نحن الآن في العصر الكربوني قبل حوالي 350 مليون عام، لدينا عالم جديد تماماً، بعد حدث هانجنبرج انقسمت القارة الكبرى التي كانت تجمع كل اليابسة (بانجايا Pangaea) إلى قارتين منفصلتين لوراسيا Laurasia في الشمال وجندوانا Gondwana في الجنوب، انقرض أغلب سكان الأرض القدامى،  توفر الكربون والعديد من الموارد الأخرى بشكل غير مسبوق، ازدهرت الكثير من أنواع الأسماك الغضروفية والعظمية الناجية في البحر، بينما على اليابسة كان يحدث ما هو أكثر إثارة.

هناك كائن غريب يسير ببطء على 4 أقدام تكيفت على مدار أجيال عديدة للسير على الأرض، إنه أكانثوستيجا Acanthostega ، واحد من أقدم رباعيات الأطراف Tetrapods التي عثر عليها في هذا الكوكب.

ظهرت هذة الكائنات لأول مرة في أواخر العصر الديفوني، كانت تجر أجسامها الثقيلة على أقدام ضعيفة نسبياً وتحاول أن تبحث عن موطىء قدم لها في هذة البيئة التي لم تعرفها أسلافها من قبل، كانت اليابسة وقتها ملأى بالحشرات والديدان ولافقاريات أخرى، بالإضافة لمساحات واسعة مغطاة بالأعشاب البدائية موفرة موارد غذائية متنوعة وكثيفة للوافدين الجدد.

طورت رباعيات الأطراف عيوناً أكبر من أسلافها وأقرب لبعضها وانتقل موقعها من جانبي الرأس إلى الأعلى أو الأمام مما وفر مدى رؤية أوسع، وكذلك نجحت في استخلاص الأكسجين من الهواء باستخدام رئتيها، وساعد الانتخاب الطبيعي على بقاء الأفراد أصحاب الرئات الأكثر كفاءة وتوريث هذة الصفة للأجيال التالية، وبالطبع كانت الصفة الأكثر ثورية هنا هي ظهور الأقدام وتكيفها مع البيئة الجديدة وذلك عبر عملية طويلة وبطيئة استغرقت عشرات الملايين من السنوات تطورت فيها عظام الزعانف لدى أسلافها الأسماك لتصبح أطول ومنثنية نحو الخارج وليس إلى الخلف ولتتمايز إلى عظام عضد (أو فخذ) وذراع (أو ساق) وسلاميات.

كانت البرمائيات amphibians هي أول رباعيات أطراف موجودة، ظلت تضع بيضها في الماء كأسلافها الأسماك ليفقس ويخرج يرقات تتنفس بالخياشيم قبل أن تبلغ وتستبدلها بالرئات، كانت حيوانات لاسلوية Anamniotes كأسلافها، أي أن غشاء السلي المحيط بالبيض والذي ظهر في الفقاريات المتأخرة والذي كان يسهل عملية استخلاص الأكسجين وإخراج الفضلات غير موجود، مما يعني أن البيض كان يقوم بهذة الوظائف بشكل مباشر مع البيئة المائية المحيطة، ولا تزال هذة الصفة في جميع الأسماك والبرمائيات حتى اليوم.

عُرِفَت البرمائيات الأولية باسم متاهيات الأسنان labyrinthodont (وأحياناً باسم مدرعات الرؤوس Stegocephali )، والتي كان من ضمنها صديقنا أكانثوستيجا، تميزت بالطي الداخلي المميز لمينا أسنانها  الشبيه بالمتاهة والذي اشتق منه اسمها، تمايزت لديها الأنياب لأول مرة، كما تحركت الوجنتان إلى الأمام قليلاً مما سمح بكبر حجم تجويف الأذن وتمايز طبلتها، احتفظت الأنواع الأقدم منها بحراشف قوية في منطقة البطن، ولكنها بدأت تختفي مع الأنواع الأحدث، في بعض أنواعها انفصلت عظام الحزام الصدري عن الجمجمة مما جعل لها رقبة تمكنها من تحريك رؤوسها في عدة اتجاهات مما يعني مدى رصد أكبر للطعام أو للمفترسات.

تمايزت أولى السلويات Amniotes في منتصف العصر الكربوني قبل حوالي  320 مليون عام، كان ظهور غشاء السلي نقطة مهمة في المسار التطوري للفقاريات، أصبح الجنين مغلفاً بنسيج من خارجه ينظم التغذية والتنفس وإخراج الفضلات والجنين مع غشائه محاطين بدرع كلسي أو جلدي يشكل الغلاف الخارجي للبيضة مما جعل من الممكن وضع البيض على اليابسة للمرة الأولى، كانت السلويات الأولية تشبه إلى حد ما السحالي الحالية  مع أجسام صغيرة، وغالباً كانت تتغذى على الحشرات التى كانت مزدهرة ومتنوعة بشكل غير مسبوق في ذلك الوقت، وتوحي هياكلها العظمية برشاقة وقدرة أكبر على الحركة والهرب من المفترسات الأكبر حجماً بالمقارنة بأعمامها من متاهيات الأسنان، تمايزت السلويات  في مرحلة مبكرة إلى  ذوات وجوه السحالي Sauropsida والتي خرج من نسلها جميع الزواحف والطيور الحالية  ومندمجات الأقواس  Synapsida والتي خرج من نسلها جميع الثدييات الحالية.

 

علي اليمين هايلونوموس Hylonomus أحد ذوات وجوه السحالي البدائية , و على اليسار دايميترودون Dimetrodon أحد مندمجات الأقواس ذوات الشراع Pelycosaur التي ازدهرت في العصر البرمي

ساعدت وفرة الموارد والصفات الجسمانية التي تمتعت بها هاتان المجموعتان من رشاقة وسرعة في ازدهارها وتنوعها بشكل هائل على مدار العصرين الكربوني والبرمي، فظهرت أنواعها في أغلب البيئات في اليابسة، بل وعاد بعض ذوات وجوه السحالي إلى البحر مثل إكثيوصورس Ichthyosaur وبليسيوصورس Plesiosaur .

في الأعلى هيكل عظمي لإكثيوصورس وفي الأسفل لبليسيوصورس ، يمكننا ملاحظة الأطراف بالرغم من تمايزها لعظام عضد (أو فخذ) وذراع (أو ساق) وسلاميات  كيف تحورت واقتربت من بعضها لتكون ما يشبه الزعانف

 

حتى نهاية العصر البرمي كانت مندمجات الأقواس في الغالب هي الأكبر حجماً بين كل الكائنات التى عاشت على الأرض في تلك الفترة، تخطت أطوال بعض أنواعها 3 أمتار، يمكن تمييز جماجمها بسهولة عن طريق الفتحة الصدغية temporal fenestra الموجودة في مقدمة العظمة الصدغية والتي لن نجدها في جماجم أحفادها من الثدييات المعاصرة لأنها تمت تغطيتها في مرحلة أحدث بواسطة العظمة الوتدية sphenoid bone ، تمايزت أسنانها إلى قواطع أمامية وأضراس  خلفية وأنياب بالمقارنة بأبناء عمومتها من ذوات وجوه السحالي التي لم تتمايز أسنانها بهذا الشكل، بعض مندمجات الأقواس مثل يوثايريس Eothyris  كان لها 4 أنياب في الفك العلوي متوزعين على جانبيه، وبعض الأنواع الأخرى كان لديها  6 لكن أغلب الأنواع كان لديها نابان كالثدييات الحالية، تمايزت لديها عظام الحنك لتفصل تجويفي الأنف والفم، بينما أصبح الفك السفلي عظمة واحدة بدلاً من عظام أصغر ملتحمة مع بعضها.

يوثايريس و يظهر هنا نابين متتابعين على جانب الفك بدلاً من ناب واحد كالثدييات الحالية

ازدهرت كل من ذوات وجوه السحالي ومندمجات الأقواس وتسيدت الأرض لعشرات الملايين من السنوات، ولكن الأمور لا تسير دائماً على ما يرام، ففي نهاية العصر البرمي قبل حوالي 250 مليون عام تعرضت الأرض لواحدة من أكبر الكوارث الطبيعية في تاريخها، انقراض نهاية البرمي العظيم The end-Permian extinction الذي سبب انقراض أكثر من 95% من الأنواع البحرية وأكثر من ثلثي الأنواع التي تعيش على اليابسة، هناك عدة فرضيات تتناول سبب هذة الكارثة، والتي تنوعت بين نشاط بركاني هائل وانفجار نجم قريب من مجموعتنا الشمسية تسبب في غمر الأرض بالإشعاعات وتعرض الأرض لرشقات من الكويكبات أو مزيج من كل هذة الكوارث مجتمعة على الأرجح، لكن الأكيد أن ذلك قد أثر بشدة على مستويات الكربون والأكسجين و الكبريت والاسترانشيوم في الجو وفي التربة وتسبب في انخفاض مستوى الأكسجين المذاب في مياة البحر لمستويات خطرة وتسبب كذلك في دورات متتالية من ارتفاع وانخفاض درجات الحرارة بشكل لم تتحمله الكثير من الأنواع الموجودة وقتها.

 

تسببت تلك الأحداث المأساوية في انهيار النظم البيئية التي تأوي أغلب ذوات وجوه الزواحف ومندمجات الأقواس والبرمائيات والأسماك وفي انقراض جماعي لأغلب أنواعها، لكن الحياة تجد لنفسها دوماً الطريق لتستمر في رحلتها المدهشة نحو الخلود، سينجح الناجون في التكيف مع الظروف الجديدة والاستمرار في تمرير جيناتهم إلى ذراريهم، ستزدهر تلك الذراري وستتنوع وسيملأ نسلها الأرض مؤذناً بعصر جديد، سنستكشفه معاً.


المصادر :

  • Vertebrate Paleontology and Evolution . Robert L. Carroll . 1988 . W. H .Freeman and company . P:156-216
  • Vertebrates , comparative anatomy, function and evolution .sixth edition . Kennith V. Kardong .2012 . McGraw-Hill . P:104-127

مصدر 3, 4

  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: محمود نبوي
  • تدقيق لغوي: بتول الحكيم