علم الوراثة: «شيفرة» الطبيعة الرقمية

عندما تُنجبُ إمرأة ذات عيون خضراء طفلاً من رجل ذي عيون زرقاء، ما هو اللون المحتمل لعيون الطفل؟ في جميع الأحوال، لن يكون فيروزيّاً، بل قد يكون أخضرَ أو أزرق، أو رُبما بنيّاً.

تعطينا هذه الحقيقة دليلاً على كيفيَّة تعامل الطبيعة مع المعلومات الوراثية المنقولة من جيلٍ إلى آخر. فالطبيعةُ لا تتعامل بسلسلة طيفيّة من الاحتمالات بل تعمل وفق الإحتمالات المُنفصلة أو البدائل. ويشبهُ هذا التعامل كيفية نقل الحاسوب لحُزم المعلومات في العالم الرقمي، والذي يتكون من وحدات منفصلة من 0 و 1.

سنتحدَّثُ في هذا المقال عن الطبيعة الرقمية للمعلومات الوراثية، وكيف تبدو وكأنّها مُشفّرة بطريقة ذكية لدرجة أنّ الأخطاء الحاصلة فيها قليلة، وتنتقل للأجيال بشكل قليل.

لون البازيلاء

أشهر الشخصيات في مجال الجينات هو «تشارلز داروين» (Charles Darwin)، والذي نشر كتابه الرائد في هذا المجال «حول أصل الأنواع» (On the origin of species) عام 1859. وبغض النّظر عن تفسير تغيّر وتطوّر الأنواع، إلّا أنّ «داروين» لم يكن واعياً لآلية عمل هذه العملية، إذ تمَّ اكتشاف الطبيعة الرقمية للمعلومات الوراثية بواسطة الراهب «جريجور مينديل» (Gregor Mendel) عام 1866. وبالرغم من ذلك، فإنّه تمت معرفة الآليَّة الدقيقة لهذه العمليَّة بعد اكتشاف بُنية الحمض النووي الصبغي (DNA).

تساءل «مينديل» عن طريقة انتقال الظواهر المرتبطة بالكائنات الحيّة من جيلٍ إلى آخر عبر الوراثة (مثل لون العينين أو الطول لدى البشر)، ولكنَّه بحث في لون البازيلاء حيث قام بتوليد عدّة أجيال من البازيلاء بألوان مختلفة وراقب بحذر النتائج الوراثية، وأَخَذَ القياسات العددية التي لاحظها.

إقرأ أيضا: اكتشاف Dark DNA قد يغير مفهومنا عن التطور

لاحظ «مينديل» على وجهِ الخصوص أنّه إذا أخذ جيلاً من آباء  ذوو لون أصفر، وجيلاً من آباء ذوو لون أخضر أيضاً وقام بتزويجهما، فإنّ كلَّ الجيل الناتج من تزاوجهما يأخذ اللون الأصفر. ثم إذا سمح لكلِّ نبتة من الجيل الثاني بتلقيح نفسها (والبازيلّاء تستطيع فعل ذلك) ينتج لديه جيل ثالث من اللونين الأصفر والأخضر بنسبة 1:3، وهذا ما أظهر درجة عالية من الانتظام الرياضي.

وعندما استمر بعملية التلقيح الذاتي للجيل التالي حصل على ربع النباتات بلون أصفر، وربع بلون أخضر، والباقي امتزاج بين الأصفر والأخضر، وطبعاً بنسبة 1:3.

كانت النتائج التي حَصَل عليها «مينديل» دليلاً على الطبيعة المنفصلة للوراثة عِوضاً عن المزج في الصفات الوراثية، مثل اللونين الأخضر والأصفر.

وقام بتوضيح الأمر بافتراض وجود عاملين رئيسيَّيَن ومسؤولَيْن عن لون البازيلّاء، حيث افترض رمز Y للون الأصفر ورمز g للون الأخضر (واليوم تُسمى هذه العوامل بــ «الأليلات» (Alleles) للجين الواحد).

وحيث أنّ كلَّ نبتة تمتلك عاملين (باحتمالات YY أو Yg أو gY أو gg)، فالبازيلّاء الخضراء تَنتَج فقط عند وجود عاملين من نوع g، وفي هذه الحالة تكون كل نبتةٍ من النبتتين الأم قد مرَّرت أحد هذين العامِلَين إلى «أولادِها» (مع نسبة متساوية لكلِّ واحدة منهما)، أمّا عند اجتماعهما في حالة التلقيح الذاتي، يمكن اعتبارها عملية تلقيح بين نبتتين بنفس العاملين، وبدأ «مينديل» دراسته بتلقيح نبتة صفراء ذات عاملين YY مع نبتة خضراء ذات عاملين gg.

رسم توضيحي يُظهر تجارب «مينديل» ونتائجها

 

يوضِّحُ السطر الثاني في الرسم التوضيحي أعلاه ماذا يحدث عند دمج العامل الأول من النبتة الأم الأولى مع العامل الأول من النبتة الأم الثانية وهكذا، ويبيِّنُ كذلكَ أنّ جميع نباتات النسل في الجيل الثاني من البازيلاء ستمتلك العاملين Yg.

ويوضِّحُ السطر الثالث أنّ التركيبات من Y و g محتملة للجيل الثالث كنتيجة من التلقيح الذاتي للجيل الثاني، ويوضِّحُ السطر الرابع التركيبات المُحتملة للجيل الرابع كنتيجة من التلقيح الذاتي للجيل الثالث.

كما يوضِّح الرسم التوضيحي أدناه ألوان البازيلاء الناتجة (وتذكَّر أنَّ فقط النباتات صاحبة العامِلَين gg  تملك اللونَ الأخضر):

إذا اشترك عددٌ كافٍ من النباتات في التجربة، يمكننا افتراض أنّ جميع النتائج المحتملة تحدث بالنسبة الموضّحة في الرسمَين أعلاه: ربع أصفر، ربع أخضر، والباقي مزيج بنسبة 1:3 بين الأخضر والأصفر، وهذه هي النتائج والنسب التي لاحظها «مينديل» بالتحديد.

اقرأ أيضا: هل يمكن مشاهدة التطور مخبرياً؟

من البازيلّاء إلينا

نستطيع الآن فهم الآلية خلف هذه العملية: كميّات منفصلة من المعلومات مُشفّرة في جيناتنا، وفي السمات الموجودة في الكائن الحي، مثل لون البازيلاء، وهي تعتمد على تسلسل جيناتها.

تمَّ تعريف مصطلح «جين» (gene) واستخدامه من قِبَل «ويلهيلم جوهانسن» (Wilhelm Johannsen) عام 1905، أمّا مصطلح «الحمض النووي الصبغي» (DNA) فقد تمَّ تعريفه على أنّه المستودع الجُزَيئي للمعلومات الجينية من خلال التجارب التي أجرِيت في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي حيث تمّ دراسة بُنية الحمض النووي الصبغي (DNA) باستخدام أشعة إكس  (X-ray) بواسطة «روساليند فرانكلن» (Rosalind Franklin) و«موريس ويلكينز» (Maurice Wilkins).

وقد قاد هذا البحث كلاًّ من «جيمس واتسون» (James Watson) و«فرانسيس كريك» (Francis Crick) إلى نموذج ازدواجية جُزَيء الحمض النووي الصبغي (DNA) كما هو موضّح في الصورة أدناه:

رسم يُظهر الحمض النووي الصبغي

 

تظهرُ هذه الصورة إنتظاماً رياضيّاً قويّاً في شكل هذا الجُزَيء، والذي يطرح سؤالاً حول إذا ما أتى هذا الجُزَيء إلى الوجود من خلال العشوائية أم بسبب استخدام مبادئ رياضيّة عميقة.

اقرأ أيضا: أداة جديدة تسمح بالتنبؤ بلون قزحية العين والشعر والبشرة لشخص مجهول!

إنّ الجين بحدِّ ذاته سلسلةٌ من جُزئيات الحمض النووي الصبغي (DNA) والحمض النووي الريبوزي (RNA). و«الكروموسوم» (Chromosome) عبارةٌ عن ضفيرة طويلة من الحمض النووي الصبغي (DNA) التي تحتوي العديد من الجينات، فمن الممكن أن يحتويَ الكروموسوم البشري على أكثر من 500 مليون مِمَّا يسمى بـــ «أزواج القاعدة» (Base pairs) من الحمض النووي الصبغي (DNA) مع الآلاف من الجينات.

بدايةً، يتم نسخ الحمض النووي الصبغي (DNA) إلى حمض نووي ريبوزي (RNA)، وقد يمتلك الحمض النووي الريبوزي (RNA) مهمة مباشرة في الجسم، أو بشكل نموذجي أكثر، فإنَّه قد يوفّر قالباً للبروتين الذي بدوره يفعلُ وظيفةً مُحددة في الجسم.

ولأنَّ الجينات منفصلة، فإنَّه يمكننا ملاحظة توارث غير متواصل لمواصفات الكائن الحيّ، فبعض الصفات الجينية يمكن تحديدها بسهولة، مثل لون العيون أو الطول، والبعض الآخر – على العكس – لا يمكن تحديده بسهولة مثل نوع الدم، وبعض الأمراض المتناقلة وراثياً، والعمليات الحيوية داخل الجسم. وتُعرف التكملة الكلّية للجينات داخل خلية الكائن الحي باسم «الجينوم» (genome)، ويمكن تخزينه في واحد أو أكثر من الكروموسومات.

إنَّ جُزيء الحمض النووي الصبغي (DNA) عبارة عن سلسلةٍ مكوَّنةٍ من أربعة أنواع من الوحدات «النيوكليوتيدية» (Nucleotide units)، وكلُّ واحدة منها تتكونُ من سكّريات خماسية الكربون، ومجموعة فوسفات، وواحدة من القواعد الأربعة التالية: «أدينين» (Adenine) ورمزُه A، «سايتوسين» (Cytosine) ورمزه C، «غوانين» (Guanine) ورمزه G، و«ثايمين» (Thymine) ورمزه T. أمّا قاعدة «اليوراسيل» (Uracile) – ورمزها U –  فهي تتواجد فقط  في الحمض النووي الريبوزي (RNA).

وتتصرَّفُ هذه المكونات بشكلٍ مشابه للرسائل الثنائية (إمّا 0 أو 1)، ويمكنُ لهذه المنازل الثنائية تشفير كمية هائلة من المعلومات.

بشكل مشابه، فإنَّ جميع البروتينات في جسمنا مصنوعة مِمَّا يُسمَّى «الأحماض الأمينيَّة» (Amino acids) وهي أساس صناعة البروتين.

اقرأ أيضا: هل يمكن تخزين المعلومات على DNA؟

ويوجد ما يقارب عشرين نوعاً مختلفاً من الأحماضِ الأمينيَّة المستخدمة لصناعة البروتينات، وجميعها مُعرّفة باستخدام سلسلة من ثلاثة أحرف من الحروف A , C , G , U (يمكن لأيِّ حرفٍ من هذه الحروف الأربعة أن يتكرَّر، كما يختلف ترتيب هذه الأحرف من حممضٍ أميني إلى آخر).

صورة تظهر الحمض النووي الصبغي (DNA) والحمض النووي الريبوزي (RNA)

الوراثة كمشكلة نقل المعلومات

تتوارثُ الكائنات الحية جيناتها من آبائها، وتتوراثُ الكائنات الحية اللاجنسية (تتكاثر لاجنسياً مثل الأميبا) نسخة كاملة من جينوم آبائها. وتملكُ الكائنات الجنسية (تتكاثر جنسياً مثلنا) نسختين من الكروموسومات، وهي ترث واحداً من الأب وواحداً من الأم، وتعتمدُ الصفات التي نرثها من آبائنا على كيفية دمج هذه الكروموسومات.

ومن الممكن أن تكتسبَ الجينات طفرات في تسلسلها مِمَّا يؤدي إلى العديد من المتغيرات في الصفات، والمعروفة باسم الألّيلات كما ذكرنا سابقاً.

تقومُ هذه الأليلات بتشفير نسخٍ معدلة قليلاً من البروتينات، والتي بدورها تسبب وجود الصفات المختلفة.

وبالتالي، فإنَّه يمكننا القول أنَّ التطورَ يحصلُ من خلال الطفرات: إذا حدثت طفرة عشوائية وأثبتت أهمية وجودها وفاعليتها للكائن الحي وبقائه، فإنَّ هذا الكائن الحي سيقوم بتمرير جين هذه الطفرة لأطفاله.

وكان «مينديل» أولَّ مَن لاحظ أنّ بعض الأليلات من الممكن أن تكون سائدة وبعضها الآخر متنحي، والذي بدوره هو السبب الرئيسي لوجود التنوع الواسع في الوراثة.

تحدثُ عملية تمرير المعلومات بشكلٍ رقمي: تمَّ تصميم شيفرة الحمض النووي الريبوزي (RNA) التي تحتوي على قالب إنتاج البروتينات لقراءتها كشيفرة مكوّنة من الأحرف (A, C, G, U)، وكلُّ مجموعةٍ مكوَّنةٍ من ثلاثة من هذه الرموز تُسمى بــ «الـكودون» (Codon). وتستخدمُ معظمُ الكائنات الحيَّة نفس الشيفرة لصناعة البروتينات من الحمض النووي الريبوزي (RNA).

تُشبه الكودونات إلى حدٍ ما نظام تشفي «ASCII» المستخدم في لغات برمجة الحاسوب للتعبير عن النصوص حيث يتم تمثيل كل حرف بسلسلة من ثمانية أرقام من الصفر والواحد.

رسم توضيحي يظهر كيفية تحويل الحمض النووي الريبوزي (RNA) إلى بروتينات باستخدامم شيفرة «الكودونات».

 

وبما أنّ «الكودون» هو دمج ثلاثي من الأحرف (A, C, G, U)، فبالتالي يوجد (4x4x4=43=64) نوعاُ محتملاً من الكودونات.

يتم استخدام هذه الكودونات كشيفرات لعشرين حمض أميني مختلف فقط، وأيضاً كودونات مخصصة هدفها تحديد البداية والنهاية للجين تسمى «كودون البداية» (Start codon) و«كودون النهاية» (Codon stop).

تسمح هذه الوفرة بتعديل وتصحيح الأخطاء: لنفترض أنّه يمكن أن يحصلَ خطأ في عملية «قراءة» الكودون لأحد الأحماض الأمينية، كعدم قراءة أحد الحروف الثلاثة المكوِّنة للكودون، فإذا كان الثلاثي الجديد مرتبط مع حمض أميني، يتم إنتاج حمض أميني خاطئ، ولكن إذا كانت الكودونات للأحماض الأمينية الأخرى تختلف على الأقل بحرفين من الثلاثي المسارع للوصول، يصبح التنبؤ بوجود خطأ أسهل واستنتاج الحمض الأميني المعني إنتاجه أسهل. ومع وجود 64 احتمالية للكودونات لعشرين حمض أميني فقط، فإنَّه توجد مساحة كافية لاختيار الكودونات للأحماض الأمينيَّة حتى تصبح مختلفة كفاية لإيجاد عملية تصحيح الأخطاء.

وبالتالي، من الممكن أن تلعب الكودونات دوراً مشابهاً في عمليَّة الوراثة كالسلسلة من الصفر والواحد في عملية تصحيح الشيفرات البرمجية التي يقوم بها الانسان. ونحن لسنا متأكدين بشكل كُلّي من أنّ الطبيعة تقوم بتصحيح أخطاء الشيفرات بهذه الطريقة، ولكنها تبدو فكرة عقلانية ومحتملة مع وجود الطبيعة المنفصلة للبيانات وكذلك مع وجود وفرة في عدد الكودونات مقارنة بعدد الأحماض الأمينية. وإنَّ استخدام عملية نقل المعلومات فعّال جداً، ومن الممكن أن يقود إلى أخطاء بنسبة واحد لكل مئة مليون.

هل تقوم الطبيعة باستخدام طُرق أخرى لتصحيح الأخطاء؟ في بعض الأحيان الأخرى، يجب عليها أن تقومَ بذلك، وبدون هذه الإستخدام، لن تستطيع الكائنات الحية التكاثر على نحو موثوق وآمن يضمن استمرارية نوعها.

على أيّة حال، ولحسن حظنا نحن البشر، فإنَّ هذه الطريقة في تصحيح الأخطاء لا زالت تسمح بوجود الطفرات، وإلّا لما استمرّ التطور، ولما كنَّا هُنا في هذه الحالة.

في الملخّص، نحن نعيش عصر المعلومات، والتطوير الرياضي لنقل البيانات الرقمي المدموج مع تصحيح أخطاء الشيفرات يسمح لنا بالتواصل بثقة ودقة عالية. وكذلك فإنَّ الطريقة المستخدمة من قِبَل الطبيعة لنقل المعلومات من جيل إلى آخر هي طريقة رقمية ويمكن الوثوق بها، وهي تشبه طرق التواصل الرقمي كثيراً. ونحن نأمل أن توافق معنا على أنّ الرياضيات تشفِّرُ حتماً جيناتنا.

مُترجم بتصرف وتصحيح لبعض الأخطاء عن المقال الأصلي

مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه. لدعمنا إضغط هنا

  • إعداد: محمد يامين
  • مراجعة: هنادي نصرالله
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More