي الغشاء البلازمي للخلية مُستقبلات وبروتينات تعمل على إبقاء أيونات الصوديوم الموجبة في الخارج وأيونات الكلور السالبة في الداخل؛ مما يولد فرق جهد بين خارج الخلية الموجب وداخلها السالب الذي يقدر في حالة الخلايا المولدة للكهرباء لدى الإنقليس الرعاد بقيمة 0.085 فولت لكل خلية على حدة. 

عند سريان الإشارة من العصب المغذي للخلية يؤدي ذلك إلى استثارتها وبالتالي إلى اجتياح أيونات الصوديوم للخلية، ويحدث ذلك من الجانب الأملس المواجه للعصب مما يجعل ذلك الجانب موجبًا.

لكنّ الجانب الآخر -المشرشر- لم تصل إليه الاستثارة بعد وبالتالي، لايزال سالب الشحنة، فيتولد فرق جهد بين طرفي الخلية مما يولد الكهرباء (تمامًا نفس فكرة البطارية)، يحدث كل ذلك في أجزاء من الثانية، ويُقدَّر فرق الجهد المتولد عن كل خلية (بطارية) على حدة بقيمة 0.15 فولت. 

وللوصول إلى قيمة 650 فولت، تحتاج السمكة إلى استثارة آلاف الخلايا في نفس اللحظة، وفي بعض الأحيان تنثني السمكة على شكل حرف U أثناء عملية الصعق؛ جاعلة سطحها المُقعَّر مُلامسًا للضحية مما يدفع بالكهرباء المتولدة كلها نحو جسد الضحية المسكينة.

ولكن؛ كيف تصل الإشارة عبر جسد السمكة الطويل إلى كل الخلايا المولِّدة للكهرباء في نفس اللحظة؟

من المفترض أن تصل الاستثارة العصبية إلى البطاريات الأقرب للرأس أسرع من تلك الأقرب لطرف الذيل؛ بحكم أنها تقطع مسافة أقصر، لكن في هذه الحالة لا يحدث ذلك وتصل الاستثارة إلى كل البطاريات في نفس اللحظة، لا يمكننا على وجه الدقة أن نحدد كيف، ولكن هناك عدة عوامل تؤثر في هذه العملية لعل أبرزها:

1-  أن يكون مسار الأعصاب الأقرب للرأس مليء بالالتواءات؛ مما يجعل طوله مشابهًا لطول مسار الأعصاب الأقرب لطرف الذيل، وبالتالي، تصل الاستثارة العصبية إلى البطاريات في كلتا الوجهتين في نفس الوقت.

2-  أن يكون قطر الألياف العصبية الأقرب للرأس أصغر من تلك الأقرب لطرف الذيل، الأمر الذي يبطئ من نقل الاستثارة فيها قليلًا.

3-  أن تكون النواقل العصبية neurotransmitters الموجودة في الأعصاب الأقرب للرأس أبطأ من تلك الأقرب لطرف الذيل.

المحصلة النهائية هي أن الإشارة تصل إلى كل البطاريات لتوليد الكهرباء في نفس اللحظة.

هل يمكن أن تصعق سمكة الإنقليس الرعاد نفسها؟

في الواقع، هي تفعل ذلك؛ إذ توحي بذلك ردود أفعالها وانثناءات جسدها في أثناء الصعق في كثير من الأحيان. 

ساهم الانتخاب الطبيعي عبر آلاف الأجيال في تطوير آليات لتقليل ضرر الصعق لدى السمكة، فتراجعت المساحة التي تشغلها أعضائها الداخلية تراجعًا كبيرًا لتشغل جزءًا صغيرًا من جسدها خلف الرأس مباشرة؛ مما قلل الأضرار كثيرًا مقارنة مع ما سيكون عليه الوضع لو أنها موزعة في كل المساحة، وربما تكون قد طورت قدرة فائقة على تحمل الألم تمنحها القدرة على تحمل ألم الصعق الذي لا يستطيع أي كائن آخر أن يتحمله.

المصادر: scientificamericanmat.univie.ac.at

المُساهمون:
  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: رند فتوح
  • تدقيق لغوي: نور عبدو

إضافة تعليق

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.

Become a Patron!