fbpx
الفضائيون

أدلة تشير إلى وجود حاسة جديدة خاصة بالحقل المغناطيسي الأرضي

صمّمَ العُلماءُ تَجرِبَةً مُحكمةً تُظهِرُ استجابَةَ الأمواجِ الدّماغيةِ البَشَريَّةِ لِتَغيُّراتٍ في شِدَّةِ الحُقولِ المِغناطيسيَّةِ القَريَبةِ مِن شِدَّةِ الحَقلِ المِغناطيسيّ الأرضِيّ، يقول العلماء في مَعهَدِ كاليفورنيا التقنيّ وجامعةِ طوكيو: “إنَّ العديدَ مِنَ البَشَرِ قادرونَ -بشكلٍ غيرِ واعٍ- على الشُّعورِ بالتَّغَيُّراتِ في شِدَّةِ الحُقولِ المِغناطيسيَّةِ الأرضية”.

تُقَدّمُ الدّراسَةُ الَّتي أُجرِيَت بقيادةِ عالمِ الجيولوجيا جوزيف كيرشفينك Joseph Kirschvink، وَعالِمِ الأعصابِ شين شيموجو Shin Shimojo مِن مَعهَدِ كاليفورنيا للتِقنِيَة، بالإضافةِ إلى خبيرِ الهَندَسَةِ العَصَبِيَّةِ أيو ماتاني Ayu Matan مِن جامِعَةِ طوكيو، دليلًا تجريبيًا على أنَّ الأمواجَ الدّماغِيَّةَ للبَشرِ تَستَجيبُ للتَغيُّراتِ المَدروسَةِ في شِدَّةِ الحُقولِ المِغناطيسيَّةِ القَريبَةِ مِن شِدَّةِ الحَقلِ المِغناطيسِيّ الأرضيّ. يقول كيرشفينك وشيموجو: “إنَّ هذا هو أوَّلُ دليلٍ ملموسٍ لِحاسَّةٍ بَشَرِيَّةٍ جديدة، وهي الإحساسُ المِغناطيسيّ”، ونَشَرَت صحيفةُ eNuro هذا الاكتشاف في الثامن عشر من شهرِ مارس/آذار.

يقولُ خريجُ مَعهَدِ كاليفورنيا التقني كوني وانغ Connie Wang: “تملك العديد من الحيوانات الإحساس بالمجال المغناطيسي، فلماذا لا نملكه نحن أيضًا؟ على سبيل المثال النحل والسالمون والسلاحف والطيور والحيتان والخفافيش جميعها تستخدم الحقل المغناطيسي الأرضي لمساعدتها على التنقل، كما يمكن تدريب الكلاب أيضًا على تحديد مواقع المغانط المدفونة تحت الأرض. وقد اعتُقِد منذ زمن طويل بأن هذه القدرة قد تكون موجودة لدى البشر أيضًا، ولكن بغض النظر عن بحث غير واضح أُجري في الثمانينيات لمحاولة اختبار هذه الحاسة، لم يُبرهَن أبدًا على وجودها بشكلٍ حاسم”.

يقول كيرشفينك: “قسّم أرسطو الحواس إلى خمس حواس أساسية: البصر والسمع والتذوق والشم واللمس، ولكنه نسي أن يذكر كلًا من حس الجاذبية والحرارة والألم والتوازن بالإضافة إلى عدة منبهات داخلية أخرى والتي تُعتبر الآن جزءًا من الجهاز العصبي للإنسان. يشير أصلنا المشترك مع الحيوانات إلى أن مستشعرات الحقل المغناطيسي الأرضي يجب أن تكون موجودة لدى البشر أيضًا، لا بكونها الحاسة السادسة بل ربما الحاسة العاشرة أو الحادية عشر المكتشفة إلى حد الآن.

لتحديد ما إذا كان البشر يشعرون حقًا بالحقول المغناطيسية أو لا، بنى كيرشفينك وشيموجو حجرةً معزولةً بشكلٍ كامل عن الترددات الراديوية الخارجية وجعلا المشاركين يجلسون بصمتٍ تام في الظلام الحالك لمدة ساعة كاملة. وخلال هذا الوقت، حرّك العلماء الحقل المغناطيسي بصمتٍ تام في أنحاء الحجرة مع مراقبة الأمواج الدماغية للمشاركين عن طريق مساري كهربائية electrodes مثبتة على 64 مكان مختلف على رؤوسهم.

تمّ الاختبار بمشاركة 34 شخص من عدة فئات عمرية ومن أعراقٍ مختلفة، وفي أثناء الجلسات لم يشعر المشاركون بشكلٍ واعٍ بأي شيءٍ مثيرٍ للاهتمام سوى جلوسهم وحيدين في غرفةٍ مظلمة، ولكن بالنسبة لعدّة مشاركين كانت التغيرات في الحقل المغناطيسي المحيط بهم مترابطة مع تغيرات في الأمواج الدماغية لديهم، وبشكلٍ أدق تعقّب الباحثون تواتر موجات ألفا في الدماغ والذي تتراوح قيمته بين 8 و13 هرتز، إن تعقب موجات ألفا طريقة فعالة لمعرفة فيما إذا كان الدماغ مشغول بأمر ما أم أنه في وضعية “الطيار الآلي” عندما يكون دماغ الإنسان غير مشغول بأي شيء فإن سعة موجات ألفا تصبح أكبر. عندما يجذب أمرٌ ما انتباه الدماغ – بشكلٍ واعٍ أو غير واعٍ – فإن سعة موجات ألفا تنخفض. ومن المعروف أن تنبيه عدة حواس أخرى مثل البصر والسمع واللمس تسبب انخفاضًا حادًا في طاقة موجات ألفا في الثواني الأولى بعد التنبيه.

أظهرت التجربة كيف انخفضت سعات موجات ألفا لدى بعض المشاركين بعد التنبيه المغناطيسي مباشرةً بنحو 60% من قيمتها الأصلية خلال مئات من الميلي ثانية، ثم عادت إلى مستواها الأساسي بعد عدة ثواني من بدء التنبيه. يقول شيموجو: “تستجيب أمواج الدماغ هذه لمنبهٍ خارجي بشكلٍ معروف ومدروس مسبقًا، تُسمى هذه الحالة بالتشوش المتعلق بالحدث event-related desynchronization أو ألفا ERD”.

كشفت الاختبارات أيضًا بأن الدماغ على ما يبدو يعالج هذه المعلومات المغناطيسية بشكل مستمر ويرفض الإشارات غير الطبيعية، على سبيل المثال عندما وجِّهت مُركّبة الحقل المغناطيسي الرأسية بثبات للأعلى خلال التجارب، لم يكن هناك أي تغيرات موافقة بأمواج الدماغ، لأن الحقل المغناطيسي بالحالة الطبيعية يشير إلى الأسفل في نصف الكرة الشمالي (من الشمال إلى الجنوب)، يبدو أن الدماغ يتجاهل الإِشارات التي تبدو بشكلٍ واضح خاطئة. يقول كيرشفينك بأنه يمكن التأكد من هذا الجزء من التجربة بأن نقوم بالتجربة مرةً أخرى ولكن في نصف الكرة الجنوبي حيث يجب أن تكون الحالة معاكسة.

ألفا ERD هي نمط عصبي واضح يظهر أثناء تنبيه الحواس، وحقيقة أننا نشاهد هذا النمط في الاستجابة لحركات دورانية بسيطة في الحقول المغناطيسية كما يحدث عندما نحرك أو نهز رأسنا، يُعدّ دليلًا قوي على وجود الإحساس المغناطيسي. يقول شيموجو: “إن الاختلافات الشخصية الكبيرة بين شخص وآخر في هذه التجربة مثيرةٌ للاهتمام بالنظر إلى تطور الإنسان وتأثيرات الحياة المعاصرة، وخطوتنا التالية هي محاولة نقل هذا الأمر إلى مستوى الوعي”.

إحدى التحديات التي واجهت المحاولات الأولى في اختبار الإحساس المغناطيسي كانت صعوبة التأكد فيما إذا كانت هذه التغيرات في الأمواج الدماغية هي بسبب الحقل المغناطيسي فعلًا وليست بسبب تأثير عوامل  أخرى. ففي حال أصدرت الوشائع (الملفات الكهرومغناطيسية) المولدة للحقل المغناطيسي حول الحجرة أي صوت مهما كان بسيطًا فإن هذا الصوت قد يكون كافيًا لأن يؤثر على سعة موجات ألفا عند المشاركين.

لحل هذه المشاكل جعل العلماء الحجرة المستخدمة في هذه الدراسة حالكة الظلام ومعزولة، بل أكثر من ذلك، لفّوا أيضًأ الأشرطة النحاسية المبدلة للحقل المغناطيسي وثبتوها بأماكنها بالإسمنت على شكل أزواج، بحيث يكون لكل وشيعة زوج من الأشرطة بدلًا من شريط واحد، فعندما يمر التيار الكهربائي في هذين الشريطين بذات الاتجاه، يكون الحقل المغناطيسي قد تبدل، ولكن عندما يمر التيار بالشريطين باتجاهين متعاكسين يكون الحقل المغناطيسي المتولد عنهم معدوم مع المحافظة على الحرارة المنبعثة والآثار الميكانيكية نفسها. قامت الحواسيب بالتحكم بالتجربة بشكل كامل وبتخزين البيانات، وعولجت النتائج بشكلٍ أتوماتيكي بكبسة زر عن طريق نصوص برمجية حاسوبية بدون أي تدخل بشري متحيّز. وبهذا تمكن الفريق من إثبات أن دماغ الإنسان يستجيب بالفعل للحقل المغناطيسي المتولد عن الوشائع.

يقول كيرشفينك: “إن نتائجنا تستبعد فرضيتي “التحريض الكهربائي” أو “البوصلة الكمومية” اللتين اقتُرِحتا من قبل كآلياتٍ للإحساس المغناطيسي”، بل تشير النتائج إلى وجود أكسيد الحديد الأسود magnetite كمستقبلٍ للإحساس المغناطيسي عند البشر، في عام 1962 اكتشف هاينز لوينستام Heinz A. Lowenstam – أستاذ جامعي في معهد كاليفورنيا التقني- وجود معدن مغناطيسي طبيعي في أسنان الرخويات تبين أنه أكسيد الحديد الأسود، وبعد ذلك اكتشف وجود أكسيد الحديد الأسود في العديد من الكائنات حية انطلاقًا من الجراثيم وحتى البشر، حيث رُبِط بالإحساس المغناطيسي في عدة كائنات منها.

بعد تطوير منهجية كاملة ومحكمة لاختبار الإحساس المغناطيسي عند البشر، يأمل كيرشفينك بأن تكون هذه الدراسة مجرد خريطة للباحثين الراغبين بتوسيع البحث أو إجرائه مرة أخرى. ومع معرفتنا المسبقة لوجود أنظمة ملاحة متطورة جدًا مبنية على الحقل المغناطيسي الأرضي لدى العديد من الأنواع في المملكة الحيوانية، قد لا نتفاجأ عندما نكتشف بأننا قد احتفظنا على الأقل ببعض الأجزاء العصبية التي تملك هذه القدرة، خصوصًا أن أسلافنا – ربما ليسوا القدماء إلى هذا الحد – قد عاشوا حياة الترحال المبنية على الصيد والالتقاط، يقول كيرشفينك إن مدى وراثتنا لهذه القدرة ما يزال غير مكتشف حتى الآن.

المصدر

المُساهمون:
  • ترجمة: مهند طباخ
  • مراجعة: مرح مسعود
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض

مهند طباخ

طالب جامعي في كلية الطب البشري بحلب.

إضافة تعليق

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.