fbpx
الفضائيون

الترعرع فقيرًا لا يؤثر في صحتك فحسب؛ بل يطالُ جيناتك أيضًا!

نعم؛ لا يقتصر تأثير الترعرع في بيئة فقيرة على صِحَّتِكَ، بل يطال جيناتك أيضًا ويُغَيِّرُ مَا يتراوح بين 1 إِلَى 13 جِينٍ منها!

كلنا نُحب القصص ذات الاتجاه “مِنْ المَلَابِسِ الرَّثَّةَ إِلَى الثَّرَاءِ”، لكنّ الحقيقةَ هِيَ أَنَّ الفَقْرَ لَنْ يَتْرُكْكَ حَقًّا؛ لَيْسَ بتأثيره الدَّائِمُ عَلَى صِحْتَكِ وَ توازنِك النَّفْسِي فحسب؛ بَلْ على مستوى جيناتك!

توضح دِرَاسَةٌ جَدِيدَةٌ مَدَى تَأْثِيرِ الفَقْرِ على الحِمض النووي لدينا، وَكُشِفَ أَنْ مَا يُقَارِبَ 8 بالمائة مِنْ الجِينُومِ البشري قد يتأثر بِالتَّعْدِيلَاتِ الكِيمِيَائِيَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَلْتَصِقَ بنا مَدَى الحَيَاةِ.

تَوَصَّلَ بَاحِثُونَ مِنْ جَمِيعِ أَنْحَاءِ الوِلَايَاتِ المُتَّحِدَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ وَكنَدَا إِلَى هَذِهِ الإِحْصَائِيَّةُ، مِنْ خِلَالِ إِجْرَاءِ تَحْلِيلٍ عَلَى مُسْتَوَى الجِينُومِ البَشَرِيِّ لِنحو 500 مُشَارِكٍ فِي اِسْتِطْلاع سِيبُو لِلصِّحَّةِ الطُّولِيَّةِ وَالتَّغْذِيَةِ فِي الفِلِبِينِ Cebu Longitudinal Health and Nutrition Survey، و هو استطلاع أجراه باحثون أمريكيون و فلبينيون على أطفال ولدوا بين عامي 1983-1984، تابعوا فيه عدة عوامل متعلقة بظروفهم البيئية والمعيشية والصحية و أنماط تغذيتهم.

بِاِسْتِخْدَامِ بَيَانَاتِ مَسْحٍ جِينِيَّةٍ أُخذت مِنْ نِسَاءٍ أَنْجَبْنَ فِي مطلع الثمانينيات، حَدَّدَ الفَرِيقُ العَلَاقَةَ بين الحالتين الاجتماعية والاقتصادية، وقابلية الجِينَاتِ لِلتَّعْدِيلِ مِنْ خِلَالِ عملية التخلق (Epigenatics)؛ وَهِيَ عَمَلِيَّةُ تَأْثِيرِ عَوَامِلِ البِيئَةِ الخَارِجِيَّةِ عَلَى التَّعْبِيرِ الجيني؛ بسبب التَّغَيُّرِ فِي طَرِيقَةِ قِرَاءَةِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، لَيْسَ بِسَبَبِ تَغَيُّرَاتٍ فِي سلسلة الحِمض النووي.

للمزيد من المعلومات عن علم التخلق اقرأ هذا المقال: علم التخلق.

أوضح تُومَاس ماكداد (Thomas McDade)؛ عَالَمُ الأَنْثرُوبُولُوجِيَا (عِلْمُ الإِنْسَانِ وَسُلُوكُهِ) مِنْ جَامِعَةِ نُورِثُ وَسَتَرْنَ (Northwestern) في قوله: “أولًا؛ عَرَفْنَا منذ وقت طويل أَنَّ كل من الحالتين الاجتماعية والاقتصادية تُعَد عاملًا مُحددًا قَوِيًا لِلصِّحَّةِ، لَكِنَّ الآلِيَّاتِ الأساسيةَ الَّتِي مِنْ خِلَالِهَا تَتَذَكَّرُ أجسامُنا الفقرَ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ”.

لا تؤثر عَمَلِيَّةُ التخلق في تَسَلْسُلِ الجِينَاتِ أَوْ ترميزها، لكنّها لَا تَقُلْ أَهَمِّيَّةً مِنْ حَيْثُ النَّتَائِجِ عن تغير الترميز أو التسلسل للجينات.

تتضمن عَمَلِيَّةُ التخلق تغيرات كيميائية عَلَى المَادَّةِ الوِرَاثِيَّةُ (DNA) تمنع قراءةَ تسلسل الجِينَاتِ أو تعززها. فِي مِثْلَ هَذِهِ الحَالَاتُ، فَإِنْ الآليةَ الدقيقة والأكثر شيوعًا لِلتَّغَيُّرَاتِ الكِيمِيَائِيَّةِ هِيَ (methylation)*؛ أي إِضَافَةِ مجموهة الميثل (methyl) إِلَى الجِينِ و تَعْدِيلٍ عملية تَعْبِيرِهِ.

جَذَبَتْ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ تركيزاً مُتَزَايِدًا فِي مَجَالَاتِ البَحْثِ عَلَى مَدَارِ الأَعْوَامِ الأَخِيرَةِ؛ إذ تُشِيرُ الدِّرَاسَاتُ إلى أن كُلَّ شِيء يحدث بِسَبَبٍ تلقي مُؤَثِّرٍ مِثْلَ صَدَمَاتِ الطُّفُولَةِ يُؤَدِّي لِدَفْعِ الجِسْمِ إلى تعْدِيلِ جِينَاتِهِ.

النَّتَائِجُ لَيْسَتْ بَسِيطَةً؛ فَقَدْ تُؤَثِّرُ أَيْضًا في التَّطَوُّرِ المَعْرِفِيُّ، بَلْ وَقَدْ تشغل دَوْرًا فِي حَالَاتٍ مِثْلَ اضطراب طَيْفِ التَّوَحُّدِ. وعَلَى حَدِّ تَعْبِيرٍ ماكداد: “لَا تُوجَدُ طَبِيعَةٌ مُقَابِلَ التنشئة“.

لا تشكل تجارب حياتنا المُبكرة عقولنَنا فقط، بَلْ تُغِيرُ حَرْفِيًّا كيفية عمل أَجْسَامِنَا عَلَى مُسْتَوىً أساسي. وَبسَبَبِ وُجُودِ دَلَائِلَ عَلَى أَنَّ التَّغَيُّرَاتِ اللاجينية (تَغَيُّرَاتٌ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ تَغَيُّرٍ فِي التَّسَلْسُلِ أَوْ التَّرْمِيزِ لِلجِينَاتِ) لَهَا القُدْرَةُ عَلَى الاِنْتِقَالِ عَبْرَ الأَجْيَالِ، يَجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ أَيُّ سَبَبٍ مُحتمل عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ.

بِتَطْبِيقِ الدِّرَاسَاتِ الوِرَاثِيَّةِ المُصَمَّمَةِ لعيّنات دَمٍ مَأْخُوذَةٍ مِنْ أَطْفَالِ المَسْحِ في عامهم الحَادِيِ وَالعِشْرِينَ (إذ إن الدراسة طويلة الأمد)، تَعَرَّفَ البَاحِثُون إلى أكثر مِنْ 2500 مَوْقِعٍ لإضافة مَجْمُوعَةً الميثل، و1537 جِينٍ مِنْ الجِينَاتِ الَّتِي عُدِّلَت بِإِضَافَةِ الميثل، تَعُودُ إلى أطفالٍ شبّوا فِي حَالَةٍ اجتماعية واقتصادية متدنية.

(نظرًا لأنه قد يُضاف للجين الواحد أكثر من مجموعة من الميثل في أكثر من موضع، لذا من الطبيعي أن يكون عدد مواضع الإضافة أكبر من عدد الجينات.)

بِالمُقَارَنَةِ مَعَ الأَطْفَالِ المَوْلُودِينَ فِي بيئة أكثر ثراءً نسبيًا، فَإِنّ من أَصْبَحُوا فُقَرَاءً فِي وَقْتٍ لاحق مِنْ حَيَاتِهِمْ لَمْ يظهروا تِلْكَ الاِخْتِلَافَاتِ (فِي عَمَلِيَّاتِ إِضَافَةِ مَجْمُوعَةِ الميثل).

نَظَرًا لأن التقديراتِ الحاليةَ تقدِّر إِجْمَالِيَّ عَدَدِ الجِينَاتِ المَسْؤُولَةِ عَنْ تَكْوِينِ البُرُوتِينَاتِ لَدَيْنَّا بِمَا يقاربِ 20000 جِينٍ، فَإِنَّنَا نَتَحدث عن تغير نحو 8 بالمائة مِنْ إِجْمَالِيِّ جِينَاتِنَا. يُمْكِنُ أَنْ تَكْشِفَ الدِّرَاسَاتُ الإِضَافِيَّةُ عَنْ مَزِيدٍ مِنْ التَّغَيُّرَاتِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ واضحةً فِي هَذِهِ الدراسة.

الترعرع في بيئة فقيرة مُرْتَبِطٌ بِالفِعْلِ بِالتَّدَنِّي المَلْحُوظِ فِي الصِّحَّةِ لِعِدَّةِ أَسْبَابٍ كثيرٌ منها واضح، مثل: التعليم والمخاطر المرتبطة بِاِخْتِلَافَاتِ نِظَامِ الغِذَاءِ، ثم إن توفر العلاج بإمكانه رَفْعُ فُرَصِ الإِصَابَةِ بِالمَرَضِ وضعف الصِّحَّةِ العَقْلِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ.

لكن؛ هُنَاكَ تَغَيُّرَاتِ فيزولوجية مُرْتَبِطَةٌ بِالفَقْر أيضًا، قُدٌّ لَا يَكُونُ لَهَا تَفْسِيرَاتٌ منطقيةٌ دومًا، مثل: الاِلْتِهَابُ المُزْمِنُ واِنْخِفَاضُ المَنَاعَةِ الخلوية وَ زِيَادَةُ مُقَاوَمَةِ الأَنْسُولِينِ (اِرْتِفَاعُ فُرَصِ الإِصَابَةِ بِمَرَضِ السُّكَّرِيِّ)؛ مِمَّا قَدْ يُؤَدِّي إلى مشكلات صِحِّيَّةٍ.

لَا تَذْهَبُ الدِّرَاسَةُ التي بين أيدينا إِلَى أبعد مِنْ تَحْدِيدِ الرَّوَابِطِ الدَّقِيقَةِ بَيْن الجِينَاتِ الَّتِي أُضيفت لها مَجْمُوعَةِ الميثل وَآثَارِهَا الصِّحِّيَّةِ المُحْتَمَلَةِ، غير أن دراسات أُخْرَى كَانَتْ مُهْتَمَّةٌ فِي تَطْوِيرِ أَنْظِمَةِ مُهِمَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالمَنَاعَةِ وَعِلْمِ الأعصاب.

مِنْ المُمْكِنِ أَنْ تُسَاعِدَ بُحُوثٌ إِضَافِيَّةٌ فِي ملء الحلقات المفقودة؛ مِمَّا يُبِينُ أَنَّ هَذَا التَّنَوُّعُ فِي التَّغَيُّرَاتِ اللاجينية يُهَيِّئُ من شبّوا في بيئة من الفقر والمعاناة مَدَى الحَيَاةِ.

يَقُولُ ماكداد: “هَذِهِ المَجَالَاتِ الَّتِي سنركّز عَلَيْهَا لِمَعْرِفَةٍ مَا إِذَا كَانَت إِضَافَةُ مَجْمُوعَةِ الميثل لِلحَمْضِ النَّوَوِيِّ تُمثِّلُ آلِيَّةً مُهِمَّةً يُمَكِّنَّ مِنْ خِلَالِهَا لِلحَالَةِ الاجتماعية والاِقْتِصَادِيَّةِ ترك بصمةٍ جُزيئيةٍ دائمةٍ عَلَى الجِسْمِ، معَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ آثَارٍ صحيةٍ لَاحِقًا”.

# تُقَدِّرُ مُنَظَّمَةُ الصِّحَّةِ العالميةِ (WHO) أَنَّ نَحْوَ 1.2 مِلْيَارِ شَخْصٍ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ العَالَمِ يَعِيشُونَ حَيَاتَهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ دُولَارٍ وَاحِدٌ فِي اليَوْمِ!

لَا يُمْكِنُ لِلسِّيَاسَاتِ وَ الجَمْعِيَّاتِ الخَيْرِيَّةَ الَّتِي تُقَدِّمُ الدَّعْمَ الصِّحِّيَّ أَنْ تَذْهَبَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، خَاصَّةً عِنْدَمَا تتجاوز عَوَاقِبَ الفَقْرِ سَنَوَاتُ الطُّفُولَةِ.

حاشية:

* (methylation)؛ عَمَلِيَّةُ إِضَافَةِ مجموعة الميثل الَّتِي تَتَكَوَّنُ مِنْ ذرة كَرْبُون وَثَلَاثُ ذَرَّاتِ هِيدْرُوجِينٍ إِلَى القَاعِدَةِ النِّيتْرُوجِينِيَّةُ فِي الجِينِ؛ مِمَّا يُسَهِّلُ تَعَرُّفَ الإِنْزِيمَاتِ الخَاصَّةِ بِقِرَاءَةِ الجِينِ عَلَى الجِينِ أو يجعل تعرفها أصعب.

المصادر:

المُساهمون:
  • ترجمة: رغد أيمن سعد
  • مراجعة: محمد علي
  • تدقيق لغوي: نور عبدو

إضافة تعليق

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.