in

ماذا تعرف عن علم التخلق؟

في أوائل القرن التاسع عشر، طرح عالم الأحياء الفرنسي “جان بابتيست لامارك” في كتابه الشهير (دراسات في نظام الكائنات الحية – Recherches sur l’organisation des corps vivants ) فرضيته حول تفسير التنوع في الكائنات الحية وظهور الكائنات الأكثر تعقيدًا دائمًا بعد تلك الأقل تعقيدًا وقدرة الكائنات على التكيف والتناغم مع بيئاتها وفسر ذلك بأن الكائنات تكتسب صفات باستخدامها أو عدم استخدامها لأعضائها وأن هذه الصفات المكتسبة تورث للأجيال الجديدة وتتراكم على مدى أجيال عديدة.

ربما تبدو فكرة توريث الصفات المكتسبة غير منطقية، فإذا جئت بملاكم مثلًا يتدرب على مدار سنوات حتى أصبحت عضلات ذراعيه مفتولة، فإنه لن ينقل هذه الصفة لأبنائه بالضرورة.

مع ظهورعلم الوراثة (genetics) علمنا أن توريث الصفات يرتبط بشكل أساسي بالمورثات (genes) التي تنتقل من الأب إلى الابن والمحمولة على الDNA  الذي يحمل كافة الأوامر المطلوبة لإنشاء كائن حي كامل بأدق التفاصيل المتعلقة بجميع صفاته وعمليات الأيض داخل خلاياه، لتسود قناعة تامة بأنه لا يمكن للكائن الحي أن يكتسب أي صفة غير مرمّز لها في الDNA  الخاص به، وليوضع كلام لامارك فى المتحف.

ولكن إلى أي مدى هذة القاعدة صارمة ولا يمكن خرقها؟ هل يقوم الDNA بعمله بمعزل عن البيئة المحيطة؟

فى الواقع تم اكتشاف عدة أليات تتداخل بها البيئة المحيطة مع الDNA وتؤثر على طريقة ترجمة وترميز الجينات، بل على شكل الDNA  نفسه، مما يسبب تغيرات كبيرة في صفات الكائن الحي أو في قابليته لتطوير هذة الصفات، والكثير من هذه التغيرات قابلة للتوريث، وهذا هو موضوع علم التَخَلُق epigenetics .

إذًا، يمكننا تعريف علم التَخَلُق بأنه العلم الذي يُعنى بدراسة التغيرات في تعبير الجينات عن نفسها والعوامل المسببة لتلك التغيرات (والذي لا يشمل تغيرًا في تتابع قواعد الDNA  أو ما يسمى الطفرات).

قبل أن نشرح كيف تتداخل الطبيعة مع تعبير الجينات عن نفسها، يجب أن نفهم أولًا كيف تعمل هذة الجينات.

باختصار شديد لكي ينقل الجين الأوامر التي يحملها يجب أن يخضع لعمليتين متتاليتين الأولى هي عملية الترجمة translation ويحدث فيها فك الطي المعقد لجزىء الDNA فى المنطقة الموجود بها الجين وفك الروابط الهيدروجينية التي تربط لولبي الDNA ببعضهما البعض وكذلك الروابط التي تربط الجزيء بجزيئات بروتينية أصغر تعرف بالهستونات محيطة به ثم يدخل جزىء الRNA  ليصنع تتابعًا من القواعد النيتروجينية مكملًا لمثيله على جزيء الDNA  فى المنطقة المراد ترجمتها.

ثم تحدث العملية الثانية ألا وهي النسخ (transcription) على جزيء الRNA  حيث تتم ترجمة تتابع القواعد النيتروجينية الذي تم نسخه إلى تتابع من الأحماض الأمينية المشكلة للبروتين والذي سيقوم هنا بدور الرسول الناقل للأوامر التي يحملها الجين عن طريق الارتباط بمستقبلات خاصة به سواء داخل الخلية نفسها أو في خلية أخرى.

كيف تتداخل هنا العوامل البيئية؟

حتى الأن اكتُشِفت عدة أليات لتداخل هذة العوامل وتسبب هذه التدخلات تغيرات في سلوك الجينات والذي بدوره قد يسبب تغيرًا كبيرًا في سلوك الكائن الحي وحتى في خصائصه الشكلية عند توريثها على مدى أكثر من جيل.

أول هذة الآليات هو متيلة الDNA وذلك عبر إضافة مجموعة ميتيل CH3 إلى مجموعة سيتوزين  cytosine أو أدينين adenine على جزيء الDNA ، ستعوق مجموعة الميثيل هذه دخول الأنزيمات المفككة لطي جزيء الDNA  مما يؤدي بالجين الموجود عليه لأن يعمل كمثبط لترميز الجينات التالية له، ولهذه العملية دور هام في عملية تمايز الخلايا داخل الجنين لتتحول إلى أعضاء مختلفة، وكذلك في منع ترميز جينات بعينها قد يتسبب نشاطها في الإصابة ببعض أنواع السرطانات وتصلب الشرايين، كما أن لها دور فى عملية الشيخوخة، وبتأثير البيئة المحيطة مثل نوعية الطعام والهواء ونمط الحياة قد يحدث متيلة لبعض النقاط على شريط الDNA  أو إزالة لمجموعة الميثيل مما يزيد أو ينقص احتمالات الإصابة بهذه الأمراض، أي أن وجود الجين في حد ذاته قد لا يكون كافيًا للإصابة، بل يجب أن تتداخل البيئة معه أيضًا.

ثاني هذة الآليات هو تعديل الهستونات، الهستونات كما ذكرنا بروتينات ترتبط بالDNA بطريقة معقدة وتعمل كقالب يحفظ شكله وطيته، وُجِد أن لهذه البروتينات دور في كيفية تعبير الجينات عن نفسها، بتأثير البيئة المحيطة قد تتسبب بعض الأنزيمات في إضافة مجموعات مثل الأسيتيل CH3CHO أو الميثيل CH3 أو الفوسفات PO4 أو غيرها مما يؤثر على خواص الهستونات ويتسبب في وجود نتوءات أو حفر فى شكلها الفراغي وهذا يؤثر بدوره على طي جزيء الDNA ويجعل جينات معينة قابلة للترجمة والنسخ بينما يترك جينات أخرى مدفونة في الأسفل مما يصعب على الانزيمات الوصول إليها.

الآلية الثالثة تحدث بعد عملية ترجمة الDNA وقبل النسخ عن طريق التداخل مع جزيء الRNA الحامل للأكواد وذلك بطرق متعددة من ضمنها على سبيل المثال الRNA فائق الصغر (MicroRNA) الذي يرتبط بجزيء الRNA ويمنع ترجمة محتوياته إلى بروتين، وتشمل أيضًا متيلة الRNA وطرق أخرى.

الآلية الرابعة تحدث بعد عملية النسخ إلى بروتينات، تقريبًا بطريقة مشابهة للتغيرات في الهستونات، حيث تتسبب بعض أنزيمات الخلية التي تنشط بسبب تداخل معقد لعوامل متعددة -داخلية و بيئية- في إضافة بعض المجموعات الكيميائية للبروتين الناتج مما يؤثر على شكله الفراغي ويؤثر بشكل كبير على خصائصه وقدرته على أداء وظائفه والتعامل مع مستقبلاته.

ما الذى يعد به علم التخلق؟

أولاً: أحدث التَخَلُق ثورة حقيقية في علم الأحياء التطوري إذ مكّننا من دخول منطقة ظلت مجهولة لعقود طويلة عن التأثيرات المعقدة للبيئة على الجينات وأنه تأثير في الاتجاهين وليس في اتجاه واحد فقط، وساعد في فهم أفضل للتنوع الهائل الموجود فى الحياة.

ثانيًا: سيمكننا فهم كيفية حدوث هذة التأثيرات من معرفة أليات الإصابة بالكثير من الأمراض مثل أغلب أنواع السرطانات وتصلب الشرايين واختلالات المناعة والتوحد، وتصميم طرق أكثر ابتكارًا وفعالية فى التعاطي مع تلك الأمراض على المستوى الجيني.

المصادر:

  • ترجمة: محمد علي .
  • مراجعة: داليا المتني.

ماتقييمك للموضوع؟

بواسطة محمد علي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مرضى السايكوباث يشعرون بالندم، لكنهم فقط لا يتغيرون

question

هل تعد البدائل الصنعية للحشيش آمنة؟