أدى تدجين الكلاب إلى تغيُّر تركيب عضلات الوجه لديها، مما مكّنها من إظهار عدد أكبر من التعبيرات الوجهية مقارنةً بأسلافها أو بأقرب أقربائها الحاليين.

العلاقة بين الكلاب والبشر علاقةٌ مميزة ومؤثرة في تطور الثقافات البشرية؛ دُجِّنَت الكلاب منذ أكثر من 33,000 عام، وخلال هذه المدة، أثّرت عمليات الاختيار والانتقاء في تشكيل كلٍّ من بنيتها التشريحية وسلوكها وحولتها إلى أفضل صديق للإنسان. إن أكثر ما يثير في تعديلات السلوك لدى الكلاب، الناتجة عن الاختيار أثناء التدجين، هو قدرتها على قراءة واستخدام التواصل البشري بطرائق لا تمكن للحيوانات الأخرى استخدامها.

لدى الكلاب مهارة أفضل في استخدام الإشارات التفاعلية البشرية، من مثل لفتات الإشارة أو اتجاه النظرة، حتى من أقرب قريب للإنسان الشمبانزي، وأيضًا أفضل من أقرب أقربائها الحية من الذئاب أو الأنواع الأخرى الداجنة. تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الاتصال البصري Eye contact بين البشر والكلاب أمرٌ حاسم للتفاعل الاجتماعي بين الكلاب والإنسان؛ إذ تتواصل الكلاب، بعكس الذئاب، بصريًا مع البشر عندما لا تستطيع حل مسألةٍ ما بمفردها. يساعد التواصل البصري أيضًا الكلاب على معرفة متى يكون التواصل موجهًا إليها، حيث تميل الكلاب إلى تجاهل إيماءات الإنسان عندما تكون عيون الإنسان غير مرئية بالنسبة لها. يبدو أنه لدى الكلاب، وليس الذئاب، دوافعَ لإقامة اتصال بصري مع البشر منذ سن مبكرة، ويبدو أن حافز الكلاب للتواصل البصري مع البشر هو مؤشر لمستوى الارتباط بينهما؛ وبالتالي، يبدو أن النظرة المتبادلة بين الكلاب والبشر هي السمة المميزة للعلاقة الفريدة بين كلا النوعين خلال التطور الثقافي البشري.

أظهرت ميهو ناجازاوا Miho Nagasawa في دراسة مشتركة أجرتها عام 2015، أن التحديق المتبادل بين الكلاب والبشر (ولكن ليس بين الذئاب والبشر)، يؤدي إلى حلقة تغذية راجعة للأوكسيتوسين oxytocin مشابهة لتلك الموجودة بين الأمهات البشريات والرُضَّع. للأوكسيتوسين دورٌ أساسي في السلوكيات المرتبطة بالثدييات وفي علاقة الارتباط بين الأم والرضيع. وبشكل مماثل، يبدو أن تبادل النظرات بين الكلاب والبشر تؤدي إلى زيادة الأوكسيتوسين في كليهما، مما يزيد من الدافع للتواصل البصري. بسبب وجود حلقة الأوكسيتوسين -والتي تشكل نقطة تقاطع بين الأنواع- في الكلاب والبشر، ولكن ليس بين أقرب أقرباء الكلاب (الذئب) والبشر، يجب أن تكون عمليات الانتقاء أثناء التدجين قد لعبت دورًا مهمًا حيث سرقت الكلاب الاستجابة الرعائية الإنسانية. السيناريو الأكثر تطورًا يقول بأن سلف الكلاب قد عبّر، إلى حدٍّ ما، عن خصائص أثارت استجابة البشر، ومن ثمّ فضل البشر بوعيٍّ أو بغير وعي اختيارهم لتلك الخصائص، مما أدى إلى التكيفات المماثلة التي نراها في الكلاب اليوم.

من الممكن أن يكون اختيار السمات التي تسهّل الاتصال البصري بين الكلاب والبشر قد تسبب في الاختلافات التشريحية في عضلات الوجه حول العينين بين الكلاب والذئاب، وكذلك الاختلافات السلوكية بين النوعَين من حيث كيفية استخدام هذه العضلات لتطوير التواصل البصري. نعلم أن البشر يفضلون الكلاب التي تُظهر ملامح تشريحية ذات شكل تشابه ملامح الرُّضَّع من مثل الجبهة العريضة والعينَين الواسعتَين وما إلى ذلك؛ في الدراسات التي يُطلَب فيها من الناس اختيار صور تحوي وجوه كلاب (أو قطط)، يفضل الناس الوجوه التي تحوي ملامح تشابه ملامح الرُّضَّع على صور الوجوه الأخرى وذلك وفقًا لدراسة بحثية أجراها جون أرشر John Archer وسورايا مونتون Soraya Monton عام 2010.

الأهم من ذلك، أنه يمكن المبالغة في ملامح وجه الرُّضَّع بشكلٍ أكبر عن طريق حركات عضلات الوجه، والتي تعمل على تحسين مظهر ملامح الوجه المحددة (خاصة العينين). أظهرت دراسةٌ أجرتها الباحثة بريدجيت والر Bridget M. Waller عام 2013 أن حركة معينة لعضلات الوجه حول العينين (والمُسمّاة AU101 رفع الحاجب الداخلي inner eyebrow raise) تبدو جذابةً بشكل خاص للإنسان، وتجعل هذه الحركة العيون تبدو أكبر، وبالتالي أكثر شبهًا بالرُّضَّع وربما أكثر جاذبيةً للبشر. تشبه حركة رفع الحاجب الداخلي أيضًا التعبير الوجهي التي يُظهره الإنسان عندما يكون حزينًا، والذي من المحتمل أن يثير استجابةً لدى الإنسان. أظهرت الدراسة أن الكلاب التي تُظهر هذا التعبير الوجهي قد تُبنَّت من الملجأ بسرعةٍ أكبر من الكلاب التي تُظهر هذا التعبير بشكل أقل، مما يشير إلى أن إظهار هذه الحركة (التعبير) يعطي الكلاب ميزة اختيار محتملة؛ لم يكن لتعابير الوجه الأخرى نفس التأثير. ولكن لم يكن يُعرف حتى الآن ما إذا كان التدجين قد شكّل هذه الظاهرة، أو إذا كان الاختلافان التشريحي والسلوكي الواضحان بين الكلاب والذئاب يتعلقان بتعبير الوجه هذا.

لتحديد ما إذا كانت التدجين فعلًا قد شكّل عضلات الوجه لتسهيل التواصل بين الكلب والإنسان بهذه الطريقة، فقد أجرى الباحثون تشريحًا مقارنًا مفصلًا للذئاب الرمادية gray wolves (اسمها العلمي: Canis lupus) والكلاب المنزلية domestic dogs (اسمها العلمي: Canis familiaris)، كما قارنوا بين تواتر وشدة حركة رفع الحاجب الداخلي لدى كلٍّ من الذئاب والكلاب خلال التفاعلات الاجتماعية مع البشر.

النتيجة الرئيسية هي التشابه النسبي بين عضلات الوجه لدى الكلاب المنزلية والذئاب الرمادية، والاختلاف الوحيد هو حول العين فقط، إذ توجد العضلة الرافعة للزاوية الإنسية للعين (LAOM) بشكل روتيني لدى الكلاب، ولكنها تتمثل فقط بألياف عضلية ضعيفة يحيط بها كمية كبيرة من نسيجٍ ضام في الذئاب الرمادية. كما يُلاحظ أنه أحيانًا لدى الذئاب قد يختلط وتر مع الجانب الإنسي لألياف العضلة الدويرية العينية Orbicularis oculi muscle، بالقرب من المنطقة التي يُتوقع فيها عادةً وجود العضلة الرافعة للزاوية الإنسية للعين. ولذلك، لدى الذئاب قدرةٌ أقل على رفع الزاوية الداخلية للحواجب بغض النظر عن استرخاء العين، وهو الاختلاف التشريحي الأساسي في التعبير عن حركة AU101 (رفع الحاجب الداخلي).

عضلات الوجه لدى الذئاب (اليمين) والكلاب (اليسار)؛ الاختلافات التشريحية موضحة باللون الأحمر. حقوق الصورة: تيم سميث Tim D. Smith جامعة كامبردج، المملكة المتحدة)
عضلات الوجه لدى الذئاب (اليمين) والكلاب (اليسار)؛ الاختلافات التشريحية موضحة باللون الأحمر.
الجانب الأيمن لوجه الكلب المنزلي والذئب الرمادي.

الجانب الأيمن لوجه الكلب المنزلي والذئب الرمادي.

المسميات:

  • B: العضلة المُبَوِّقَة buccinator muscle.
  • C: العضلة النابية (الرافعة لزاوية الفم) caninus muscle.
  • DS: العضلة الخافضة لحاجز الأنف depressor septi muscle.
  • F: العضلة الجبهية frontalis muscle.
  • LLM: العضلة الرافعة للشفة العليا levator labii maxillaris.
  • LN: العضلة الرافعة للشفة العليا ولجناح الأنف levator nasolabialis muscle.
  • M: عضلة الذقن mentalis muscle.
  • Ooc: العضلة الدويرية العينية orbicularis oculi muscle.
  • OOM: عضلة الفم الدائرية orbicularis oris muscle.
  • P: العضلة المُبطَّحة (العضلة الجلدية للعنق) platysma muscle. (يُلاحظ أن هذه العضلة مقطوعة في الذئب الرمادي لتكشف عن العضلة العاصرة).
  • SCP: العضلة العاصرة العنقية العميقة sphincter coli profundus muscle.
  • Z : العضلة الوجنية zygomaticus muscle.

يحدد الخط الأخضر منطقة العضلة الرافعة للزاوية الإنسية للعين LAOM لدى الكلاب المنزلية ونلاحظ تقلص هذه المنطقة عادةً لدى الذئاب الرمادية.)

لم يختلف تركيب عضلات الوجه الأخرى حول العين بين الكلاب والذئاب، وكان الاستثناء الوحيد هو عضلة الزاوية الوحشية للعين الضامة retractor anguli oculi lateralis muscle (RAOL) التي كانت شديدة التباين في الحجم والوجود، إذ توجد لدى معظم الذئاب الرمادية ولكنها عادةً ما تكون أرق لدى الكلاب المنزلية، وتتكون من حزم ألياف عضلية قليلة.

تسحب عضلة الزاوية الوحشية للعين زاويةَ الجفون الجانبية باتجاه الأذنين، تمتلك جميع الكلاب الداجنة هذه العضلات بشكل روتيني، باستثناء الهاسكي السيبيري Siberian husky التي تنتمي بشكلٍ مثير للاهتمام إلى سلالات الكلاب القديمة، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالذئاب أكثر من العديد من السلالات الأخرى. ولذلك، كان لدى معظم الكلاب في العينة المدروسة قدرةً أكبر من الذئاب الرمادية على سحب زوايا جفونها الجانبية بشكل خلفي نحو آذانها. لم يوجد اختلاف كبير آخر في عضلات الوجه داخل عينة الذئب الرمادي، باستثناء RAOL، التي وُجِدت في ثلاثةٍ فقط من العينات الأربعة المدروسة.

تتوافق هذه الاختلافات التشريحية بين الكلاب والذئاب مع التحليل السلوكي لحركات الوجه الموجهة نحو الإنسان، في دراسة شملت 27 كلبًا منزليًا وتسعة ذئاب رمادية. جاءت الكلاب من عدة ملاجئ من المملكة المتحدة والذئاب من متنزهين مختلفين، وشاهد شخصٌ غريب كلَّ ذئب أو كلب واقترب منه بشكل فردي وصوّر سلوكه لمدة دقيقتين لكل منها. وعند تحليل تكرّر وشدة حركة رفع الحاجب الداخلي AU101 عند كل العينات المدروسة (الكلاب والذئاب)، أظهرت الكلاب هذه الحركة بشكل أكبر بخمس مرات من الذئاب. وعند تحليل عدد مرات حدوث حركة  AU101 كشفت المقارنات أن الكلاب والذئاب يُظهران الحركات الأقل شدةً بنفس العدد، وتُظهر الكلاب الحركات متوسطة الشدة بشكل أكبر من الذئاب، بينما تُظهر الكلاب حصريًا (دون الذئاب) الحركات ذات الشدة المرتفعة.

اقرأ أيضاً: هل تملك الكلاب فعلا القدرة على الإحساس بمشاعرنا؟

المصدر

  • ترجمة: رأفت فياض
  • مراجعة: رند فتوح