in

كيف وصلنا إلى الفقاريات الحالية؟ 4. من البِرمي إلى الجوراسي

مطلع العصر الترياسي قبل حوالي 250 مليون عام، مساحاتٌ واسعة من الأرض لا تبدو عليها أيّ آثارٍ للحياة، أراضٍ كانت مغطّاة بالغابات التي تنبض بالحياة أصبحت جرداء بالكامل وانطمرت أشجارها مُشَكّلةً فخاخاً قاتلة عَلقت بها العديد من الحيوانات والحشرات ولم تستطع النّجاة، والضجيج الذي كانت تحدثه الحشرات صمت إلى حين. سيتحول الكثير من هذه المطامر الغنية بالكربون بعد مئات الملايين من السنوات إلى وقودٍ أحفوري، بينما ستتحجّر أخرى تحت ظروفٍ مختلفةٍ لتحتفظ لنا بالأدلة على تلك الحياة الغنية التي كانت هنا.

يبدو أنّ هناك ناجين، أصوات الحشرات لم تصمت بشكلٍ كامل، ويبدو أنّها قد أثارت زاحفاً سريعاً خرج ليطاردها، إنها باليجوانا Paliguana whitei، سحليةٌ بدائية صغيرة الحجم جسدها مغطّى بحراشف متداخلة. تنتمي باليجوانا إلى طائفة العظائيات Sauria  حيث كانت ذوات وجوه السحالي Sauropsida قد تمايزت لعدّة تصنيفاتٍ وكانت أهمّها ثنائيات الأقواس Diapsida التي تمايزت بدورها إلى تصنيفاتٍ متنوعة أهمّها العظائيات، بينما سلكت السلاحف مساراً تطورياً منفصلاً تمايزت فيه عن ذوات وجوه السحالي في مرحلةٍ مبكرة للغاية. ومن المؤسف حقاً أنّ الطائفة الوحيدة من ثنائيات الأقواس التي استطاعت النّجاة من الانقراض العظيم آخر العصر البرمي كانت العظائيات.

تمايزت العظائيات قبل الكارثة إلى العظائيات الحرشفية Lepidosauromorpha التي تنتمي إليها صديقتنا باليجوانا، والتي سيخرج من نسلها جميع السحالي، الثعابين والعظائيات القوسية Archosauromorpha التي سيخرج من نسلها التماسيح، الديناصورات والطيور. نجحت السحالي الناجية في التكيف مع التغيرات البيئية ومع الواقع الجديد، فنالت مكافأتها بالبقاء وتمرير جيناتها إلى الأجيال التالية لتستمر إلى يومنا هذا. على الناحية الأخرى كانت مندمجات الأقواس تواجه متاعب مماثلة، فقد تمايزت قبل الكارثة إلى العديد من الطوائف لم ينج منها إلا البعض من طائفة ثيرابسيدا Therapsida، حيث كانت الفتحة الصدغية على جانب جمجمتها أكبر ممّا سمح بوجود عضلاتٍ فكية أكبر وأقوى تسمح بمضغ الطعام الأكثر صلابة، وأصبحت المفاصل في الحزامين الصدري والحوضي أكثر مرونةً ممّا أعطى مدى أكبر للحركة. وقد تراجع حجم الثيرابسيدات الناجية لتصبح صغيرةً مقارنةً بأعمامها المنقرضة من ذوات الشراع Pelycosaur التي كانت من أضخم المفترسات في العصر البرمي والتي وصل طولها إلى 3 أمتار، فتراجع الحجم ليصبح أضخم الثيرابسيدات بحجم كلبٍ كبير كما انقرضت أغلب الأنواع الأكبر حجماً مع الانقراض الكبير نهاية العصر البرمي بسبب ندرة الغذاء المتوفر غالباً فأصبح الحجم الكبير الذي يحتاج إلى كمياتٍ أكبر من الغذاء عبئاً على صاحبه وربّما أيضاً لصعوبة تجنّب الإشعاعات مع الحجم الكبير. انتصبت الأطراف الأربعة عمودياً تحت الجسد ممّا جعل طريقة المشي مختلفةً عن أسلافها الأشبه بالسحالي، بينما تمايزت عظام القوقعة الأنفيةNasal concha .

غير أنّ المثير للاهتمام حقاً هو تمايز عظام الأذن الداخلية؛ كانت الثيرابسيدات نقطةً فارقة في تطور عظام الأذن الداخلية (المطرقة، السندان والركاب) والتي كانت في البداية جزء من عظام الفك السفلي، ثمّ كبرت العظمة الوسطى منها لتشغل المساحة الأكبر وتتحول إلى عظمة الفك السفلية Mandible لدى الثدييات الحالية، بينما أُزيحت العظام الجانبية إلى الخلف والأعلى لتكون هذه العظام الصغيرة الثلاث في كل أذن، وهي التي نعتمد عليها اليوم في عملية السمع. كانت بداية التمايز لدى أسلافها مندمجات الأقواس عندما أصبحت جذور الأسنان جميعها تخرج من عظمة الفك لتنزاح العظام الأخرى إلى الجانبين ثمّ إلى الخلف والأعلى على مدار عمليةٍ بطيئة استغرقت ملايين السنين لتصل للأشكال الحالية. كما تمايزت لدى الثيرابسيدات أيضاً أنماطٌ مختلفة من إمدادات الدم بالمقارنة مع أسلافها وأقاربها، حيث أصبحت أكثر كثافةً للأطراف والذيل، وأصبحت العظام مغطّاةً بشبكةٍ كثيفة من الأوعية الدموية لم تعرفها أيّ حيوانات أخرى من قبل، بينما نما الشعر لأول مرة بدلاً من الحراشف على أجساد بعض أنواعها ممّا يعني نظاماً مختلفاً لحفظ الحرارة عمّا عرفه الأسلاف. لقد أصبح لدينا ولأوّل مرة حيواناتٌ من ذوات الدم الحار، أي أنّها تنظم درجة حرارتها داخلياً بآليات مختلفة مثل الإمدادات الدموية الكثيفة وعمليات الأيض الأكثر نشاطاً وحجز الحرارة بالفراء الكثيف بدلاً من الاعتماد على درجة حرارة الوسط المحيط كالزواحف، البرمائيات والأسماك.

تمايزت الثيرابسيدات إلى عدة تصنيفات كان أكثرها تنوعاً وأهمية هو كلبيات الأسنان Cynodont التي ازدهرت في العصرين الترياسي والجوراسي والتي خرجت من نسلها الثدييات الحالية، حيث تمايزت لديها الأسنان بشكلٍ يشبه النمط الموجود لدى الثدييات الحالية، وأصبحت الفتحة الصدغية أكبر. بينما أصبح القوس الوجني Zygomatic arch أعرض ممّا أعطى مساحةً أكبر لعضلات الوجه.

دياديمودون Diademodon (كلبي الأسنان من أواخر العصر الترياسي) و جمجمته على اليسار , نلاحظ هنا الأسنان المتمايزة بشكل كامل والقوس الوجني العريض و الفتحة الصدغية الكبيرة خلفه مما يعني عضلات كبيرة و قوية على جانبي الوجه لمضغ الطعام .

 

كان العالم في منتصف العصر الترياسي على موعدٍ مع ظهور الكائنات الأكثر شهرةً بين سكان الأرض القدامى والأكثر إلهاماً لمخيلة الكثير من المهتمين بعلم الحفريات؛ الديناصورات. حان دور أحفاد ذوات وجوه السحالي هذه المرة لكي تتفوق في الحجم على أبناء عمومتها من أحفاد مندمجات الأقواس. فقد انتشرت الديناصورات في كل أنحاء اليابسة وسادت الأرض لقرابة 170 مليون عام وخدمتها الظروف البيئية المواتية وقتها لتتنوع بشكلٍ مدهش، وتمايزت في مرحلةٍ مبكرة إلى سحليات الأقدام Sauropods، وحشيات الأقدام Theropods وطيريات الورك Ornithischia. ضمّت سحليات الأقدام أضخم كائناتٍ عرفتها اليابسة على الإطلاق، حيث كانت ديناصوراتٍ هائلة الحجم ذوات رقبةٍ وذيلٍ طويلين، سارت على أربع وكانت في الغالب عاشبة. من ضمن أشهر أنواعها دبلودكس Diplodocus الذي وصل طوله من طرف الأنف إلى طرف الذيل 26 متر وبرونتوصوروس Brontosaurus الذي وصل طوله إلى 22 متر. بينما ضمّت وحشيات الأقدام الديناصورات آكلةِ اللحوم التي سارت على قدمين وصغيرةِ حجم أطرافها الأمامية مثل تيرناصورس ركس Tyrannosaurus rex ذائع الصيت، ولكنّ المثير للاهتمام حقاً بخصوص وحشيات الأقدام أنّ الكثير من أنواعها كانت أجسادها مغطاة بالريش. بينما كانت طيريات الورك أصغر حجماً وكانت في الغالب عاشبةً وتمشي على أربع مثل ثلاثي القرون Triceraptor.

دبلودكس بالمقارنة مع إنسان
تيرناصورس
تيرناصورس ركس بالمقارنة مع إنسان
ثلاثي القرون

 

ستبلغ الديناصورات أوج ازدهارها أواخر العصر الجوراسي، بينما ستبدأ الثعابين والسحالي الأحدث في التمايز عن أسلافها من العظائيات الحرشفية، كما ستشق أسلاف التماسيح من أشباه التمساحيات Crocodylomorpha مسارها التطوري المستقلّ بعد انفصالها عن العظائيات القوسية. كما ستبدأ الثدييات الأولية في التمايز عن كلبيات الأسنان ليشكلوا عالماً نابضاً بالحياة بشكل لا يصدق، ونظاماً بيئياً مختلفاً تماماً عن الذي نعرفه اليوم، مكملةً الرحلة العظيمة التي بدأها أسلافها قبل مئات الملايين من السنوات.

Crocodylomorpha

المصادر

  • إعداد: محمد علي.
  • مراجعة: محمود نبوي.
  • تدقيق لغوي: جيهان المحمدي.

ماتقييمك للموضوع؟

Avatar

بواسطة محمد علي

3 تعليق

ضع تعليقك

اترك تعليقاً

Avatar

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سلسلة الاتصالات (9) الضجيج (Noise)

سلسلة الاتصالات (10) المُرشّحات (Filters)