in

الملحمة العظمى: كيف وصلنا إلى الفقاريّات الحاليّة؟ 1. اللافكيّات

تميّزت اللافكيّات بعدم وجود زعانف مزدوجة سواءً الصدريّة أو الحوضيّة. كانت لديها زعانف مفردة ظهريّة وذيليّة فقط، بينما ظهرت لديها في المتوسط 7 أزواج من الجيوب الخيشوميّة البدائيّة، وكان جهازها الهضميّ بدائيًّا و يتكون من أنبوب طوليّ يمتدّ من فتحة الفم إلى فتحة الإخراج، تتمّ فيه عمليّات هضم وامتصاص بسيطة دون معدة. والمثير للاهتمام حقًّا فيها أنّ الحبل الظهريّ “Notochord” الذي يظهر لدى أجنّة جميع الفقاريّات المعروفة ثم يختفي ليحلّ محلّه العمود الفقريّ سواءً كان غضروفيًّا كما في الأسماك الغضروفيّة أو عظميًّا كما في أغلب الفقاريّات، بدلاً من أن يحدث ذلك في حالة اللافكيّات يبقى ذلك الحبل الظهريّ كما هو بنفس صورته الجنينيّة البدائيّة في أغلب أنواعها، وبالذات الأكثر قدمًا منها، مما يؤكّد أنّنا نتحدث هنا عن كائنات سابقة، وسلفٍ لجميع الفقاريّات المعروفة حاليًّا .

انقسمت فوق طائفة اللافكيّات إلى عدة طوائف من ضمنها:

1- الأسماك المدرّعة صدفيّة الأدمة “Ostracoderm”، طوّرت هذه الأسماك هيكلاً عظميًّا خارجيًّا كان يبدو كدرع خارجيّ، ومن حسن الحظّ أنّه هو المسؤول عن معرفتنا بأنّها كانت موجودة يومًا ما؛ لأنّ الأجزاء الصلبة تحجّرت على مدار ملايين السنين لتصل إلينا. طوّرت هذه الأسماك في مراحل لاحقة أجهزة عصبيّة أكثر تعقيدًا – نسبيًا – من أسلافها، مكنّتها من جعل أعضائها أكثر تخصّصًا، فأصبحت الخياشيم للتنفّس فقط بعد أن كانت للتنفّس والتقاط الطعام، كما مكّنتها من التحكّم بشكل أفضل في أعضائها الحسيّة المتعلقة بالنظر والشمّ وحفظ توازنها في المياه. طوّرت هذه الأسماك أشكالًا مختلفة من الهياكل الخارجيّة، انفصلت عن بعضها في مراحل مختلفة على مدار العصرين “الأوردوفيشي” و”السيلوري” مكوّنة تنوّعًا غنيًّا حتى ظهر لنا في بقاياها.

 

  • درعيّات الجناح “Pteraspidomorphi”، تميّزت هذه الطائفة بصفائح عظميّة صنعت حصرًا من “الأباتيت” (فوسفات الحديد) ومشتقاته، ولم يدخل في تركيبها خلايا عظميّة، غطّت هذه الصفائح الرأس من الأمام والأعلى والأسفل، وتكوّنت منها الزعنفة الظهريّة في كثير من أنواعها. طوّرت بعض الأنواع المتأخرة من هذه الأسماك أعضاءً بصريّة مزدوجة أكثر تعقيدًا، كما كان لها تجويفين أنفيين، ويعتقد أنّها أسلاف الفكيّات التي ظهرت بعد ذلك قبل 419 مليون عام، التي يشكّل خلفائها حاليًّا حوالي 99% من الفقاريّات المعروفة، والتي طوّرت زعانف صدريّة وحوضيّة وفكوكًا مشكّلة خطوة مفصليّة في تطوّر الفقاريّات.
  • مخروطياّت الأسنان “Conodont” ، وكان يتراوح طولها بين سنتيمتر واحد و 40 سم، وكانت تمتلك عيونًا كبيرة بالمقارنة مع حجم أجسامها، وتعتبر أسنانها غريبة الشكل، والتي تتكوّن من ترسّبات معدنيّة على أنسجة شبيهة بالعظام، هي أقدم أسنان عثر عليها في السجل الأحفوريّ للفقاريّات حتى اليوم.
  • دائريّات الفم Cyclostomata و تميّزت بعدم وجود صفائح عظميّة على الإطلاق، وكان جلدها ناعمًا وانسيابيًّا، وشكلها يشبه إلى حدِّ ما ثعابين السمك. يعتقد أنّها انفصلت عن أبناء عمومتها صدفيّات الأدمة ودرعيّات الجناح قبل أن تظهر العظام لدى تلك الأخيرة. كان الفم دائريًّا محاطًا بما يشبه المخالب التي تمكّنها من الالتصاق بالصخور، ولكنّ المثير حقًا بخصوص هذه الطائفة أنّ بعض أنواعها لايزال موجودًا حتى اليوم. نعم، لدينا حفريّات حيّة لم تتغيّر بشكل جوهريّ منذ مئات الملايين من السنين. النوعين الأشهر من هذه الأسماك هي سمك “الجريث Hagfish” و”الجلكيّات Lamprey”.

سمك “الجريث” تنتشر أغلب أنواعه في مياه المحيط الهادي، ويتراوح طوله بين نصف متر وحوالي متر وربع. يمتلك جمجمة غضروفيّة وحبل ظهريّ غير مغلّف بسلسلة عظميّة أو غضروفيّة، بينما ظهرت لديها تكوينات تشبه الأسنان لكنّها مصنوعة من “الكيراتين” وليس “الأباتيت” و”الكولاجين”، كأسنان أغلب الفقاريّات التي سلكت مسارًا مختلفًا. احتفظت سمكة “الجريث” بنفس نظام التنفّس عبر الجيوب الخيشوميّة دون تعديلات تذكر، معتمدة على 5 – 16 زوج من تلك الجيوب، وتمتلك عيونًا بدائية بدون عدسات تمكّنها من تتبع الضوء.

بينما تمتلك “الجلكيّات” التي تنتشر على نطاق واسع في الكثير من البيئات المائيّة العذبة والمالحة في أمريكا الشماليّة والمحيطين الأطلسيّ والهادي هيكلًا غضروفيًّا وسلسلة ظهريّة غضروفيّة تعرف باسم “أركواليا Arcualia”، ويتراوح طولها عادة من 13 إلى 100 سم. أغلب أنواع “الجلكيّات” تسلك سلوكًا طفيليًّا، حيث تلتصق بالأسماك الأكبر حجمًا باستخدام الخطاطيف الموجودة حول فمها المخروطيّ ثم تمتصّ دماء تلك الأسماك. تمتلك “الجلكيّات” أكبر عدد معروف من الكروموسومات بين جميع الفقاريّات، إذ يتراوح عددها بين 82 و 87 زوجًا من الكروموسومات، أي أقلّ بقليل من 4 أضعاف ما لدى الإنسان (23 زوج). والمثير للاهتمام حقًا بخصوصها أنّها طوّرت جهازًا مناعيًا تكيّفيًّا “Adaptive Immune System”، يقوم بوظائف مشابهة للخلايا التائيّة “T-cells”  وملحقاتها لدى الثدييّات، ولكن بمسار تطوّريٍّ منفصل.

تطالعنا آثار اللافكيّات على طول الفترة بين أواخر العصر “الكمبريّ” إلى العصر “الديفونيّ” في مدى زمنيّ يقارب الـ150 مليون عام، وبينما انقرض أغلبها نجح القليل جدًّا منها في النجاة من كل التغيّرات البيئيّة التي مرّت بها الأرض، ويورّث جيناته للأجيال التالية ليصل لعصرنا الحاليّ، وكلما اقتربنا من العصر الحاليّ كلما بدأت الفكيّات بتنويعاتها في الظهور مشكّلة خطوات أكبر وأكثر تأثيرًا في تلك الرحلة العظيمة.


المصادر :

  • Source: Vertebrate Paleontology and Evolution , Robert L. Carrol , 1988 , W. H .Freeman and company , page 26-43
    2، 3، 4، 5

 

  • إعداد: محمد علي.
  • مراجعة: محمود نبوي.
  • تدقيق لغوي: بهاء زايد.

بواسطة محمد علي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هل يمكن أن تبقى صديقاً لحبيبك السابق؟!

تكنولوجيا الواقع #1: التكنولوجيا بين تغيير الواقع واستبداله