تعتبر المراحل الجنسية النفسية في تكوين الشخصية من أهم النقاط في نظرية التحليل النفسي التي وضعها فرويد، فمن هو سيغموند فرويد ؟

سيغموند فرويد (1856-1939) ولد في تشيكوسلوفاكيا (سابقًا)، درس الطب في النمسا واختص بعلم الأعصاب وهو أشهر الأطباء النفسيين على الإطلاق، يعتبر فرويد المؤسس الأول لنظرية التحليل النفسي وهي نظرية متكاملة حول نشأة الإنسان وتطوره وعلاقته بمحيطه بشكل عام، تهدف لمعرفة أسباب الأمراض وعلاجها، كان من أشد المعجبين بنظرية دارون التطورية بالإضافة إلى إلمامه بالأساطير القديمة والتي أسقط جزءًا منها على نظريته، واستخدم الأسماء اللاتينية لبعض الآلهة والشخصيات القديمة في وصف الأمراض أو العقد النفسية وفي رموزه.

آمن فرويد بأن الحياة تدور حول التوتر واللذة، وأن التوتر الذي يعاني منه الشخص خلال مراحل حياته سببه زيادة الليبيدو (الطاقة الجنسية) وأن الشعور باللذة ينتج عن تفريغ هذه الطاقة. {ملاحظة: استخدم فرويد مصطلح جنسي بشكل عام لوصف كل الأفعال و الأفكار التي تجلب اللذة)، كذلك شدد فرويد على أهمية السنوات الخمس الأولى من الحياة في تشكيل جوهر شخصية الإنسان البالغ.

مع النمو الجسدي للشخص تصبح بعض المناطق الجسدية أكثر أهمية للشخص كمصادر للّذّة أو الإحباط أو كليهما وتتغير عبر مراحل حياته، تدعى بالمراحل الجنسية النفسية لأن كل مرحلة منها تمثل التثبت على الليبيدو (تترجم الليبيدو على أنها الرغبة و الغريزة الجنسية ولكنها تعني بشكل عام غرائز الحياة) في مناطق مختلفة من الجسم باختلاف المرحلة.

وهي خمس مراحل و سميت كل مرحلة منها باسم العضو الجسدي الأكثر أهمية لجلب اللذة في تلك المرحلة وهي:

المرحلة الفموية(0-1 سنة)

في هذه المرحلة يشكل الفم المصدر الأساسي للشعور باللذة لدى الأطفال، فالطفل يقوم بوضع كل أنواع الأشياء في فمه ليشبع الليبيدو لديه، ويفسر فرويد وجود منعكس المص لدى الأطفال الصغار وحب الطفل لثدي أمه بهذا السبب، إذا تجاوز الطفل هذه المرحلة بشكل سليم فسوف يكتسب بعض الصفات الإيجابية كحب العلم، القراءة والمطالعة، أما عند حدوث خلل ما فقد يكتسب الشخص عادات تمثل نكوص (عودة مصدر اللذة لمرحلة تجاوزها الشخص سابقًا) أو تثبت على المرحلة الفموية (شعور زائد باللذة يجعل الشخص يتثبت على هذه المرحلة ولا ينتقل للمرحلة التالية) فمن صفات الشخصية الفموية: حب التدخين، قضم الأظافر، مص الإبهام، حب التقبيل، حب شرب الكحول، وقد يصبح الشخص ساديًّا ومحبًّا للتهكم على الآخرين.

المرحلة الشرجية(1-3 سنة)

في هذه المرحلة يصبح مركز الليبيدو هو الشرج فالطفل يستمد لذته من التغوط، يتمثل الصراع الأساسي في هذه المرحلة بعملية التدريب على التغوط في الأماكن المخصصة لذلك فعلى الطفل أن يتعلم السيطرة على حاجات جسمه، وفي حال تم تطوير قدرة السيطرة على حاجات الجسم سيكتسب الطفل الشعور بالاستقلالية وإمكانية إنجاز الأمور.

النجاح في هذه المرحلة يعتمد على الطريقة التي يتبعها الأهل في تعليم أطفالهم التغوط اللائق، فالأهالي الذين يكافئون أطفالهم ويثنون عليهم عند الاستخدام الصحيح للمرحاض بالوقت المناسب يساعدون أبنائهم على اكتساب الثقة بالنفس والإنتاجية.

يعتقد فرويد أن التجارب الإيجابية في هذه المرحلة تشكل القاعدة لبناء شخصية تتسم بالإبداع، الإنتاجية، والأهلية.

ولكن لا يقدم جميع الأهالي الدعم والتشجيع الكافي الذي يحتاجه أطفالهم في هذه المرحلة، فبعض الأهالي يتبعون أسلوب الضرب والسخرية ووسم الطفل بالعار عندما يخطئ، والذي سوف يعطي نتائج سلبية تنعكس على شخصية ابنهم، فمثلاً إذا كان الأهل متساهلين بشكل كبير فعلى الأغلب سوف تصبح لديه شخصية شرجية انفجارية مدمّرة تتسم بالفوضوية والإسراف، أما في حال كان هنالك تشديد كبير أو بدء مبكر في تدريب الطفل على استعمال المرحاض سوف يصبح الشخص متعصب، متشدد، بخيل، جامد وشديد التقيد بالنظام.

المرحلة القضيبية (3-6 سنوات)

مركز الليبيدو: الأعضاء التناسلية

يبدأ الأطفال في هذا العمر اكتشاف الفروق ما بين الذكور والإناث، يعتقد فرويد أن الصبية في هذه المرحلة يبدؤون بالنظر إلى آبائهم على أنهم منافسون لهم على محبة الأمهات، وهنا تنشأ أهم العقد النفسية في الطفولة و منها:

عقدة أوديب the Oedipus complex:

هي من أهم مظاهر المرحلة القضيبية، وتعد من أكثر أفكار فرويد إثارةً للجدل، حيث يرفضها بعض الناس شكل قاطع.

الاسم أوديب مستمد من إحدى الأساطير اليونانية، والتي يقتل فيها الشاب أوديب أبيه ويتزوج أمه، ثم يوخز عينيه حتى يصاب بالعمى.

تظهر عقدة أوديب لدى الطفل الذكر نتيجة تطويره لرغبات جنسية تجاه والدته، ويريد الاستحواذ على أمه لوحده والتخلص من أبيه، ويعتقد الطفل بشكل غير عقلاني أنه إذا اكتشف أباه هذا كله فسوف يسلب منه أثمن ما لديه، و إن أثمن ما يملكه الطفل خلال المرحلة القضيبية هو القضيب، وهنا يطوّر الطفل ما يسمى بخوف الخصاء.

يبدأ الصبي الصغير بمحاولة إيجاد حل لهذه المشكلة عن طريق محاكاة وتقليد سلوك والده الذكوري وهذا ما يعرف بالتقمص (الاستنساخ)، وهي الوسيلة التي يتبعها لحل عقدة أوديب، فينتج عنه اكتساب صفات الدور الذكري، وتتطور الأنا العليا(الضمير) لديه.

عقدة إلكترا The Electra complex:

حالة مشابهة لعقدة أوديب ولكنها تصف ميل الإناث نحو آبائهم، وإلكترا هي شخصية أسطورية قتلت والدتها لأنها شعرت منها الخيانة في أثناء غياب أبيها.

حسد القضيب لدى الإناث:

يرى فرويد أن المرأة وفق الحياة والمنظومة الاجتماعية أدنى من الرجل، ويعتقد أن الفتاة تصاب بخيبة أمل عندما تكتشف أنها لا تمتلك قضيبًا وتصاب بما يسمى حسد القضيب وتتمنى لو أنها كانت صبيًا.

تحل الفتاة عقدة إلكترا بكبت مشاعرها تجاه أبيها واستبدال أمنيتها بأن يكون لديها قضيب بإنجاب الأطفال الذكور، تعتبر الفتاة أن أمها هي السبب في عدم امتلاكها قضيبًا مما يخلق توترًا داخليًا كبيرًا، ثم تكبت مشاعرها لتزيح هذا التوتر وتبدأ بتقمص شخصية أمها فتكتسب صفات الدور الأنثوي.

مرحلة الكمون (6سنوات – حتى البلوغ)

لا يوجد اهتمامات جنسية في هذه المرحلة، تتميز بتبلور الأنا والأنا العليا.

تبدأ هذه المرحلة بدخول الأطفال للمدرسة وزيادة اهتمامهم بتنمية العلاقات الاجتماعية والهوايات والاهتمامات الأخرى.

مرحلة الكمون هي المرحلة التي يبدأ فيها الشخص باستكشاف كل ما حوله وتكون الطاقة الجنسية فيها موجودة ولكن يعاد توجيهها نحو أمور أخرى كالأنشطة الذهنية والتفاعل الاجتماعي، تكمن أهمية هذه المرحلة في تطوير مهارات التواصل الاجتماعي وتنمية الثقة بالنفس.

المرحلة التناسلية(منذ البلوغ -الموت)

يبدأ الأفراد بتطوير اهتمامات جنسية قوية للأشخاص من الجنس الآخر، تبدأ هذه المرحلة عند البلوغ(المراهقة) وتستمر لبقية حياة الإنسان، وبينما كان الاهتمام في المراحل السابقة مركّزًا على حاجات الأفراد الشخصية فقط فإنه يصبح في هذه المرحلة مُنصبًّا على تحقيق الخير للآخرين أيضًا.

حسب فرويد فإن الناس جميعهم في هذه المرحلة يمرون بفترة مثلية جنسية وتتجلى بممارسة العادة السرية لإرضاء الشخص نفسه جنسيًّا.

تأخذ المفاهيم الاجتماعية بالتبلور إلى أن تأخذ الشخصية الطابع النهائي لها من حيث اختيار المهنة والعمل والانتماء وسواها من الأمور الاجتماعية حيث يدخل الإطار الاجتماعي.

إذا اكتملت كل المراحل السابقة بنجاح فسوف تتكون شخصية متوازنة، حنونة ومراعية للآخرين.

الانتقادات الموجهة لنظرية فرويد:

لاتزال نظرية فرويد مثيرة للجدل حتى يومنا هذا، ولكن تخيلوا الكم الهائل من الجرأة والجسارة التي ضربت بها المجتمع في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فقد وجه البعض الكثير من الانتقادات والتحفظات على نظرية المراحل الجنسية النفسية مستندين على أرضيات مختلفة، تتضمن الانتقادات العلمية وانتقادات من طرف الناشطين النسائيين، ومن أهم هذه الانتقادات:

  • معظم الأفكار تركز على تطور الذكور بينما نالت الإناث حصة أقل في تفسير التطور الجنسي النفسي لديهم.
  • من الصعوبة بمكان إجراء اختبار هذه النظرية وفقًا للأسس العلمية، حيث يستحيل القيام بقياس بعض المفاهيم كالليبيدو، وبالتالي لا يمكن إخضاعها للتجربة.
  • التوقعات المستقبلية ملتبسة وغير واضحة، فكيف لنا أن نعرف بأن سلوك الفرد الحالي ناتج بشكل خاص عن تجاربه في مرحلة الطفولة؟ حيث أن المدة الزمنية التي تفصل بين السبب والنتيجة طويلة جدًا، ولن نستطيع أن نحكم بوجود علاقة بين هذين المتغيرين.
  • نظرية فرويد قائمة على أساس دراسة حالات عدد من المرضى وليس على أساس البحوث التجريبية، كما أن اعتماد فرويد على ذكريات المرضى البالغين وليس على مراقبة الأطفال بشكل حقيقي ودراسة تصرفاتهم تعد من نقاط ضعف هذه النظرية.

المصادر1 – 2

  • إعداد: علي رزوق
  • مراجعة: داليا المتني
  • تصميم الصور: عمار الهوشي