إنّه العصر الكريتاسي (الطباشيري)، قبل حوالي 145 مليون عام، الحياة مزدهرةٌ ومتنوعةٌ بشكلٍ غير مسبوق، درجات الحرارة أعلى بقليلٍ ممّا هي عليه اليوم، نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي تصل إلى حوالي 30 بالمئة، مئات الأنواع من الديناصورات تتجوّل وسط غاباتٍ كثيفة من النباتات السرخسية والصنوبرية وأشجار السايكاد Cycad التي تشبه النخيل، بدأت الصفائح التكتونية المكوِّنة للقارتين الكبيرتين (لوراسيا وجندوانا) بالابتعاد عن بعضها البعض في عمليةٍ بطيئة استغرقت ملايين السنوات لتصل القارات لشكلها الحالي، ظهرت النباتات المزهرة للمرة الأولى وكانت غذاء شهياً للعديد من الحيوانات العاشبة وقتها، ولكنّ الأكثر إثارةً كان يحدث في السماء.

لنتعرف على التيروصورات Pterosaurs، وهي زواحفٌ مجنَّحة تستطيع الطيران وتنتمي لطائفة العضائيات القوسية، تمايزت أسلاف هذه المجموعة في مرحلةٍ مبكّرة عن أسلاف الديناصورات وظهرت للوجود أواخر العصر الترياسي لتتنوع ببطءٍ خلال الجوراسي والكريتاسي. كان لهذه المجموعة جناحان جلديان يمتدّان من كاحلي الطرفين السفليين إلى الإصبع الرابع بالطرفين الأماميين والذي استطال بشكلٍ كبير، كانت أجسادها مغطاة بألياف كثيفة Pycnofibers تشبه الشعر، تنوعت المسافة بين طرفي الجناحين من 10 سنتيمترات إلى 12 متر واستطال الفكان ليُكوِّنا ما يشبه المنقار. وقد ظلت الأسنان موجودةً في أغلب الأنواع وكانت ذيول الأنواع الأقدم منها طويلةً للغاية بالمقارنة بالحجم، لكنّها اختفت تدريجياً مع الأنواع الأحدث. للأسف لم يُكتب لهذه المجموعة من الحيوانات التي تُعدّ مساراً تطورياً منفصلاً أن تستكمل حتى النهاية، فقد انقرض آخرها مع الانقراض العظيم أواخر العصر الكريتاسي قبل 65 مليون عاما.

هاتزيجوبتركس Hatzegopteryx أحد أضخم التيروصورات الذي وصل عرض جناحيه إلى حاولي 11 متر بالمقارنة مع إنسان

 

في الواقع مع بداية العصر الكريتاسي، لم تعد التيراصورات وحدها في السماء بل ظهرت أولى الطيور. ربما تُعدّ الطيور أكثر الفقاريات تعقيداً على الإطلاق، حيث تتمتع أجسادها بمعدلات أيضٍ metabolism أعلى من أيّ فئةٍ أخرى، درجات حرارة أجسادها لا تقوى أغلب الفقاريات الأخرى على احتمالها وتعتبر كثافة الخلايا العصبية داخل أمخاخها هي الأعلى على الإطلاق حتى بالمقارنة مع الثدييات ذوات الأمخاخ كبيرة الحجم، بينما احتاج الطيران إلى جهازٍ تنفسي أكثر كفاءةً جعلها متفردة عن جميع أقاربها ضمن باقي الفقاريات.

بدأ تمايز الطيور عن وحشيات الأقدام Theropods نحو منتصف العصر الجوراسي، وتعود أقدم حفريةٍ عُثر عليها لطائر أركيوبتركس Archeoptryx أو الطائر العتيق الذي يُعدّ حفريةً وسيطة بين وحشيات الأقدام والطيور، حيث تمايز هنا منقارٌ أولي وظلت الأسنان موجودة ، كما التحمت عظام الجمجمة قليلاً مقللةً مساحة سطحها. وقد احتفظ أركيوبتركس بذيلٍ طويل، كما كانت منطقة الصدر فوق عظمة القص مغطاةً بحراشف جلدية وظلت العظام سميكةً وثقيلة الوزن مثل إخوته من وحشيات الأقدام الأخرى.

ازدحمت السماء بشكلٍ غير مسبوق في العصر الكريتاسي وظهرت أنواعٌ متعدّدة من الطيور ذوات أجسامٍ أكثر تكيّفاً مع الطيران من سلفها أركيوبتركس، أصبحت العظام أقلّ كثافةً وأخفّ وزناً، صغر حجم الذيل واندمجت الفقرات الأخيرة من العمود الفقري مكونةً عصعصاً مثلث الشكل Pygostyle أعطى ميزةً تطورية هامّة لحامليه، إذ سمح لهم بتحكّمٍ أفضل في اتّجاهاتهم أثناء الطيران كما خفف من وزنهم كثيراً، ممّا أعطاهم فرصاً أفضل للبقاء وتوريث هذه الصفة للأجيال التالية، إضافةً إلى ظهور بروزٍ خارجي لعظمة القصّ عُرف باسم الكيلة Keel أتاح لأغلب أنواع الطيور مساحةً أكبر لرؤوس العضلات المحرِّكة للجناحين ممّا يعني عضلاتٍ أقوى وأكبر حجماً. وتمايز الإصبع الخارجي للطرف العلوي (الإبهام) لديها إلى جُنَيح Alula على كل جناحٍ سمح لها بالتحكم في اتّجاهها وسرعتها عند الإقلاع، الهبوط والطيران بسرعاتٍ منخفضة.

رسم يوضح وضع الجنيح alula  في جناح طائر

كانت الثدييات الأولية تزدهر على الأرض، حيث أصبحت أجسادها مغطّاةً بالشعر بالكامل، صار المخ أكبر حجماً وتمايزت لديها الغدد اللبنية التي وفّرت نظاماً مختلفاً وفعالاً لتغذية الذرية غير مرتبطٍ بمواسم معينة ويسمح برعاية الذراري المولودة بدرجات نمو متأخرة نسبياً مقارنةً بالحيوانات الأخرى، مع تقليل خطر التعرض للمفترسات بالنسبة للأم ممّا وفر ميزاتٍ تطورية لا يمكن إغفالها ساعدت على انتشار هذه الصفة. طورت الثدييات أيضاً وسيلةً مختلفة لتوليد الطاقة باستخدام الجلوكوز، فأغلب الفقاريات تعتمد في ذلك على عملية تخمر للجلوكوز داخل العضلات أو ما يعرف بالأيض اللاهوائي Anaerobic metabolism؛ تسبب هذه العملية تراكم حمض اللاكتيك Lactic acid بالعضلات بعد دقيقتين أو ثلاثة من المجهود البدني العنيف ممّا يسبب ارتفاعاً في درجة الحرارة وآلاماً شديدة بالعضلات ويحدّ من نشاط تلك الكائنات كثيرا، فاحتفظت الثدييات بتلك الخاصية وما زالت تستخدمها في حالات المجهود العنيف والاستجابات السريعة للخطر، غير أنّها طورت إلى جانبها آليةً أكثر كفاءةً للتوليد المستمر للطاقة من الجلوكوز باستخدام الأيض التأكسدي Oxidative metabolism الذي ينتج كميات أكبر من الطاقة ومخلفاتُه أقلّ ضرراً متمثلةٌ في الماء وثاني أكسيد الكربون. وقد أعطى ذلك النظام للثدييات قدرةً أكبر على استهلاك الطاقة ومعدلات أيض أضعاف الكائنات الأخرى (باستثناء الطيور)، ممّا ضاعف من استهلاكها للطعام والأكسجين، فهي تستهلك منهما حوالي 10 أضعاف استهلاك الزواحف من نفس الوزن، كما أعطاها في المقابل نشاطاً أكبر وقدرةً على أداء وظائفها الحيوية بشكل أكثر كفاءة.

جنباً إلى جنب مع الثدييات، كانت هناك قصة نجاح أخرى. كانت أشباه التمساحيات Crocodylomorpha قد تنوعت بشكل كبير، ولكن مع انتصاف العصر الكريتاسي كانت التمساحيات Crocodyliformes هي الفئة الوحيدة منها التي استطاعت الاستمرار، كبرت أحجامها إلى حدٍّ كبير بالمقارنة مع أسلافها وحتى مع أحفادها الموجودة اليوم فوصل طول ستوماتوسوكوس Stomatosuchus الذي عُثر على حفرياته بمصر إلى حوالي 10 أمتار، وبروصوروس Purussaurus  العملاق الذي عُثر على حفرياته بأمريكا الجنوبية إلى حوالي 13 مترا. أصبحت الجمجمة قويةً وسميكة وترتبط أجزاءها بشكلٍ متصلّب لا يسمح بأيّ حركة بينها ويجعلها تتفاعل كعظمةٍ واحدة، كما انفصل تجويفا الأنف والفم ممّا سمح لها بالبقاء في المياه مع رفع فتحتي أنفها فقط وإبقاء الفم تحت السطح دون مشاكل في التنفس، بينما تحركت رؤوس عضلات المضغ لتصبح خلف الفكّ مباشرةً ممّا أعطى مساحةً أكبر لفتح الفم على آخره، وأعطى كذلك سرعةً وقوّة عند إغلاقه، الشيء الذي جعل تماسيح اليوم صاحبة العضة الأقوى في كل المملكة الحيوانية حيث تستطيع مهاجمة الفرائس القوية وكبيرة الحجم وكذا التعامل معها بسرعةٍ وكفاءة.

 

ستوماتوسوكوس
بروصوروس بالمقارنة مع إنسان

للأسف لم يكن مقدراً لهذا التنوع الخلاب أن يستمر للأبد، فقد زاد النشاط البركاني بشكلٍ كبير قبل حوالي 65 مليون عام ممّا تسبب بإغراق الغلاف الجوي بكمياتٍ هائلة من ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد الكبريت التي تسببت بتغيراتٍ مناخية درامية ونوبات جفاف طويلة، والتالي خراب البيئة الطبيعية للكثير من الأنواع. غير أنّ الضربة القاضية جاءت مع تعرض الأرض لاصطدامٍ هائل بكويكب حيث ما يُعرف اليوم بالمكسيك، فكانت قوة الاصطدام الهائلة مع سحب الغبار الكبيرة التي حجبت ضوء الشمس لسنواتٍ عن مساحات شاسعة تأثيراً مدمّراً. لقد كان انقراضاً جماعياً هائلاً أطاح بثلاثة أرباع الأنواع الحيوانية والنباتية على وجه الأرض مع استثناأتٍ قليلة، فكل حيوان يزيد وزنه عن 25 كيلوجرام لم يستطع النجاة، وانقرض كلّ ما تبقى من الديناصورات والتيروصورات، وانتهى مسارهم التطوري إلى الأبد.

انتهى العصر الكريتاسي وانتهت معه أنواعٌ لا حصر لها، نجت أنواعٌ قليلة من كلٍّ من الأسماك، البرمائيات، الزواحف، الطيور والثدييات، ساعدتها صفاتها على التكيّف مع المتغيرات الكبرى التي حدثت في بيئاتها الطبيعية وتمكنت من النجاة، الاستمرار وتمرير جيناتها للأجيال التالية، ستكون مكافأتها أن يسود نسلها الأرض، يزدهر ويتنوع ليكمل رحلة الأسلاف. هل ستشهد الأرض انقراضاتٍ جماعية أخرى؟ ربما؛ كل من لا يملك الصفات التي تساعده على البقاء حينئذٍ سينقرض وسينجح الأكثر قدرةً على التكيف مع المتغيرات في تمرير صفاته لنسله، وبالتالي يضمن استمرار ملحمةٍ هي الأعظم على الإطلاق.


المصادر :

 

  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: محمود نبوي
  • تدقيق لغوي: جيهان المحمدي
مشاركة!

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا