in

كيف أثبت البشر دوران الأرض حول نفسها قبل وجود البعثات الفضائية؟

تقول المؤلفة “إما بولينيوس” (1919): “كان “كريستوفر كولومبوس” يعيش في حقبةٍ يؤمن فيها النّاس بأنّ الأرض مسطحةٌ والبحار لا نهاية لها، كانواْ يؤمنون بأنّ المحيطات تملؤها الوحوش الضارية التي ستلتهم أيّ سفينةٍ تريد أن تستكشفه. حارب “كولومبوس” كل هذه الخرافات وشجع رجاله على ركوب البحر معه في عام 1492 لأنّه كان يؤمن في قرارة نفسه بأنّ الأرض كروية”.

كيف أثبت البشر دوران الأرض حول نفسها قبل وجود البعثات الفضائية؟

سيجد أيّ شخصٍ يقف على سطح الأرض بأنّ السماء والنّجوم تدور حول محورٍ مارٍّ من الأرض، حيث أقرّ البشر بكروية الأرض وبدورانها حول نفسها منذ القدم (منذ عام 276 قبل الميلاد بالأسكندرية على يد عالم الرياضيّات اليونانيّ “إراتوستينس” وهو أول من حسب محيط الأرض بدقة)، إلّا أنّ ذلك خلا من أيّ تجربةٍ فيزيائيةٍ تثبت دوران الأرض حول نفسها إلى أن جاء العالم “فوكو” عام 1851م، وأثبت ذلك بواسطة بندول بسيط بكتلة 28kg وسلك طوله 67m مثبّت في سقف مبنى “مقبرة العظماء” في باريس. كان ذلك المبنى ملائماً لتلك التجربة إذ يسمح للبندول بالتحرك في جميع الاتجاهات.
بعد أن سمح “فوكو” للبندول بالحركة لاحظ بأنّ المستوي الذي يتأرجح فيه البندول يدور مع عقارب الساعة حول الشاقول المار من نقطة التثبيت إذا ما شوهِد من الأعلى وبمعدل 11 درجة في الساعة، وبذلك المعدل يدور مستو التأرجح للبندول 360 درجة خلال 32.7 ساعة. ثبّت “فوكو” كتلة البندول بخيط صغير عند أبعد مطال للبندول ومن ثمّ قطع ذلك الخيط بواسطة شعلة من النار تفادياً لأي ارتجاج قد يسببه المقص أو إفلات البندول يدوياً. استخدم “فوكو” في أسفل كرة البندول مؤشراً مُدبباً ووضع على الأرض طبقة من الرمال، فلاحظ بأنّ الخط الذي يرسمهُ المؤشر يدور حولَ مسقط نقطة التثبيت.
إنَّ سبب استخدام بندولٍ ذي خيطٍ طويل وكتلةٍ كبيرة هو زيادة الزخم الزاوي للبندول، مما يزيد من زمن تخامده تحت تأثير مقاومة الهواء والاحتكاك.

كانت تلك التجربة أوّل تجربةٍ فيزيائيةٍ تبيّن بأنّ الأرض تدور حول نفسها. ولكن، كيف لدوران مستو البندول بهذا الشكل أن يثبت دوران الأرض حول نفسها؟

ينصّ قانون “نيوتن” الأول على أنّ الجسم الساكن يبقى ساكناً والجسم المتحرك بسرعةٍ ثابتةٍ في خط مستقيم يبقى متحركاً بسرعةٍ ثابتةٍ مالم تؤثر عليه أيّ قوّة خارجية. نعلم بأنّ البندول المثالي سيتحرك في مستوٍ واحد إلى ما لانهاية وذلك بالتبادل بين الطاقة الكامنة والحركية للبندول، وأنّ قوى الاِحتكاك وقوى مقاومة الهواء التي تميز الحركة المثالية عن تلك الحقيقية غير مسؤولةٍ عن الحركة الدورانية لمستو اهتزاز البندول، وتلك القوى تؤدي إلى تخامد (تباطؤ) البندول فقط  (الإنقاص من مطاله) مع بقاء اهتزازه في مستوٍ واحد.

من أين أتت تلك القوى الخفية التي أدّت لدوران ذلك المستوي؟ وما علاقة ذلك الدوران بدوران الأرض حول نفسها؟

إنّ أيّ نظامٍ يتحرك بتسارعٍ على خط مستقيم أو يتحرك بحركةٍ دورانيةٍ ستتحرك بداخلهِ الأجسام بشكل غريب تحت تأثير قوّةٍ وهمية ما بالنّسبة لمراقبٍ داخل النّظام. أمّا إذا روقِبت الأجسام المتحركة داخل ذلك النظام (من خارج النظام نفسه) فلن يُلاحظ المراقب أيّ شيءٍ غريب، وستصبح قوانين “نيوتن” صالحةً للتطبيق حينها. فقانون “نيوتن” الأول هو قانونٌ صحيحٌ بالطبع، غير أنّه لا يمكن تطبيقه إلّا في جمل المقارنة العطالية. لتعرف أكثر عن جمل المقارنة العطالية وغير العطالية في الفيزياء تابع معنا هذا المقال:
الإطار المرجعي العطالي وغير العطالي في الفيزياء

تسمّى القوّة التي أدّت لتحريك بندول “فوكو” بهذا الشكل قوّة “كوريوليس”، وهي قوّةٌ وهميةٌ غير حقيقيةٍ لا يلاحظها إلا مراقبٌ داخل جملة المقارنة غير العطالية، أي المراقب على سطح الأرض في حالتنا هذه. تنعدم هذه القوّة إذا راقبنا البندول من نجمٍ ما بعيدٍ عن الأرض، وسيبدو مستو تأرجح البندول في هذه الحالة ثابتاً. إنّ تلك الحركة لمستو تأرجح البندول ناتجةٌ عن تحرك الأرض بحركةٍ دورانيةٍ حول نفسها، فلو كانت ثابتةً والنّجوم تدور من حولها لبقي البندول يهتز في مستوٍ ثابت.
إذا قمنا بإجراء التجربة وعلّقنا البندول في القطب الشمالي لمحور دوران الأرض فإنّ مستو التأرجح سيكمل دورةً كاملةً مع عقارب الساعة وعكس ذلك إذا ثُبّت في القطب الجنوبي خلال 23 ساعة، 56 دقيقة و4.1 ثانية (يوم فلكي واحد) وهي المدة اللازمة لإكمال الأرض دورةً كاملةً حول نفسها بالنّسبة لنجمٍ بعيدٍ عن الأرض. وهذا ما أنجزه البروفيسور “جون بيرد” وزملاءه عام 2001م حيثُ ثبّتواْ البندول في القطب الجنوبي عند محور دوران الأرض تقريباً، وبعد إجراءهم للقياس تبين بأنّ الزمن اللازم لإكمال الدورة هو 24 ساعة تقريباً.

إنّ ما يحصل للبندول بالنّسبة لمراقبٍ ضمن الأرض هو تحرك الأرض من تحته وليس تحرك البندول في هذا الشكل الغريب، وهذه كانت أوّل تجربةٍ تثبت بأنّ الأرض تدور حول نفسها. وقد وجد “فوكو” بأنّ الزمن اللازم للبندول لإتمام دورةٍ كاملةٍ إذا ابتعدنا عن القطبين باتّجاه خط الاِستواء يزداد عكساً مع جيب زاوية خط العرض للمنطقة المعلّق بها البندول، ولا يدور مستو البندول في منطقة ما على خط الاستواء لأنّ الأرض لن تدور من تحته.

T=24h/(sin(latitude))

وبآليةٍ معاكسة، يمكننا معرفة زاوية خط العرض عند إجراء التجربة في مكانٍ ما، وذلك بقياس الزمن اللازم لإكمال دورةٍ كاملةٍ لمستو البندول.

إنّ بندول “فوكو” يهمل كافة التحركات للنّجوم والكواكب في الكون، فبالرغم من دوران الأرض حول نفسها كل 24 ساعة، دورانها حول الشمس كل سنة ودوران الشمس حول مركز مجرتنا مرة كل 250 مليون سنة، فإنّ مستوى التأرج للبندول يحافظ على اتّجاهه عند مراقبته من نجمٍ بعيدٍ خارج المجرة.

لماذا يسلك البندول هذا السلوك بالنسبة لنجم بعيد ولا يتأثر بكل تلك التحركات للأرض والشمس وغيرها؟

إنّ سبب ذلك هو عطالة البندول، فإذا فرضنا أنّ البندول مثالي ومقاومة الهواء منعدمة، فإنّ البندول سيهتز إلى ما لانهاية دون توقف بسبب عطالة البندول. لماذا تؤدي عطالة الأجسام التي نصّ عليها قانون “نيوتن” الأول إلى احتفاظ الأجسام بالحركات التي تؤديها وفق ذلك القانون؟نحن نعلم بوجود العطالة ولكن لا أحد يعلم سبب سلوك الأجسام العطالي هذا.

لفتت تجربة “فوكو” أنظار الوسط العلمي وانتشر ظهوره في المتاحف العلمية  في مختلف أنحاء العالم.

إنّ كوننا مليء بالفوضى؛ كواكبٌ تدور حول نفسها وحول النّجوم، نجومٌ وسوبرنوفا تدور حول مراكز المجرات والكثير الكثير من الفوضى. فما هو ثابتٌ أمامك يتحرك خلال الكون، وما هو ثابتٌ ثابتٌ نسبةً لمرجع هو ذاتهُ متحرك. وقد استطاع “فوكو” إثبات دوران الأرض حول نفسها في قاعةٍ صغيرةٍ نسبياً ومن دون استخدام أيّ مرقاب لمشاهدة النجوم. استخدم بعدَ ذلك الجايروسكوب لنفس الغرض وكان هو من أطلق عليه تلك التسمية.


المصادر:1234-A Description of the Motion of a Foucault Pendulum_University of Warwick.

  • إعداد: عبدالعزيز كلش..
  • مراجعة: شادي القصاص..
  • تدقيق لغوي: جيهان المحمدي..

بواسطة الفضائيون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

كيف تؤثر المشاعر على شهيتنا للطعام؟

الأرض من المسطحة إلى الكروية (الجزء 1)