نرى العالم من نافذة العلم

لماذا هناك كائناتٌ تلد وأخرى تبيض؟ ولماذا تختلف طرق الحمل؟

0 7

عملية الحمل والولادة كانت دائمًا أحد أكبر الألغاز التى واجهت البشرية منذ نشأتها، وكانت سببًا رئيسيًّا في تقديس جسد الأنثى لدى المجتمعات البشريّة القديمة في العصر الحجري القديم حيث ارتبط هذا الجسد بالحياة وبالقدرة على العطاء الغير محدود.

من أين نشأت هذة الظاهرة؟ ومتى تمايزت عن عملية وضع البيض؟

توفّر الولوديّة viviparity بعض المزايا التي قد تشكّل فرصًا أفضل للبقاء عند ضغوطٍ بيئيّةٍ معيّنةٍ وذلك لأنها تحتفظ بالصغار في بيئةٍ دافئةٍ بدرجة حرارة جسد الأم بالإضافة لكونها تحميهم من هجمات المفترسات مقارنةً بعمليّة وضع البيض (البيوضيّة) oviparity الذي يكون منفصلًا عن الأم و بالتالي أكثر عرضةً للسرقة والافتراس، ولكن في المقابل يؤدي ذلك إلى تقليل التنوّع الجينيّ، نسبيًّا، فى الذريّة لأن الولوديّة تستوجب عادةً شركاء جنسيّين أقلّ للأم من البيوضيّة.

كانت هناك دراساتٌ لعالم الأحياء الروسي سيرجيف فى ثلاثينيات القرن الماضي عن أنواع السحالي فى بيئاتٍ مختلفةٍ من أوراسيا، حيث لاحظ أنه كلّما اتجهنا شمالًا نحو المناخ الأكثر برودةً كانت نسبة السحالي الولوديّة تزداد، وفي دراسةٍ أخرى أكثر تفصيلًا قام بها دونالد تينكل ووايتفيلد جيبونز بجامعة ميتشجن عام 1977 على السحالي والثعابين بأمريكا الشمالية توصلا لنتائجَ مشابهةٍ، كلّما اتجهت نحو الطقس البارد سواء في دوائر العرض العليا أو المناطق المرتفعة ازدادت نسبة السحالي والثعابين الولوديّة بالمقارنة بإجمالي السحالي والثعابين المتوّطنة في المنطقة لدرجة أنها تدرّجت من 26% بين دائرتي عرض 25-30 شمال إلى 62% بين دائرتي عرض 50-55 شمال.

 

ولاختبار فرضيّة دور دفء جسد الأم قام ريتشارد شاين بجامعة شيكاجو عام 1995 بإجراء دراسةٍ على نوعين من السحالي الأسترالية البيوضيّة وهما السحلية الشرقية ذات الخطوط الثلاثة Bassiana duperreyi وسحلية الغابات العليا Nannoscincus maccoyi، حيث قام بتقسيم البيض إلى مجموعتين وضع إحداهما في درجة حرارةٍ محاكيةٍ لها في العش بينما وضع الأخرى في درجة حرارةٍ محاكيّةٍ لقناة نقل البيض لدى الأم، وكانت النتيجة مثيرةً للاهتمام، البيض الذي تمت حضانته فى بيئةٍ مشابهةٍ لجسد الأم أخرج صغارًا  أكبر حجمًا وذات ذيولٍ أطول بالإضافة لكونها اكثر نشاطًا وأسرع في الجري بالمقارنة مع أشقائهم الذين تمت حضانتهم فى بيئةٍ مشابهةٍ للعش.

إذاً الاحتفاظ بالذريّة داخل جسد الأم يقدّم ميزةً تطوريّةً هامّةً جدًا ساعدت الكثير من الزواحف الولوديّة على التكيّف والبقاء في المناخات الأكثر برودة.

سحلية الأجام الجنوبية Sceloporus aeneus

ولكن كيف ظهرت هذة الميزة؟

ظهرت الولوديّة فى الفقاريات بشكلٍ تطوريٍّ مستقلٍ فى 132 حالة، 98 منها كانت فى الزواحف إذ ظهرت في أجناسٍ بعيدةٍ عن بعضها ممّا يؤكد أنها ظهرت بشكلٍ مستقلٍ في أغلب الزواحف الولوديّة على حدة، ويُعتقد أن ذلك قد حدث فى حقبةٍ زمنيّةٍ حديثةٍ نسبيًا، إذ أنها لو كانت قد حدثت في أزمنةٍ أقدم لكان انتشارها في طوائفَ كاملةٍ من الزواحف، لكن هذا لم يحدث، بل قد نجد داخل نفس الجنس نوعًا ولوديًّا ونوعًا بيوضيًّا، بل والمثير حقًا أن هناك حالات سُجلت لسلوكٍ ولوديٍّ وبيوضيٍّ داخل نفس النوع مثل سحلية الأجام الجنوبية Sceloporus aeneus والأفعى منشارية الحراشف Echis carinatus.

بينما في الثدييّات كان الأمر مختلفًا، إذ أن جميع الثدييّات ولوديّةٌ عدا استثناءاتٍ بسيطةٍ تُعرف بالكظاميات أو الثدييّات البيوضيّة وحيدة المسلك Monotremata، ولكن في المقابل كان هناك تنوعٌ ملفتٌ فى شكل المشيمة وطريقة عملها ونفاذيتها ووقت تكوّنها وتفاصيلَ أخرى كثيرةٍ متعلّقةٍ بها، فما الذي يفسّر ذلك؟

كانت الإجابة من علم التَخَلٌق epigenetics، في دراسةٍ نشرتها الجمعية الملكية البريطانية عام 2012 تتبّع الباحثون نشاط الجينات المسؤولة عن عمليات الحمل والولادة والإرضاع في الثدييّات الكيسيّة Marsupial mammals والمشيميّة eutherian mammals والتي تشمل الإنسان، المسؤول هنا عمليةٌ تُعرف بالتطبُّع الجينيّ Genomic encoding، وهي عمليةٌ معقدةٌ تدمج أكثر من آليةٍ من أليات التَخَلٌق (راجع مقالنا السابق عن علم التَخَلُق ) فكرتها ببساطة تتلخّص فى أن هناك بعض الجينات يتم تكويدها بناءً على مصدرها إن كانت من الأب أو الأم ويحدث ذلك أثناء تكون الأمشاج  (البويضة لدي الأم والحيوان المنوي لدى الأب) وفقًا لعمليةٍ معقّدةٍ تستخدم كلًّا من أليتي مثيلة الـ DNA وتعديل الهستونات، بتتبّع هذه العملية وُجد أنها قد بدأت الحدوث منذ انفصال أسلاف الثدييّات الكيسيّة والمشيميّة عن الثدييّات البيوضيّة منذ حوالي 160 مليون سنةٍ، ثمّ حدث فيها العديد من التعديلات على مدار التاريخ الطويل لتمايز الثدييّات في مواضعَ مختلفةٍ لتنتج أشكالًا متنوعةً من المشيمة وآليات الحمل تتحكّم فيها مواضع قديمةٍ من التطبّع الجينيّ وأخرى أحدث دخلت عليها في مراحلَ لاحقةٍ.

الأفعى منشارية الحراشف Echis carinatus

الخلاصة:

الولوديّة تعطي أفضليّةً واضحةً عند ظروفٍ بيئيّةٍ معيّنةٍ مثل الطقس البارد وكثرة المفترسات وندرة الموارد، فهي من ناحيةٍ تضمن بقاء الذريّة فى ظروفٍ موائمةٍ من حيث درجة الحرارة ومن ناحيةٍ أخرى تضمن تغذيتهم بشكلٍ أفضل وأكثر كفاءةً، وهذة ميزةٌ تطوريّةٌ لا يمكن الاستهانة بها، وفي الثدييّات تطوّرت مبكرًا مقارنةً بباقي التصنيفات إلى أشكالٍ متعدّدةٍ اختلفت في التفاصيل على حسب المواضع التي حدث فيها تعديلٌ في آلية التطبّع الجينيّ بسبب الضغوط التطوريّة ويمكننا تحديد ذلك بكثيرٍ من الدقّة بمقارنة الـDNA الخاص بالحيوانات ببعضها، لكن بقيت الخطوط العريضة لها واحدةً.

المصادر :

  • إعداد: محمد علي
  • تدقيق لغوي: رأفت سعيد فياض
تعليقات
Loading...