يأخذنا هذا المقال في جولة بدءًا من عظام نابير وحتى حاسبة كورتا Curta للمرور على المخترعين البارعين المبدعين المنسيين حتى وصلنا إلى الآلة الحاسبة الإلكترونية.

استفاد البشر من الرياضيات منذ قديم الزمن، لدرجة أننا لا نستطيع تحديد متى كانت أول استعانة بأدوات لتعزيز الحساب الذهني، لكن الأداة كانت على الأغلب أصابعنا، وبعدها كانت كومة صغيرة من الحصى. وهاتين الأداتين مفيدتان في حالة الكميات الصغيرة، كما أن أصابعنا لا يمكن الاستعانة بها إلا لفترةٍ وجيزةٍ قبل أن تتعب عضلات السلاميات.

ومع تطور الزراعة والتجارة والفلك في عصور ما مقبل التاريخ، حتى أكوام الحجارة لم تعد كافيةً. ولهذا ابتكر السومريون في بلادهم (حاليًا تقع ضمن العراق) نسخةً أوليةً من المحسب تعود إلى 2500 سنة قبل الميلاد، ومنها انتشر إلى أوروبا وبقية آسيا. ومع تطور المحسب صارت الحسابات التي كانت تُعتبر صعبةً للغاية أمرًا بسيطًا.

وخلال الأربع آلاف وخمس مئة سنة التي تلت ظل المحسب آلة العد السائدة، وما يزال مستخدمًا حتى يومنا هذا في أجزاء من آسيا. إلى أن نشر عالم الرياضيات الأسكتلندي جون نابير John Napier كتابه الذي أسماه Rabdology والتي تعني باليونانية الحساب بالأعواد، وشرح فيه آلية عمل الجهاز الذي بات يُعرف باسم عظام نابير. يتألف الجهاز من أعواد رقيقة محفورٌ عليها جداول الضرب. ويحسب المستخدم الناتج المطلوب عن طريق رصف الأعواد عموديًا، والنظر إلى إجمالي ناتج الضرب أفقيًا. وبإنفاق بضع ساعاتٍ من التمرين عليها يمكن لأيس كان أن يُنجز أعقد مسائل الضرب والقسمة بالاستعانة بمجموعة من هذه العظام. ويمكن لمن تمرَّس بهم وصار خبيرًا أن يحسب الجذر التربيعي لأعداد كبيرة نوعًا ما، وهو أمرٌ لم يكن تحقيقه سهلًا في القرن السابع عشر.

لم تكن هذه الأداة حاسبةً، بل عملت على تبسيط العمليات الحسابية التي ما زال على الإنسان القيام بها في ذهنه. في العام 1642 ابتكر العالم المتبحر بالرياضيات بليز باسكال Blaise Pascal الحاسبة التي حملت اسمه، وكانت قادرةً على إجراء العمليات الحسابية بآليةٍ تُشابه عمل الساعات.

كانت حاسبة باسكال ابتكارًا بارعًا، وحاولت إجراء عملياتٍ حسابيةٍ كان يُعتقد أنها مستحيلة، غير أنها كانت صعبة التصنيع، ولم يُصنع منها سوى بضع قطع. وبقيت عظام نابير والمحاسب سائدةً في مكاتب المحاسبين حتى أواسط القرن التاسع عشر، حينما اخترع وصنَّع توماس دو كولمار Thomas de Colmar أول حاسبةٍ ميكانيكيةٍ متينة بالقدر الكافي للاستخدام اليومي. حرَّض هذا الاختراع على تطوير آلات حاسبة كثيرة تستطيع جمع وطرح وضرب وقسمة الأعداد الضخمة بسرعةٍ كبيرة ودقةٍ عالية. وكان حجمها الكبير هو السيئة الوحيدة لها، فقد كانت تشغل مساحة طاولة المكتب بكاملها، كما أن وزنها كان يصل إلى 15 كيلو غرام أو يزيد.

انضم كورت هيرتزشتارك Curt Hertzstark. وُلد في فيينا عام 1902 في أسرةٍ تمتهن صناعة الحاسبات وغيرها من الآلات المكتبية، وكانت دور كورت في شبابه عرضَ هذه الأدوات للزبائن. في عام 1937 شرع هيرتزشارك بالعمل على تصميم آلةٍ جديدة يمكن حملها باليد. وبعد سنةٍ من ذلك التاريخ أنهى التصاميم محققًا ما كان يصبو إليه.

لكن وفي 12 آذار 1938 قاطع غزو جيش هتلر للنمسا خطط هيرتزشتارك، فطوال أربع سنوات أجبر جيش الاحتلال النازي هيرتزشتارك على إنتاج قطع غيار وتجهيزات عسكرية لحكومة الرايخ. وبعدها في عام 1943 اعتُقل هيرتزشتارك وأُرسل إلى معسكر التجميع في بوخينفالد، وأسعفته معرفته وخبرته في التصنيع الدقيق على الإبقاء على حياته.

فعندما سمع آمر المعسكر بخطط هيتزشتارك لصُنع آلةٍ حاسبة محمولة، عقد معه صفقةً مفادها أن يقوم بتصنيع الآلة، فإذا ما نجح في ذلك، قدَّموها هديةً إلى هتلر، وبالطبع لم يكونوا بحاجةٍ لإخباره بمَ سيحصل إن لم تشتغل كما ينبغي. فعمل خلال السنتين التاليتين على بناء الآلة خلال ما أتيح له من أوقات الفراغ مسترجعًا كلَّ تفصيل في التصميم من ذاكرته. في عام 1945 بُعيد انتهائه من الخطط الجديدة، تمكنت قوات الحلفاء من تحرير المعتقلين في المعسكر.

لدى عودته إلى فيينا متأبطًا رسوماته، استطاع هيرتزشتارك إقناع أمير ليختنشتاين بالاستثمار في مشروع آلته الحاسبة. كانت الحاسبة آيةً في الإبداع. لم يتجاوز ارتفاعها العشرة سنتيمترات وقطرها الخمسة سنتيمترات، ولها جسمٌ أسطواني وذراع تدوير صغيرة في أعلاها. ومن بعيد تبدو كما لو أنها طاحونة بن صغيرة، لكنها في الحقيقة تحوي أكثر من 600 قطعة دقيقة تسمح للمشغِّل أن يجمع ويطرح ويضرب ويُجري عمليات القسمة الطويلة بمجرد تدوير الذراع. ويستطيع المستخدمون المتمرسون حساب اللوغاريتمات الطبيعية والجذور التربيعية.

أُنتجت حاسبة كورتا بنموذجين اثنين، يختلف أحدهما عن الآخر اختلافًا طفيفًا. فالأول المسمى النمط 1 Type-1 يستطيع إظهار أجوبةٍ من ثمانية أرقام، أما الثاني الأكبر قليلًا فكان قادرًا على عرض حتى 15 رقمًا. وتبرز أهمية هذه النقطة عندما نجد أن معظم تطبيقات الآلات الحاسبة في الهواتف الذكية تعرض الأجوبة في 16 خانة لدى تفعيل النمط العملي من عملها.

استمر تصنيع هذه الآلات الحاسبة ما بين عامي 1948 و 1970 حيث توقف الإنتاج بعد تصنيع حوالي 150 ألف حاسبة خلال تلك الفترة، بسبب ظهور الحاسبات الإلكترونية. لقد كانت حاسبة كورتا الأفضل والأخيرة من بين الحاسبات الميكانيكية.

تُوفي العبقري هيرتزشتارك عام 1988 منسيًا، وبحسب إحدى آلاته التي تبلغ من العمر 65 عامًا وما تزال تعمل بشكلٍ ممتاز أنه كان قد بلغ السادسة الثمانين من عمره عند وفاته.

  • ترجمة: أحمد الشاذلي